دار الكتب

سفر الحوالي بين تطرفين.. حكاية رجل حول الغرب لقنبلة موقوتة

الداعية السعودي سفر عبد الرحمن الحوالي يمثل أيقونة فكرية لكثير من الشباب النشط والمندفع داخل التيارات الإخوانية والسلفية، يقبلون بنهم على دروسه ومؤلفاته ومقالاته وتسجيلاته منذ ذاع صيته في الثمانينيات ومطلع التسعينيات، واتسع نطاق انتشاره عقب إعلانه الثورة ضد الاستعانة بالقوات الأمريكية في حرب الخليج الثانية، وتصديه في خطبه على المنابر وفي كتابه بعنوان «كشف الغمة عن علماء الأمة» لتحدي فتاوى المؤسسات الدينية الرسمية بخصوص جواز الاستعانة بالقوات الأمريكية في الجزيرة العربية.

أنتج  “الحوالي”، المحسوب فكريا على التيار القطبي، العديد من الكتب وظف فيها فكره لاستمالة الشباب، قبل أن ينتبه متأخرا إلى أنه أوقع بهم في حبائل تيارات العنف والغلو والتطرف. ويرى كثيرون أن كتاب الحوالي الأخير “المسلمون والحضارة الغربية” الصادر منتصف عام 2018، أحد أهم الكتب التي أنتجها الإسلام السياسي حتى الآن، بالنظر لخطورة ما تناوله الكتاب وجرأة الرجل في إعلان أفكاره ومواقفه في توقيت حرج تشهد فيه بلاده والمنطقة عامة تطورات متلاحقة غير مسبوقة.

علاقة الإسلام بالغرب تناولها كثيرون من مفكري التيارات الإسلامية الحركية او المستقلة في كتب عدة سابقة، أهمها “الإسلام والحضارة الغربية” للدكتور محمد محمد حسين، الذي يتخذه أنصار التيار القطبي مرجعا لهم، و”ظلام من الغرب” للشيخ محمد الغزالي، و”معركة الإسلام والرأسمالية” لسيد قطب، و”مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي” لمالك بن نبي، كما أخرج عبود وطارق الزمر من محبسهما في الثمانينيات رسالتهما بعنوان “حول حضارة الغرب”، ثم “رسالة عاجلة قبل الانفجار” وهي موجهة للغرب أيضا، وأخيرا كتاب طارق الزمر بعنوان “معركة الإسلام والعلمانية”.

التيارات الإسلامية  ترى أن الغرب هو أس البلاء وأساس الصراع (ما يأتي من الغرب لا يسر القلب)، وبطبيعة الحال  يكون الحل في محاربته والدعوة لهدمه. لم تجهد التيارات الإسلامية عقلها كثيرا، وحصرت نفسها بدائرة قراءات محدودة في هذا المجال وقعت أسيرة لها طيلة 50 عاما.

العلمانية “الكافرة”

أحد أهم كتب الحوالي كتاب “العلمانية نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة”، وهو في الأصل رسالته للماجستير في الجامعة الإسلامية تحت اشراف أستاذه محمد قطب، شقيق سيد قطب. يفرد الحوالي الباب الرابع من الكتاب لتناول أبرز مظاهر العلمانية في الحياة الإسلامية، من وجهة نظره، والتي فصلها كما يلي:

–  في “الحكم والتشريع”: تناول فيه ما اعتبره بداية الانحراف الناشئ عن تخلف المسلمين الحضاري وجمود الاستنباط الفقهي، ما أفسح المجال لأفكار دعاة اليقظة في بلورة فكر “الإصلاح” الذي يعتمد على استيراد نظم وتشريعات الغرب “الكافرة”، لينتهي الأمر إلى العلمانية الكاملة في تركيا، وإقصاء الشريعة في البلاد العربية، مصر خاصة، وظهور فكر سياسي لا ديني وأحزاب مدنية متعددة الانتماءات بدعم من الغرب.

– في التربية والثقافة: بدايات ظهور الازدواجية “الخطرة” في التعليم وحركة التغريب الأولى في التربية والثقافة، بالدعوة إلى اقتباس الحضارة الغربية خيرها وشرها، واحتقار الماضي الإسلامي، وتطبيق المناهج التعليمية الغربية، واستيراد المذاهب العلمانية في الفكر والأدب.

–  في الاجتماع والأخلاق: وتناول فيه بالنقد ما اعتبره سوء تمثيل المجتمع الإسلامي لحقيقة الإسلام، والنزوع لتقليد الغرب، متطرقا إلى قضية تحرير المرأة، بدءا من جمال الدين الأفغاني ورفاعة الطهطاوي، وانتهاء بقاسم أمين وحركة النهضة النسائية، وسريان الفكرة إلى بلاد الشام والمغرب فضلاً عن تركياً، وما ترتب على ذلك من نتائج.

أخطر ما في الكتاب إسهاب المؤلف في توصيف مظاهر العلمانية في الحياة الإسلامية، دون أن يتطرق إلى كيفية تعامل المسلم المعاصر مع هذه المظاهر. ترك الرجل الفجوة فاجتهد من اجتهد، وأسس البعض تنظيمات سرية والبعض الآخر جماعات لمواجهة ما أطلق عليه “كفر العلمانية” في الاقتصاد والسياسة والفن والتعليم وما إلي ذلك.

انتباه متأخر

 انتبه الرجل لذلك مؤخرا فوضع كتابه “المسلمون والمجتمع الغربي” الذي حاول فيه معالجة القصور في كتابه “العلمانية” في فصل كبير وضخم بعنوان “المخرج من كيد الغرب وكيف يقود المسلمون الحضارة البشرية” تناول فيه كيفية الجهاد، وتراتيب العداوة، وتقسيماتها العقدية والعملية، وأقر أخيرا بعد طول مراجعة أن مجتمع الغرب والعلمانية “يمكن التعامل معهما بالطرق الممكنة وليست المستحيلة”، كما ذهب هو سابقا. المفارقة أن الحوالي تعرض للسجن عقب صدور هذا الكتاب “التصحيحي”، الذي اعتبرته السلطات متطرفا كسابقه.

ربما اعتقد سفر الحوالي أنه كفر عن خطيئته في كتابه العلمانية، بوضع حلول للتعامل مع الغرب ومقترحات للتطبيق، لكن بقي الخطر قائما في التوصيف ورغم أن دراسات كثيرة سابقة تناولت العلمانية على نحو أكثر تشريحا ودقة من كتابات الحوالي مثل  كتاب “العلمانية  الجزئية والعلمانية الشاملة” للدكتور عبد الوهاب المسيري، فالأخطر في كتاب الحوالي الجديد أنه اعتمد علي عقله المفرد في توجيه النصح للشباب وللعلماء ولآل سعود بطريقة واحدة وعلي نفس التراتبية، رغم الفوارق والاختلافات، ما انعكس سلبا علي محتوى الكتاب الذي خاض باجتهاد فردي في مسائل كبرى تتطلب جهدا علميا واسعا من مؤسسات علمية أو مجمعات فقهية متخصصة، فضلا عن أن معظم معلومات الكتاب غير مدققة علميا ويلزمها الكثير من التحقيق والتوثيق.

أكثر تطرفا

قراءة أخرى لكتاب سفر الحوالي الأخير ترى فيه أنه قد يكون أكثر تطرفا مقارنة بكتابه السابق “العلمانية”، فعلى الرغم من تصنيفه للأنظمة الفكرية والسياسية طبقا لما أطلق عليه “ترتيب العداوة”، إلا أنه ترك تعامل المسلم مع النظام العلماني في يد الفرد المسلم دون خارطة طريق محددة يقترحها؛ مكتفيا بالإشارة إلى الزهد تارة والجهاد تارة أخري دون تحديد الفواصل والمقتضيات بين هذا الطريق وذاك، وكأن لسان حاله يقول للشاب المسلم الغاضب المتحمس: ادعو بطريقتك، فجّر إن شئت  نفسك، اصنع تنظيما سريا، ادخل البرلمان إن امكن، خذ أي وسيلة للغاية الكبرى، الخلافة والدولة الإسلامية، فالعلمانية يجب مواجهتها بكل الطرق “جهاد دفع وجهاد طلب”.

إلا أن ذلك لا يمثل مبررا في النهاية لمعاقبة الحوالي بالسجن بسبب كتابه، خاصة أن الفكر في حالة صيرورة وتطور دائما، والرجل تراجع من قبل وصنع مراجعة للحالة الجهادية هو وسلمان العودة في اواخر الثمانينيات، خاصة مبدأ  حمل السلاح على ولاة الأمور، كما أن تنظيم “القاعدة هاجمه مؤخرا باعتباره بنظرهم ضمن منظومة  الدولة السعودية التي تستأنس العلماء والمشايخ.

محاورات الغرب وعلاقته بالإسلام تحتاج منا بالفعل لكثير من المراجعة والتدقيق، حتى لا نبدو أحيانا وكأننا نهاجم سرابا ونقاتل أشباحا، وكما يقول إدوارد سعيد في كتابه “الاستشراق”، لقد حدثت “شرقنة للغرب وغربنة  للشرق”، كما أن الغرب متعدد التحولات والرؤى، وربما يفسر هذا ظاهرة “داعش” ومقاتليها القادمين من الغرب، والذين تقدرهم بعض الإحصاءات بنحو 10 % من تعداد مقاتلي داعش. الغرب تكوين متغير، لم يعد ذلك الكيان الموحد أيام الحروب الصليبية، فيما لاتزال الحركات الإسلامية  تعيد  انتاج نفس الأحكام القيمية حول الغرب “الشرير”، وكلها تبعدنا عن معرفة وتفكيك هذا الآخر القريب الذي يتلاعب بعقولنا أحيانا ويسحقنا أحيانا اخري ويزرع ذاته في قلب ذواتنا.

الأفكار لا تموت، وهنا تكمن خطورتها، فنحن بصدد آلاف من الشباب لا يزالون يقتنعون بهذه الأفكار، وقد نجني ثمن تقاعسنا عن التصدي لها بالفكر قبل أن تتحول إلى طلقات طائرة أو طائشة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق