رؤى

صالون علمانيون: أركون افتقد الجرأة في مواجهة الأصولية الإسلامية

حول “نقد العقل الديني عند أركون” استضاف صالون علمانيون الأسبوعي المفكر الدكتور حسن حماد أستاذ الفلسفة، العميد السابق لكلية الآداب جامعة الزقازيق، الذي قدم قراءة نقدية لكتابات المفكر الجزائري المعروف محمد أركون للعقل الديني، وذهب حماد إلى أن هناك أزمة تتعلق بالمقدس أو اللاهوت في العالم العربي، سواء أكان ذلك العقل الديني يهوديًا أم مسيحيا أم إسلاميًا، وهو ما دفع أركون إلى نقد العقل الديني في الثقافة الإسلامية.

بحسب حماد، فإن أركون من منطلق رؤيته أن العقل الديني الإسلامي لا يزال يعاني حالة من الجمود أدت إلى شلل شبه كامل للتقدم واللحاق بالعصر، فقد اعتبر أن الخروج من هذه الحالة يستلزم خلخلة بنية تلك العقلية الدينية الإسلامية بهدف إعادة توجيهها في مسارها الصحيح، و كان أركون في ذلك متأثرا بانجازات العديد من المفكرين الحداثيين وعلى رأسهم، فيورباخ، وجاك دريدا، وميشيل فوكو، وحتى نيتشه.

لم يقدم أركون  تعريفا محددا لما أسماه “العقل الديني”، فهو لم ينشغل بتأصيل المفاهيم، قدر حرصه على صك عدد كبير من المصطلحات الخاصة به على رأسها الأرثوذكسية الإسلامية، والجهل المؤسس، والنص التأسيس، والانغلاق الدوجمائي، ما يعنيه  أركون بالطبع هو الفكر الديني، وقد استخدم في سبيل نقده وتفكيك مقوماته العديد من مناهج البحث الحداثية كالمنهج التاريخي، والتحليلي، وعلم الالسنيات، والحفر الأركيولوجي وغيرها من المناهج البحثية.

وعلى الرغم من أنه لم يقدم تعريفا للعقل الإسلامي، وما يميزه عن نظيره اليهودي أو المسيحي، إلا أن نقده لم يتوقف عند الأصولية الإسلامية، فقد  كان يرى أن هناك أصوليات أو- على حد تعبيره- أرثوذكسيات متعددة، كالأصولية الشيعية، والسنية التي يندرج تحتهما عدد كبير من الأصوليات، فنقده ينصب على كل تلك الأرثوذكسيات، وحتى علم الكلام وأصول الفقه الإسلاميين.

أول ما يميز العقل الديني عند أركون أنه عقل تسليمي، بمعنى أنه يقوم على المسلمات الدينية والحقائق المطلقة، فهو(دوجمائي) يؤمن بسردية مقدسة، يعتبرها المقدس الأوحد، والكلمة الأولى والأخيرة للمقدس في هذا العالم، بالإضافة  إلى كونه عقل يقوم على فكرة الثنائيات. كثنائيات الحلال والحرام، الجنة والنار، الله والشيطان، الأبيض والأسود.

كما يتميز العقل الديني حسب أركون بأنه عقل ماضوي، يقدس الماضي ويعتبره يمثل لحظة الانبثاق الأولى في هذا الكون، وهو عقل “قمعي” ليس لديه القدرة على استيعاب الآخر، يمقت الاختلاف، ويصر على فرض مسلماته الخاصة على الجميع حتى الآخر المختلف معه دينيا، كما أنه عقل اصطفائي، فهو يرى أنه في وضعية اصطفاء خاصة، ما يؤمن به هو المقدس الحقيقي، الأقرب إلى الله ، والأجدر والأكثر استحقاقا من بين بقية البشر بالجنة.

يضيف حماد: أن  أركون في نقده للثقافة والعقل والديني، اعتبر أن التراث الإسلامي لابد أن يخضع لمنهجيات العلوم الحديثة مثل علم نفس المعرفة وعلم الاجتماع المعرفي وعلم اللسانيات، فعندما يتحدث عن القرآن يرى أن هناك دلاله للنص ذات طابع نبوي، وأخرى غيبية، وثالثة تشريعية، ويستخدم في ذلك منهج التأويل، واستخدام تقنية المجاز، والمنهج الأنثربيولوجي، فهو ينقب عن التجليات الأولى للمقولات  الدينية الكبرى في التاريخ والاجتماع الإنساني.

استوعب أركون كل هذه المنهجيات البحثية، وعبر عنها في كتاباته وعلى رأسها كتابه الأهم – من وجهة نظر حماد – “الفكر الأصولي واستحالة التأصيل”، الذي نجد فيه صدى مباشرا لأفكار “جاك دريدا” ورؤيته حول تحطيم المركزيات، ويتضح ذلك من رؤية أركون أن ثمة نواة صلبة للفكر الديني وهي (النص المؤسس) في كل من القرآن والحديث النبوي.

 فالفكرة السائدة في الثقافة الإسلامية –على سبيل المثال-  هي أن القرآن قديم قدم الذات الإلهية، أو أنه قبل نزوله كان موجودا في اللوح المحفوظ، باستثناء الرؤية المعتزلية التي تم محاصرتها، وتوارت مع مع مرور الزمن.  كما انتقد أركون فكرة وجود (هويات مغلقة)، حيث تختزل الثقافة الإسلامية الهوية في الدين، واللغة، على الرغم من استحالة وجود هوية كاملة ثابته ومنعزلة، فالهوية إنما تخضع لمتغيرات حياتية مختلفة، وتقوم على شبكة غير متناهية من العلاقات .

يخلص حماد في أطروحته إلى أن أركون على الرغم من بذله جهدا واضحا في معالجة انغلاق وجمود العقلية الإسلامية والفكر الديني الإسلامي، إلا أن مشروعه كان أقرب إلى ثقافة النخبة، وكان يتحسس خطواته خوفا من الصدام مع الأصولية الإسلامية، على الرغم من أنه لم يكن هناك داع لهذا الخوف في حياته التي قضى جلها في معقل العلمانية الفرنسية، وهو ما حد من تأثير خطابه في الجمهور العربي، وعلى الرغم من جهده الواضح إلا أنه فشل في تقديم نقد جذري للتراث الإسلامي، الذي يحتاج إلى مزيد من الجرأة والقدرة على مواجهة خطر الأصوليات  الإسلامية.

الوسوم

بلال مؤمن

كاتب و محرر مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: