منوعات

أحمد اللَّبَّاد.. فسيفسائي الأغلفة الأمهر

كثيرون من الفنانين ظلمتهم جذورهم الفنية الراسخة ولم تنصفهم إنصافا يتوهمه أكثر الناس، من بين هؤلاء الفنانين الرسام ومصمم الجرافيك وصانع الأغلفة البارع أحمد اللباد؛ هو ابن الرسام الكبير الراحل محيي الدين اللباد أستاذ أساتذة الثقافة البصرية الذي بلغت شهرته الآفاق في الكاريكاتير والكتابة وتصميم أغلفة الكتب وتنفيذ المطبوعات الثقافية وأحد أبرز الرواد في هذا المجال.

أظن المقصود بالظلم مفهوما؛ فعقد مقارنات بين الفنان في مجال معين ووالده المتفوق في نفس المجال (حيا كان أو ميتا)، غالبا ما تنتهي لصالح الأب انتصارا للأصل الذي يحترمه المصريون احتراما عظيما يتفق مع احترامهم العام للمعنى الأبوي، لكن في حالة “اللباد الصغير” للأمانة اختلف الأمر؛ فقد كان له خطُّه المنفصل عن أبيه مقدار اتصاله به، وكان هو مجدَّد فكرة الأغلفة بعد أن استحدث لذلك طرقا فنية تخصُّه وحده، مستفيدا من حداثة عصره.

الرسام الراحل محيي الدين اللباد

تفرُّد أحمد اللباد في أفكاره، فعبَّر غلافه عن الكتاب تعبيرا ألمعيا جاوز فكرتي التشابه والتطابق التقليديتين إلى حالة أعلى كحالة الإشارات اللطيفة التي تقود إلى يقين مّا. في النهاية كان غلافه المختلف الحميم محرِّضا للجماهير على الشراء، وتلك أرجى المطلوبات بدائرة النشر على الإطلاق، لكنه جعل الغلاف حالة موازية لحالة الإبداع المكتوب، لها الجلال نفسه.. وكان قبله، أكثر ما كان، بلا قيمة ذاتية مستقلة.

كنت أود أن أذكر ولو نبذة عن الفنان الكبير الراحل محيي الدين اللباد إحياء لاسمه الفذ ونفعا بسيرته العطرة، لكنه نار على علم، والمعلومات موفورة بشأنه في موسوعات المواقع الإلكترونية وفي الصحافة والمكتبات ودور العلم وقلوب التلاميذ والمؤرخين والمثقفين وفي جملة آثاره العلمية والعملية بمصر والعالم العربي والدنيا كلها، وفي إشراق ولديه الكريمين، الدكتور مصطفى اللباد الكاتب الصحفي خبير الشؤون الإيرانية والتركية، والفنان أحمد اللباد الذي نحن في أجواء عالمه الثري الماتع.

قليلا أو كثيرا تفوَّق اللباد الصغير على أقرانه؛ فهو حالة فريدة بين أبناء جيله وبين جموع الفنانين وأجيالهم، وقد يكون من بينهم والده العظيم نفسه، على مرِّ تاريخ فن صناعة الأغلفة بالذات، ولا أبالغ إذا وصفته بأمهر العازفين فيه بالمعنى الأشمل للوصف غير المبالغ فيه.

“اللباد الصغير” فنان ذو رأي، في الحقيقة صار من الصعوبة بمكان أن يتجاور الفن والرأي بمنزلة واحدة عالية في موهوب واحد. يقول في معرض تعليقه على أزمة “لوجو” المتحف المصري الشهيرة: اللوجو ليس شعاراً بيروقراطياً أو تزويقياً معلقاً فى الفراغ كملمح زخرفى مُكمِّل، بل هو فى حد ذاته رسالة تختصر المعاني وتكثِّفها، وتقوم بمهام لا يستطيع أي تفاعل آخر فى أي وسيط القيام بمهمتها؛ لأنه ببساطة إن حدث ذلك القصور، فاللوجو سيعتبر خارج مبرر وجوده.

لا أظن العثور على فنان يعتز بكرامته أمرا يسيرا أيضا في هذه الفترة التي خضع الجميع لشروطها المادية القاسية، لكن “اللباد الصغير” أثبت موقفا مغايرا بهذا الصدد؛ ففي سبتمبر من عام 2016 عرض علنا بصفحته على الفيسبوك خلافه مع مجلس إدارة مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي، باختصار كانت إدارة المهرجان كلفته بتصميم مطبوعات المهرجان (الماكيت الرئيسى للمجلة، الكتالوج، تصميم كتاب نصي عن أبحاث مسرحية).. ثم تقاعست عن إمداده بما يفيده في إنجاز العمل بصورة مشرِّفة؛ فاعتبر ما يجري إهانة، محتفظا بحقوقه عما كان قدمه من جهد وصبر والتزام، كما قال حرفيا، وأبى إلا أن يصفع الإهمال والعشوائية ولا يبالي بخسارة ما.

عمل صاحبنا كمستشار فني لمؤسسة الأهرام، وأقام معارض عديدة لأغلفته وتجلياته الفنية في الداخل والخارج لاقت نجاحا وحفاوة، وتعاون أكثر ما تعاون مع دار ميريت للنشر والمعلومات (مركز ميريت للثقافة والفنون حاليا) فمعظم أغلفتها له، ودائما يشيد بتجربتها في تقديم أسماء جديدة لساحة الأدب في مصر، يشهد لها بأنها دار النشر الأكثر اهتماما بالكتابات التي تدعو إلى الحرية والتغيير والتقدم.

ضمن إنجازاته الفنية الباذخة، تصميم غلاف الأعمال الكاريكاتيرية الكاملة للمبدع المتنوِّع الراحل صلاح جاهين في مجلدين حجمهما سبعمائة وتسعون صفحة، صدرا في 2013 تحت عنوان “إعادة قراءة تاريخ مصر”.

أغلفة اللباد الصغير فسيفسائية؛ فأغلبها مقصوصات ورقية معيَّنة يُضَمُّ بعضها إلى بعض فيتكوَّن منها الرُّسم الذي بمثابة ومضة فكرية خاطفة تختزل موضوعا كبيرا، مع عنايته البديهية الفائقة طبعا بالفراغات والمساحات والخطوط والظلال والألوان.

أغلفته الجذَّابة تفتح شهيَّة المتلقِّين للقراءة وتسهِّل مأمورية قبض المعنى عليهم دون الإحاطة به، وكثيرا يحيي موادا مهملة قد لا يتصوَّر أحد أنها صالحة لصنع غلاف كتاب مهم كصورة عود كبريت محترق أو عقب سيجارة، وطبعا خبراته الخاصة الطويلة بالجرافيك تدعمه تماما.

ومن عجيب أنه لا يعترف بتصميم الأغلفة كمهنة، لكن يرى موضوعها يتسع بمرور الوقت ويحظى بالاهتمام، ويحذِّر من الاعتماد الكلِّيِّ على الكمبيوتر كمصمم جاهز يحبِّذه محدودو الموهبة والراغبون في توفير الوقت والتكاليف.

يؤكد في حواراته وكتاباته كلها أن التصميم كي يكون جيدا يجب استيعاب الكتاب؛ لكى تُحصَد روحُه فتتحول إلى وجبة بصرية على الغلاف، والروح قد تتجلَّى من فقرة صغيرة، خاصة في حالة الكتب الأدبية.

بقي أن أذكر للناس، وأنا أعرف اللباد الصغير عن قرب منذ زمن بعيد فقد صمم لي غلاف ديواني الأول في عام 2001، أنه يملك ثقافة عامَّة واسعة، وأن حجم إنسانيته كحجم موهبته الفنية فسيح وزاخر بما يجعله آسرا، وأنه واحد من قلائل لم يختلف الآخرون على عبقرية حالته بشقيها الفني والإنساني.

الوسوم

عبد الرحيم طايع

شاعر وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: