ثقافة

حنا مينه.. كاتب الكفاح والفرح الإنسانيين

عاش حياة صاخبة قاربت القرن حتى قال: عشت عمرا مديدا حتى خشيت ألا أموت.

شيخ الروائيين العرب الذي حمل على كتفيه تجربة إنسانية وصفها بأنها كانت أقسى بكثير من كل ما كتب.

 لم يجد حنا مينه على هذه الأرض ما يضمد جراحه التي رعاها على مر السنين كما ترعى الأم صغارها؛ فكان البحر مصطفاه في رحلة الإبداع الطويلة التي امتدت لنحو ستة عقود، وأثمرت أكثر من أربعين رواية تلمس فيها روح الإنسان الذي وقع ضحية الاستغلال والجشع والاضطهاد بداية بـ”المصابيح الزرق” عام 1954، التي حملت شذرات من سيرته الذاتية وتعد هي ورواية “بقايا صور” ورواية “المستنقع” و”القطاف” الأكثر تعبيرا عن معاناة الروائي الكبير التي تجسدت منذ البدء في مشهد التهجير من لواء الإسكندرون حين اقتطعته تركيا وضمته إليها بالتواطؤ الفرنسي عام1937، مرورا باضطراره تحت ضغط الفقر والحاجة إلى ترك المدرسة بعد إنهائه المرحلة الابتدائية، وتقلبه بين المهن المتواضعة مشردا.

 يقول مينه عن عذاباته في تلك السن الصغيرة: “كنت أقوم بالخدمة في الكنيسة طوال أربع سنوات، أطفئ الشموع، أحمل الأيقونات، وأنام واقفا أحيانا”. وكثيرا ما كانت الأمور تصل إلى ما هو أسوأ من ذلك: “كنت أعاني البطالة والغربة والفقر والجوع وأحسد الكلب لأن له مأوى”. لعل هذه الحقبة من حياته هي التي ألهمته أن يجيب أحد أساتذة الفلسفة حين سأله عن اسم الجامعة التي تخرّج فيها بقوله: “جامعة الفقر الأسود».

ما أقسى هذا الشعور الذي يسحق روح الإنسان فيتحجر قلبه؛ فتصبح الحياة عصية على المسرة تأبى حتى أن تلين بلمسات الحب، نعم رغم ما تمور به روايات حنا من عواطف إنسانية تقطر صدقا إلا أن بطلنا يعترف أنه لم يحب، لم يحب أبدا: “حنا مينه لم يحب، حنا مينه انتقم، حنا مينه لا يسكت على خطأ، ذات مرة غمز أحدهم في أصلي فقلت له: حنا لا ينسى أصله، أخواتي كن خادمات حين كنت طفلا، وحين كبرت حررتهن وزوجتهن أفضل زيجات، وتوفين بكرامة، لقد انتقمت لهن، أخذت بثأري انتقاما لا حبا”. حتى عندما أعجب بإحداهن وأتت إليه ملبية لم يستطع أن يحرك قلبا تدثر بجراحه على مدى عقود نحوها.. قلت: اذهبي لم يبق في الكرم غير الحطب.

ربما أدرك حنا أن حب امرأة يحتاج إلى قليل من الفرح والنشوة العارمة؛ لكنه منذ وعى لم ير امرأة بلا حزن، بلا وجيعة مضنية، أمه وأخواته وما لاقينه من عناء ومحن متلاحقة، رسم الحزن وحده مشاعره تجاه المرأة على كل المساحات التي كان من الممكن أن تكون متاحة لبهجة العشق ومسرات الهوى. هذا القهر الكظيم بتراكم الكآبة في دروب روح حنا يكشفها وصفه لمشهد موت أمه “…أحسست بحرقة أيبست عيني، لم أبكِ، شاهدتها مسجّاه ولم أبكِ، قبلتها في جبينها البارد برودة الموت ولم أبكِ، سرت في جنازتها جَلِدا، صبورا، متفهما حقيقة الموت التي هي وجهٌ آخر لحقيقة الحياة، مذعنا لها، مُسلما أمري لقضاء مبرم، هو قضاؤنا جميعا”.

بالتأكيد حملت أعمال حنا مينا الروائية تعاطفا كبيرا مع المرأة سيما الشراع والعاصفة والياطر ونهاية رجل شجاع وغيرها، لكن المأساة كانت أفدح من ذلك بكثير، وقد نفهم هذا بشكل أوضح إذا اتسعت زاوية الرؤية لتشمل علاقة مينه بمدينتي اللاذقية ودمشق.. فلقد مثلت الأولى لدى حنا قوة البحر وصخبه وثورته وهيمنته على كل شيء فكانت أقرب إلى قلبه على الدوام، أما دمشق الفاتنة فقد ظلت على مسافة، لم يصرح كاتبنا الكبير بذلك لكنه ألمح إلى له في غير مناسبة عندما قال: “عشت في دمشق خمسين عاما ولم أكتب عنها خمسين كلمة”، وإن حاول تبرير ذلك فيما بعد بمبررات غير مقنعة حين وصف المجتمع الدمشقي بأنه “مجتمع كتيم” أي لا يعرف البوح ولا يرحب بالغرباء، وقد تراجع أيضا عن تلك المقولة.

عرف حنا مينه النضال ضد المحتل الفرنسي وهو يافع؛ فامتلأت روحه بعشق الكفاح حتى أنه يصف نفسه فيما بعد بأنه “كاتب الكفاح والفرح الإنسانيين، فالكفاح له فرحه، له سعادته، له لذته القصوى، عندما تعرف أنك تمنح حياتك فداء لحيوات الآخرين، الذين قد لا تعرف لبعضهم وجها، لكنك تؤمن في أعماقك، أن إنقاذهم من براثن الخوف والمرض والجوع والذل جدير بأن يضحى في سبيلهم”.

وبالرغم من أن مينه ابتعد عن العمل السياسي مبكرا، وإن ظل وفيا لآرائه وتوجهاته الايدلوجية، إلا أن هاجس النضال وحلم التغيير لم يفارقه حتى بلغ أرذل العمر كما كان يقول، ففي روايته “الذئب الأسود”، وهي من أخريات رواياته: “يصور التعب والخيبات وشبه الملل الذي يعتري المناضلين خاصة في العالم العربي من أجل تغيير واقع حياة الانسان ويبدو كأنه في الوقت نفسه يدافع عن المناضلين القدامى المتعبين رافضا إدانتهم أو إهمالهم كما تفعل أحزاب وجماعات وداعيا إلى تفهم أحوالهم والإفادة من تجارب هؤلاء الجنود القدامى الذين لم يتخلوا عن القضية بل سيطر عليهم تعب قاس”.

وقد رمز مينه في هذه الرواية للفساد والاستبداد الذي يفتك بعالمنا العربي بذئب أسود لا ينفك يتناسل وتنتشر ذريته في كل بقعة من ارض الوطن، كما أنهم يحصلون على دعم خارجي، كما رمز إلى البلدان العربية باثنين وعشرين غابة تجتاحها تلك الذئاب وتعيث فيها فسادا، فيما رمز للمناضلين من اجل التغيير بالصيادين الذي يطاردون الذئاب السوداء.

أكد حنا من خلال الرواية على قيمتين أساسيتين، أولهما أن قيمة الصراع لا تكمن في القدرة على الحسم بل في الإمكانية المتجددة للاستمرار وتجديد الدماء، أما القيمة الثانية فكانت تتعلق بضرورة توحيد الجهود في مواجهة الذئاب “فالذين يسمنون الذئاب السود متحدون فكيف نقابلهم متفرقين؟”.

شخصيات حنا مينه لا تعبر عن نماذج واقعية لكنها نتاج اشتباك التخييل الروائي بالتجربة الحياتية، لذلك اقتربت رواياته من الأدب الشعبي، ولم تقع في أسر رطانة ما بعد الحداثة إذ كان الصدق دائما هو الهدف الذي لم يحد عنه شيخ الروائيين برغم أنه أعلن عن حرصه الشديد على عنصرين أساسيين هما: الإيقاع والتشويق من جهة، وتوفير المتعة والمعرفة من جهةٍ ثانية.

ظل حنا مينه طوال عمره المديد وفي كل ما قدمه من أعمال وفيا للبؤس الإنساني؛ حتى بعد أن عرف رغد العيش لم يرق له ذلك؛ فكان ينفق كل ما يربح ولا يدخر إلا أقل القليل بعد أن فطن إلى أن تلك المعاناة بلا انقضاء، فليست مهنة الكتابة كما يتوهم البعض سوارا ذهبيا يرتديه الكاتب وبه يختال بل هي أقصر طريق للتعاسة الكاملة كما كان يقول شيخ الروائيين الذي رحل في أول أيام عيد الأضحى.. وكأنه يقول لنا: ابتهجوا فليس ثمة ما يستحق الحزن.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: