منوعات

ناجي العلي.. حنظلة يقهر الغياب

أربعون ألف رسمة بريشة تشعل الغضب كما الحماسة في نفوس من عرف لوحاته، كانت تُبكي وتُضحك، كل خط من خطوطها دعوة للثورة وتحريض على الانتفاضة. روي أنه كان يخيف أصدقاءه كما أعدائه، حمل بين جنباته ضميرا نقيا لا يرى في غير البندقية سبيلا وحيدا لتحرير بلاده فلسطين، وأخلص لها في موته كما في حياته، فمات كما يموت الفلسطيني.

تتابعت فصول حياة ناجي العلي على «مسرح القسوة» حتى الفصل الأخير منها، فاحتوت على ذات الحركات العنيفة والصرخات التي ميزت مسرحيات أنتونين أرتو، لكنها لم تكن عبثية كتلك، بل كانت ملتزمة بقضية الأمة الأولى، قضية فلسطين.

شهد العلي وهو ما زال يرتقي خطواته الأولى في درج عمره، أبشع جرائم التطهير العرقي في القرن العشرين خلال النكبة 1948، ليغادر وأسرته فلسطين إلى لبنان، هُجر العلي من «الشجرة» التي استظل تحتها المسيح، كما كان يحلو له أن يفاخر، إلى مخيم عين الحلوة، ليخوض أهم معاركه، معركة ضد النسيان على أرضه، أرض المخيم، حيث تُهرس أحلام العودة بفعل الهوان العربي، لتذروها مرارة العجز عن مواجهة العدو، ليموت الفلسطيني  صامتا، حيث ممرات المخيم الخانقة تقمع الصوت، لا يجاوزها.

حملته رسوماته إلى خارجه، وافترشت الصحف بعد أن نشر غسان كنفاني إحداها بجريدة الحرية 1961، لتبدأ معركته التالية بعد انتصاره في الأولى، معركته ضد الكيان الصهيوني، وضد كل من رأى في غير البندقية سبيلا للتحرير، فعمل رساما، ومخرجا، وكاتبا؛ في مجلة الطليعة الكويتية لسان حال القوميين العرب، وانتقلت رسوماته بعد ذلك الى جريدة السياسة الكويتية 1969، وصاحبتها حتى عام 1974، ليعمل بعدها في جريدة السفير اللبنانية.

في تلك الفترة التي تنقل فيها العلي بين الكويت ولبنان، أطلق رسوماته في كل الاتجاهات، فأصابت الاحتلال الصهيوني والإمبريالية الغربية والأنظمة العربية الطاغوتية، والفصائل اللبنانية والفلسطينية المتناحرة، والسلطة الفلسطينية أيضا، ولم يعبأ بأي خطوط حُمر، فلم يكن يعرف سوى خط أحمر واحد: «ليس من حق أكبر رأس أن يوقع على اتفاقية استسلام وتنازل عن فلسطين».

لم ينس في أجواء المعركة مخيم عين الحلوة وكل المخيمات الفلسطينية، حملها في رسوماته، وفي خطوطه المتقشفة، ليضع معاناة أهله نصب عين جمهوره العريض، وفي هذه المساحة الزمنية أيضا، هبط حنظلة على عالمه، وتقدم ليصبح فارسه الأول في معركته بل معاركه المتعددة.

أصبح حنظلة رمزا للمقاومة، وعند اجتياح قوات الكيان الصهيوني بيروت، التحق بها، وانقطعت رسوماته عن جريدة السفير بعد أن احتجزته قوات الاحتلال، وظن البعض أنه استشهد، لكنه سرعان ما ظهر بالسفير من جديد، ليواصل شن غاراته ضد الجميع.

لم يتوقف العلي عن مهاجمة كل الأطراف التي ساهمت في تخثر القضية الفلسطينية، وازدادت رسوماته اشتعالا، خاصة بعد أن انتقل السادات من معسكر العداء للكيان الصهيوني إلى معسكر الصداقة له، فيتخذ الراحل ياسر عرفات وضعية الاستعداد للحاق به، وكان هذا فوق الطاقة، فوق طاقة المناضل النبيل على الاحتمال، فأمطرهما بوابل من رسوماته، لتطارده التهديدات من لبنان إلى الكويت، ويطرد من الأخيرة، بإيعاز من منظمة التحرير الفلسطينية، التي هاجم العلي قياداتها، وفي مقدمتهم عرفات، هجوما جامحا.

ارتحل بعدها العلي إلى لندن لتتبعه التهديدات إلى مدينة الضباب. أضحى المناضل النبيل مخيفا بريشته التي استطالت فقزمت كل من وجه فوهتها إليه، وانتصر بها لكل ضحية، للضحية المنسية في المخيم، والضحية المقهورة في وطنها بفعل الاحتلال، والضحية التي تسعى في الأرض كدودة خرساء، لا تبحث سوى عن وجبة تقيأها السادة المتخمون بالسلطة والثراء. أضحى مخيفا بعد أن درب ريشته على اصطياد الحقيقة، في مهارة فائقة، ليقذفها في وجوه أعدائه فيرتاعوا من منظرها المهيب، عندها قرروا أن يقصفوا هذه الريشة التي كانت لا تزال مكتنزة بالمعاني المفجعة، تترصد أفعالهم، لتنفجر في وجوههم الكالحة، فعاجلوها قصفا، ليسقط حنظلة فلسطين كما عاش، وهو يدير ظهره لنا.

الوسوم

محمد السيد الطناوي

كاتب و باحث مصري Mohamed.altanawy1@Gmail.com

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: