رؤى

اهتزاز اليقين في وجود الحقيقة

بعد ما يزيد على ثلاثة قرون من معاودة العلم والفلسفة الحديثة والمعاصرة في الغرب إلى البحث في كيفية بلوغ الحقيقة، يقر الأغلبية بعدم قدرتهم على تجاوز حضور المجاز في كل شيء، مثلما انتهى الإغريق الأقدمون ومن بعدهم العرب أيام حضارتهم الزاهرة. فالذين آمنوا في الغرب بالوضعية المنطقية التي تفرض عدم الاقتناع بأي شيء خارج دائرة المحسوس والملموس والمرئي والمسموع والمتذوق، لم يفلح صوتهم في التغطية والتعمية على صوت انتقل من الهمس إلى الصراخ يفرض الحدس كأحد مسارات الوصول إلى البرهان. والذين قالوا إن العلم يقربنا من الحقيقة بأسرع مما نتصور، انتهوا إلى أن المسألة ليست بهذه البساطة، ولا بتلك السرعة، منصتين إلى قول برتراند راسل إن ما تم إثباته من حقائق صار علما، وما دون ذلك يظل فلسفة، وهو الأعرض والأكثر وجودا، إذ إن العلم لم يستوثق إلا من أشياء قليلة رغم ما بلغه من سيطرة، أو يصغون إلى قول فريدريك نيتشة من أن الحقيقة هي مجموعة من الاستعارات المحتشدة، بما يعني أن المجاز لا يمكن أن يوضع في وجه الحقيقة أو يكون مقابلا لها.

كان نيتشة يعتبر الحقيقة جيشا متحركا من الاستعارات، بل ذهب إلى ما هو أقسى من ذلك حين اعتبر الحقائق مجموعة من الاستعارات المبتذلة من كثرة تداولها، وشبهها بقطع من العملات المعدنية التي انمحت الصور المنقوشة عليها، ولا ينظر إليها إلا على أنها قطع من المعدن فحسب، وليس لها صلة بالعملات النقدية المعدنية.

وإذا كانت الحقائق الواقعية على هذا الوضع فإن التعبيرات الاستعارية لا تصبح نمطا معزولا من أنماط التعبير اللغوي، إنما تصبح أساس هذا التعبير اللغوي نفسه، وفي الوقت نفسه يصبح التمييز بين الواقعي والاستعاري مسألة عارضة وليست مسألة تتصل بدلالة الألفاظ ومعانيها بصورة مجردة، ذلك لأن التعبير الواقعي يعد معادلا للاستعمال اللغوي المألوف أو السوي، ويصبح التعبير الاستعاري معادلا للاستعمال اللغوي الغريب أو الشاذ.

ويذهب بنا الناقد الفرنسي رولان بارت إلى ما هو أبعد من هذا حين يربط الحقيقة بالتهكم قائلا: “ما أدعيه هو محاولة إحياء كاملة للتناقضات المعاصرة، التي يمكنها أن تجعل السخرية هي شرط الحقيقة”، ثم يفسح طريقا للأسطورة كي تكون موجودة بقوة ونحن نمعن النظر في كل ما يجري حولنا، حيث يقول: “الأسطورة ليست موضوعا أو مفهوما أو فكرة، وإنما صيغة دلالية أو شكل .. الزعم بالتمييز بين الأشياء الأسطورية على أساس مادتها، مضمونها، أو فحواها، إنما هو زعم زائف، تمام الزيف. فالأسطورة نمط كلامي، ومن ثم فكل الأشياء يمكنها أن تكون أسطورة شريطة أن تنتقل عبر خطاب ما، إذ أنها لا تتحدد بموضوع الرسالة التي تحملها، بل بالطريقة التي تلفظ بوساطتها هذه الرسالة، .. كل شيء يمكن أن يكون أسطورة، نعم أحسب ذلك، فالكون خصب بالإيحاءات والإيعازات التي لا نهاية لها”.

الناقد الفرنسي رولان بارت

ويدخل الروائي والناقد الإيطالي إمبرتو إيكو في هذا الجدل، ليرى أن هناك إلهاما فلسفيا ينظر إلى اللغات باعتبارها استعارة كبيرة لاشعورية، مرتبطة بطبيعتها بجوهر الأشياء، ويطلب منا أن نتوخى الحذر في هذا المجال، فإذا نحن سرنا في هذا الاتجاه، فإننا سنضطر إلى تأكيد أن اللغة الاستعارية ( وبالتالي الشعرية) هي وحدها أداة المعرفة الأصيلة والتواصل الحقيقي.

الناقد الإيطالي إمبرتو إيكو

إذا كان المجاز هو الأساس المبدئي في إنتاج النصوص الأدبية، أو المؤسسة الذوقية والاصطلاحية التي تتحكم بشروط إنتاج واستقبال هذه النصوص، فإن ما يجب أن نلتفت إليه، ونؤكد عليه، في هذا المقام، هو أن المجاز تجاوز حيز البلاغة كقيمة جمالية ليكون قيمة ثقافية، فاللفظ قبل استعماله لا يكون حقيقة ولا مجازا، فكلاهما من عوارض الألفاظ، إنما يأخذ اللفظ هيئته من السياق الذي يوضع فيه، وهذا معناه أن التعبير المجازي مولود ولادة ثقافية عامة، وأن وضعه في مقابل الحقيقة في حاجة إلى مراجعة.

 وقد انتقل اهتزاز اليقين في الحقيقة من الفلسفة والنقد والمنطق والأدب واللغة إلى عالم السياسة، الذي لفت انتباه الجميع إلى أن الحقيقة يمكن في بعض الأحيان فرضها عنوة، أو إقرارها أو حتى الإيهام بها من قبل من يمتلكون ركائز قوة تمكنهم من تسويق ما يعتقدون في حقيقته وتسويغه، وهنا يبدو أن “الأشياء لا تكتسب قوتها من كونها حقيقية، وإنما هي حقيقية، لأنها تتمتع بالسلطة .. وبذا تبقى السلطة هي القدرة على التحقيق، تحقيق الواقع وتحقيق مجالات الأشياء وأنماط الحقيقة .. ولا تنفصل الحقيقة عن السلطة أو تعني انعدام السلطة، فالحقيقة ليست مكافأة تمنحها الأشباح الهائمة، بل هي جزء من هذا العالم، ولا تحقق إلا من خلال أشكال متعددة من الانضباط .. فكل مجتمع له مفهومه الخاص عن الحقيقة، أي سياسته العامة للحقيقة، أي أنواع الأساليب التي يقبلها ويفعلها بوصفها حقيقة، وترتبط الحقيقة في العلاقات الدائرية بنظم السلطة التي تفرزها وتدعمها وبأثر السلطة التي تمنحها وتزيد مساحتها. ويتمتع أصحاب القدرة على تحديد هذه الحقيقة، بقدر كبير من السلطة حقا”.

لهذا لم يكن الفيلسوف والأديب المصري عبد الغفار مكاوي مبالغا حين انتهى بعد مراجعة ثلاثة نصوص للفيلسوف الوجودي هيدجر حول الحقيقة إلى طرح العديد من الأسئلة حول ماهية الحقيقة وسبل الوصول إليها، والامتلاء بها، وبأي سهم نريش طائرها الأبيض المستحيل، وأي قفص لغوي يتسع لآفاقها البعيدة وأسفارها العديدة في البلاد والأجيال؟ وما معانيها المختلفة باختلاف المذاهب والمدارس، عند القدماء والمحدثين، والمثاليين والواقعيين، في المنطق ونظرية المعرفة، بمدلولها الوجودي والعمل أو النفعي؟ وهل هناك حقيقة مطلقة أم حقائق نسبية؟ أهي الحقيقة الأصلية التي تتطلع إلى نورها، وتحاول أن تندمج فيها، وتتحقق بها، وتقف منها موقف التسليم والخشوع، أم الحقيقة الفعلية التي نغزوها وننتزعها انتزاعا؟ .. أنتشارك نحن البشر في صنعها وخلقها؟ أم ليس علينا إلا أن نطهر بيتنا ليكون أهلا لزيارتها، ونهيئ مصباحنا لكي تلمس فتيله بشرارتها؟ أنتقدم نحوها بجهدنا وجهادنا خطوة خطوة، أم ننفتح عليها، ونتركها تكون وتنير؟ ألكل حقيقته؟ أم أن الحقيقة قيمة نظرية ومثال معرفي يسمو على التغير والتطور، ويرتفع فوق الزمان؟ أهي كيف وصفة أم علاقة بين ذات وموضوع ووعي ووجود؟ أنلتمسها في اتساق الفكر مع نفسه، أم في تطابق العقل مع الأشياء أو الأشياء مع العقل؟ أهي وسيلة أم غاية؟ طريق أم هدف، فكر أم فعل، خلق وكشف أم إنجاز وتحقيق عملي، انعكاس للواقع على الشعور أم فعل محض لهذا الشعور؟ ألها مقاييس موضوعية تحدد شروطها وتجنبها الزيف والخطأ، أم هي كامنة في صميم الذات الحميمة الممتنعة على العلم والموضوعية والقياس والتحديد؟ متى تكون الحقيقة حية أو ميتة، خصبة أو عقيمة؟

عبد الغفار مكاوي

هذه أسئلة لا آخر لها، صحبت الإنسان منذ أن بدأ يعي ويعبر باللغة، وستبقى ما بقي العالم والإنسان. وضعت عنها مئات الكتب والبحوث، واختلفت حولها المذاهب والعقول والقلوب، وستظل مختلفة ما دامت تواجه الألغاز في الباطن والظاهر، والداخل والخارج.

وقد أدرك هايدجر بعد أن بحث عن معنى كلمة الحقيقة في اللغة الإغريقية أنها لا تعني تمثيل الواقع بصورة صارمة إنما تنطوي على الكشف والإظهار، وبذا بات مقتنعا بأن الحقيقة ليس بوسعها الاستغناء عن العملية الاستعارية. لكن كاهن التفكيكية الأكبر جاك ديريدا يرفض رفضا واضحا أي تمييز بين المعنى الواقعي والمعنى الاستعاري على الإطلاق.

إن “الحق” و”الحقيقة” تكون أحيانا ملتبسة أو متوارية خلف مجازات وخيالات لا حصر لها، ووجود نقطة مركزية تنطلق منها، أو تعود إليها، يبدو أحيانا أمرا نسبيا، فكل الذين تقاتلوا في التاريخ الإنساني كان كل منهم يزعم أن الحق معه ومع هذا لا يخلو الأمر من إمكانية ضبط، إذ إن بوسع أكثرنا صدقا أن يرى أن كل ما يؤدي إلى التقدم في الحياة وتحرير الإنسان وتحقيق امتلائه الروحي وسموه الأخلاقي وتلبية احتياجاته كي يبقى منعما كريما على قيد الحياة يمكن أن يكون من قبيل “الحق” بمعناه الأكثر شمولا وليست بعض تصورات دينية أو سياسية أو لغوية عن الحق قادت إلى إتعاس البشرية عبر تاريخها المديد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: