منوعات

الاجتراء على تاريخ الوطن.. ثورة عرابي نموذجا

ما بقيت المعركة منصوبة بين قوى الاستقلال والتقدم والنهضة من ناحية وبين قوى الاستتباع والتخلف والرجعية من ناحية أخرى فسوف تظل السهام المسمومة موجهة إلى رموز الوطن التاريخية، وستبقى مسومة ضد أحداثه الوطنية الكبرى.

أحمد عرابي ومن بعده جمال عبد الناصر كان لهما النصيب الأكبر من محاولات الاغتيال المعنوي، بدأت في حياتهما وبقيت من بعد رحيلهما حتى اليوم، وتبقى المعركة قائمة بانتظار الانتصار الحاسم المأمول لقوى التقدم في الوطن.

نوبات الاجتراء على التاريخ الوطني والافتراء على الرموز الوطنية لها طول الوقت رعاة محليون وآخرون من القوى الخارجية، وكلهم أصحاب مصلحة مباشرة في قطع ذلك السلسال المتدفق في نهر الوطنية المصرية وكسر تلك السلسلة المتصلة من الثوار العظام. في أعقاب ثورة الفلاحين المصريين ضد التمييز الاقتصادي والاجتماعي واستبداد الحكام والتدخل الأجنبي في شئون البلاد، تلك الثورة التي قادها الأميرال أحمد عرابي، سارعت تلك القوى في تدبير عملية اغتيال معنوي لقائد الثورة وكل رموزها، وتتابعت حملات الافتراء على عرابي حتى وصلت إلى تحميله المسئولية عن احتلال بريطانيا لمصر. وتكرر الأمر بعدها مع ثورة 23 يوليو 1952 وقائدها جمال عبد الناصر، ليسارعوا بعد رحيله إلى الإعلان صراحة: «لا نريد ناصر جديد في المنطقة».

ولعله ليس من قبيل المصادفة أن تصر ثورة الضباط الأحرار على اختيار يوم 9 سبتمبر سنة 1952 ليصدر فيه أول قانون للإصلاح الزراعي، ليوافق التاريخ الذي نشبت فيه شرارة الثورة العرابية، كأنه الرد التاريخي على ما جرى قبل 70 سنة، لينصف القانون الفلاحين ويرد إليهم بعض حقوقهم التي طال الزمن من دون أن تتحقق.

ولأن التاريخ لا يصدق إلا نفسه فقد رد الاعتبار لعرابي ولمضامين ثورته وأهدافها الوطنية الكبرى، ولم يلتفت إلى آلاف الصفحات التي كتبت في جرائد الاحتلال وفي كتب أعوان المحتلين وفي قصائد المنافقين، ورغم تجدد حملات الاجتراء على التاريخ الوطني بين الحين والآخر إلا أن عرابي بقي مع ثورته في ذروة عالية من ذرى الأبطال والقادة التاريخيين.

136 سنة مرت على ثورة الضباط المصريين الوطنيين ضد الاستبداد الداخلي والتدخل الأجنبي في الشأن المصري، تحكي تاريخ متكرر من الثورات المجهضة من أول ثورة عرابي حتى ثورة يناير 2011. تواكبت مع كل ثورة تجهض حملات مستعرة لاقتلاع جذورها من الوجدان الشعبي، والإساءة التي بلا سقف ولا أخلاق إلى زعمائها، والغريب بل واللافت للانتباه أن مضمون تلك الحملات يكاد يكون واحداً، والسيناريو الذي تتبع خطواته يكاد يكون طبق الأصل باختلاف في الوسائل والوسائط بحكم تطور وتغير الزمن ووسائله ووسائطه.

من أول عمر مكرم الذي قاد عملية فرض الإرادة الشعبية بتولية محمد علي، مروراً بأحمد عرابي الذي تجاوز فكرة التعبير عن مصالح فئوية وظيفية ضيقة إلى فكرة التعبير عن مصالح الأمة بحسب تعبير «تيودور رتشتين» في كتابه المهم «فصول من المسألة المصرية»، ثم مصطفى كامل فمحمد فريد اللذان أعادا الحياة إلى الحركة الوطنية المصرية المطالبة بالاستقلال، ثم سعد زغلول الذي ارتفع إلى القادة العظام لواحدة من أهم ثورات المصريين، فجمال عبد الناصر الذي مثَّل التعبير الأصدق والأنضج عن طموحات أمة قررت أن تجد لها موقعاً يليق بها تحت الشمس، كلهم نالتهم حملات منظمة وممنهجة ومتوالية من التشهير والافتراء والاجتراء على التاريخ.

الظاهرة تتكرر، وهكذا دائماً تعود نفس الحملات لتجدد نفسها، وبأدوات جديدة مع كل انكسار في مسار الثورة، ويعود الافتراء والاجتراء مجدداً، وليس ببعيد ما سمعناه من قول القائل عن عرابي بأنه هرب «كالفأر» من ميدان القتال، ولا يغيب عنا ما ذهب إليه البعض ممن يقرأون سطراً من التاريخ ويهملون سطوراً كثيرة، من أن واقعة ميدان عابدين بين الخديوي توفيق وأحمد عرابي لم تقع، ولا يوجد عنها حرف في كتب المعاصرين، ونكتفي هنا بالعودة إلى «تيودور رتشتين» وما ذكره في الكتاب نفسه بالفصل المعنون « ثورة سبتمبر 1881» : (اقتضت الظروف بمنطقها الطبيعي جداً أن يكون بدء الخروج على التدخل الأجنبي في مالية مصر والنظام الاستبدادي للمراقبين الأجانب على يد الجيش تحت قيادة فلاح نصف متعلم بلغ رتبة أميرآلاي هو أحمد عرابي.

وفي وصف ما جرى بميدان عابدين يقول «رتشتين»: أرسل عرابي في الصبح الى توفيق في قصر الإسماعيلية يخبره انه هو وجنوده ينتظرونه أمام قصر عابدين، وبالفعل سار عرابي إلى ميدان عابدين في فرقته وفرق زملائه من فرسان ومشاة ومدفعية وغير ذلك ورابط أمام القصر، فلما اقتربت الساعة الرابعة مساء أقبل الخديوي ومعه مستشاره رياض والسير أوكلاند كيلفن المراقب الإنجليزي العام والقائد الأمريكي استون وبعض ضباط آخرين، وحين تلاقت الوجوه كان المنظر كما وصفه عرابي بعد ذلك “رهيبا للغاية”.

ونعلم من مصادر أخرى أن مستشاري الخديوي، خاصة السير أوكلاند كيلفن نصحوا له بأن يقتل عرابي في الحال رمياً بالرصاص على مشهد من جنوده، لكن توفيق لم يكن من الشجاعة ليفعل ذلك وخضع خضوعا تاماً لمطالب عرابي الثلاثة: اسقاط الوزارة، ومنح الأمة الدستور، وابلاغ الجيش حده الأقصى وهو 18 ألف جندي. أجابه الخديوي إلى هذه المطالب كلها، وانصرف الجند الى ثكناتهم بين تهليل الجماهير وهتافها.

اللافت أن «رتشتين» عاد ليؤكد أن ثورة 9 سبتمبر أثارت أوروبا عامة وانجلترا وفرنسا خاصة، وكانت أوروبا تعلم حق العلم ان مصالحها في مصر قائمة على النهب والسلب وانه إذا ما استقلت مصر واشتد ساعدها عاجلا أو آجلا فلابد أن يضحى بهذه المصالح من اجل ما هو أهم منها ألا وهو مصالح الأمة المصرية.

هي معركة واحدة على طول التاريخ المصري الحديث، هدفها واحد، والقوى المتصارعة على رقعتها تكاد تكون هي نفسها، تتعالى أصواتها في فترات هزيمة قوى الثورة لمصلحة القوى المضادة، ودائما ما كان الانصاف يعود ليتصدر الموقف مع كل انتصار للثورة. يكفي أن نذكر بأن أهم محاولة جادة وموضوعية لإنصاف الثورة العرابية وقائدها جاءت في ستينيات القرن الماضي مع صدور كتاب المؤرخ محمود الخفيف «أحمد عرابي .. الزعيم المفترى عليه»، وهو الكتاب الذي قال عنه المستشار طارق البشرى، إنه أدخل ثورة عرابي في سجل الثورات المصرية العظيمة، بما قدمه من رصد علمي لكافة الحقائق والأحداث التي وقعت في تلك الفترة للرد على محاولات تشويه الثورة والتقليل من شأنها، والتي لم تكن قاصرة على أنصار الملك وحلفاء الإنجليز فقط، بل امتدت لبعض الوطنيين الذين قللوا من شأن هذا الحدث، لذي أنصفه الخفيف في عمله وأظهره بما يليق به من العظمة والشموخ.

أسوأ ما في هذه الظاهرة، ومنذ انطلقت حملات التشويه ضد عرابي وثورته واستمرت على المنوال نفسه مع زعماء آخرين حتى وصلت إلى جمال عبد الناصر، أن أصحابها يحرصون على الدوام على تكريس مفهوم أن المصريين غير مؤهلين للثورة على أوضاعهم، وأنهم أضعف وأقل من مواجهة حكامهم وأن من يفعل ذلك منهم ليسوا إلا نفر من السذج أو المغرر بهم أو من ذوي المصالح والأطماع الخاصة، في محاولة خبيثة لإفقاد المصريين الثقة في قدرتهم على تشكيل حياتهم بأنفسهم وصناعة التاريخ الذي يليق بهم على أرض وطنهم.

التاريخ ـ كما عودنا ـ لا يكترث بكل هذه الترهات، بل يسقطها من كل حساباته، ويبقى عرابي وثورته، ويبقى كل السائرين على دربه في قلب الأمة بالمكانة التي تليق بهم، أما الزبد فيذهب جفاء، ويمكث في الأرض ما ينفع الناس.

صورة المقالة بريشة الفنان سعد الدين شحاته

الوسوم

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

إغلاق