دار الكتب

كيف تدفن فضيحة نووية؟

عندما يقع زلزال أو يثور بركان، ماذا تفعل؟ إن كنت من العاديين (العقلاء) فليس لديك خيار إلا الهرب لأبعد مسافة ممكنة عن موقع الكارثة. وحده الفنان سيبقى معانقًا الأرض الخراب (الفنان ليس من العاديين، فهل هو من العقلاء؟).

في الساعة الواحدة وثلاث وعشرين دقيقة وثمان وأربعين ثانية من ليلة السادس من أبريل من العام 1986 وقعت الواقعة. من حسن حظ الأدب العربي، أن فنانًا كاتبًا نعرفه باسم محمد المخزنجي، سيكون هناك، في كييف عاصمة أوكرانيا، عندما انطلقت نار سوداء من الوحدة الرابعة من وحدات المحطة الكهروذرية من مفاعل تشرنوبيل.

كان المخزنجي يدرس للحصول على دكتوراه في الطب النفسي، كان يحق له العودة إلى بلده ولكنه في لحظة الاختيار رأى أن الكاتب مؤتمن على التاريخ، وتلكم لحظة تاريخية استثنائية، لقد حطم المارد النووي قمقمه ليكشف الكذبة.

لقد بدأت الكذبة أو الفضيحة مبكرًا، وذلك عندما سيطرت المحسوبية والرشوة على إجراءات تعيين أولاد الكبار من أهل الثقة للعمل في المفاعل. المجال النووي الخطير جدًا بل المرعب يحتاج إلى علماء وليس لمتبلدين كانوا يلعبون القمار والدومينو ويكتبون رسائلهم الخاصة في أوقات العمل.

أحد أبناء الكبار أجرى بجهالة عظيمة تجربة عظيمة الخطر، لقد زاد من تلقاء نفسه من طاقة المفاعل، فزادت درجة الحرارة حتى وصلت إلى حدود الجحيم، وحاول ستر عري تجربته الخائبة، فصب ماء التبريد على جحيم المفاعل، فكان الحريق وكان الانفجار.

عندما تورط نفسك في كذبة فكن مستعدًا لتطويق عنقك بسلسلة ثقيلة من الأكاذيب لتغطي عورة كذبتك الأولى، وهذا ما حدث في أوكرانيا التي كانت في تلك الأيام جمهورية من جمهوريات الاتحاد السوفيتي. أمريكا ومعها الغرب كشفوا ملفات الفضيحة، الاتحاد السوفيتي سكت، وظل ساكتًا لمدة تسعة أيام كاملة تاركًا شعبه ضحية للشائعات وللتهويل وللحقائق الغامضة.

تخيل معي وقوع انفجار نووي في بلدة ما، ثم تظن تلك البلدة أنها قادرة على دفن الفضيحة. أخيرًا ظهر على شاشات التلفزيون وزير الصحة الأوكراني ليعترف بالحادث ويطمئن الناس. آه الناس الذين لا ناقة لهم ولا جمل، الناس الذين لا يحصدون شيئًا من المغانم ويسددون كل المغارم، الناس الذين جرى تهجيرهم، الناس الذين حرموا من أطفالهم، فكل أطفال المدينة المنكوبة أخذوا إلى أماكن بعيدة جدًا لكي لا يدمرهم الإشعاع.

لماذا بقي المخزنجي في بقعة الرعب والهلاك تلك؟ لقد مكث لكي يكتب لنا كتابه “لحظات غرق جزيرة الحوت” الذي سجل فيه وقائع تلك الأيام التي كتبت نهاية تاريخ وبدء تاريخ جديد.

تقول القصة القديمة جدًا: إن بحارًا قد تحطم مركبه، فظل يصارع الموج إلى أن وصل إلى بقعة ظنها جزيرة النجاة فأقام عليها، وعندما غزاه الاطمئنان، تحركت الجزيرة التي ما كانت سوى ظهر حوت يعيش لحظات استجمام، عندما تحرك الحوت ألقى بكل ما على ظهره وضاع حلم البحار في النجاة.

هل كان البحار مخطئًا؟ نعم، لقد وقع في خطيئة خداع النفس، إنه لم يكلف نفسه عناء اختبار الأرض التي سيقيم عليها مشروع نجاته من الغرق، فكان الجزاء من جنس العمل، لقد غرق هو ومشروعه.

تلك القصة يستلهمها المخزنجي ليفضح عالم الأكاذيب الصغيرة والكبيرة، والكذب كالكفر ملة واحدة، لقد بدأت الكذبة يوم أسندوا إدارة المفاعل لجماعة من أولاد  الكبار وتجاهلوا العلماء، ثم كبرت الكذبة حتى أدت إلى تهجير مدينة كاملة.

مكث المخزنجي في أرض الهلاك لكي يصطاد لنا قصصًا قصيرة جدًا ولكنها مرعبة مثل الانفجار النووي، تقول القصة التي اصطادها المخزنجي من بين آلاف التفاصيل الدقيقة إن أمرًا عامًا صارمًا قد صدر بعدم فتح النوافذ، أي نوافذ كانت، من نوافذ البيوت إلى نوافذ السيارات لكي لا يتسرب الاشعاع إلى الداخل.

تخيل معي مدينة بدون نوافذ ولا أطفال، مدينة ترحل على ظهور السيارات إلى البقع النائية، عندما كانت الشوارع مهجورة وكانت السيارات تحمل الشعب إلى خارج نطاق الكارثة، كان بالون أطفال يمرح بخفة الهواء بين السيارات. لم تكن هناك يد طفل تلتقطه، لم تدهسه إطارات سيارة، لم يفك أحد عقدته فيفرغه من الهواء فيسقط جثة خامدة، ظل البالون لأيام يلاعب الشعب المهاجر، ثم فجأة جن جنون أحدهم فارتكب حماقتين كشفتا هول اللحظة، لقد فتح نافذة سيارته ثم أخرج مسدسه من جرابه وأطلق الرصاص على البالون.

ظل المخزنجي في مدينة الهلاك يشاهد غسل شوارعها ومبانيها وأشجارها مرات يوميًا، وكان هو وكل مقيم يبدل ملابسه ويغتسل بعدد مرات خروجه من منزله، ويبكي بدموع القلب مدينة بدون أطفال. ولأنه لا يصح إلا الصحيح فقد أفاق المسئولون من خمر السلطة جالبة الأكاذيب وأسندوا السيطرة على الكارثة للعلماء.

أين كان العلماء منذ بدأ الأمر؟ لقد كانوا مثل عنترة بن شداد كما في قصيدة أمل دنقل الشهيرة “البكاء بين يدي ّ زرقاء اليمامة”:

وها أنا في ساعة الطعانْ

ساعةَ أن تخاذل الكماةُ .. والرماةُ .. والفرسانْ

دُعيت للميدان

أنا الذي ما ذقتُ لحمَ الضأن

أنا الذي لا حولَ لي أو شأن

أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان

أدعى إلى الموت .. ولم أدع الى المجالسة.

لبى العلماء نداء الموت وقاموا بحفر أنفاق أسفل المفاعل المشتعل وتمكنوا من تبريد قلبه، ثم صبوا فوقه آلاف الأمتار من الخرسانة المسلحة صانعين تابوتًا عملاقًا لكي يدفنوا الفاعل وإشعاعه المميت.

تلك كانت لحظة موت تاريخ من الأكاذيب وميلاد تاريخ جديد من مواجهة النفس والاعتراف بالمرض وإسناد الأمور لأهلها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: