منوعات

محمود عوض.. متمرد لوجه الله

عاش عندليب الصحافة المصرية محمود عوض، حياته متمردا، رافضا للوصاية، مقاوما للتطويع، متمسكا بمبادئه، وظلت أفكاره ضد الرصاص، عصية على الاغتيال.

اختار عوض “التمرد” طريقا ومنهجا وأسلوبا، حتى رحل في 31 أغسطس عام 2009، وحيدا وسط أدوات تمرده ومقاومته، أقلامه وأوراقه. كان يرى أن الحياة تحتفظ للمتمردين غالبا بعذاب أكبر من ذلك، وزمن أكبر من ذلك.

كان من السهل أن يقبل بما قدمته له الحياة ويرضى بما حقق في بداياته من توهج لموهبة فذة في الكتابة السياسية والاجتماعية والفنية، ويصعد ذات الدرجات التي رفعت أنصاف المواهب من أبناء جيله ليتولوا أهم المناصب في شارع الصحافة، لكنه رفض الاستسلام لـ”مرض الرضا عن النفس وراحة البال”، اختار أن يكون أحد حراس البوابة، يدق جرس الإنذار محذرا من الاستسلام للأمر الواقع، والرضا بما هو قائم، والقنوع بأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان.

المتمرد النبيل

في كتابه “متمردون لوجه الله” الصادر عن دار الشروق عام 1981، كتب محمود عوض عن الأفراد الذين يواجهون مجتمعات بأكملها بالحقيقة، و”أهمية أن يتمرد الإنسان ضد فساد ونفاق عصره ومجتمعه، ضد الاستسلام إلى الواقع، ضد مبدأ إنقاذ ما يمكن إنقاذه، الذي يتحول دائما إلى التفريط بما يمكن التفريط به”. كتب عن تمرد رموز امتدت حياتهم لما بعد الموت، وخُلدت أسماؤهم لقرون، لأنهم رفضوا الاستسلام، عن النموذج، عن الحالة التي توحد معها “المتمرد الحر”.

في مقدمة “متمردون لوجه الله”، افتتح عوض كتابه بعبارة لخصت قناعاته ورسمت مسيرته: “من يصبح حرا مرة يظل حرا طوال العمر”. هكذا عاش وهكذا قضى المتمرد النبيل حياته، مؤمنا بأن التمرد هو أقصى درجات الإيمان بمجتمعاتنا وبلادنا، الإيمان بأنها تستطيع أن تصبح أفضل وأقوى وأكفأ وأقدر وأسمى وأصدق مما هي عليه فعلا.. “من الواقع يبدأ التمرد ومن التمرد يبدأ التغيير”.

المتمرد كما كان يراه عوض، هو من يدفع بالضرورة ثمن قضيته العامة من حياته الشخصية، الواعي من البداية بضرورة التضحية، وربما إلى فداحة التضحية، ومع ذلك يقبل راضيا أن يجعل من نفسه قربانا لافتداء مجتمعه، وإلى أن ينجح في ذلك إذا قدر له أن يعيش ليرى نجاحه فإن عليه أن يتحمل آلاما لا تطاق وعذابا بلا حدود.

يطرح عوض تساؤلاته عن فلسلفة الحياة: “آن علينا أن نثير تلك الأسئلة.. آن علينا أن نفعل ذلك.. لأنه لابد من أجوبة جديدة على كل الأسئلة وفي مقدمتها سؤال هام: كيف يجب أن نعيش؟ لا.. ليس هذا هو السؤال، وإنما كيف يجب علينا أن نعيش أحرارا؟.

يرى عوض أن الإنسان حيوان سياسي، وهو بهذه الصفة له هدفان عظيمان في الحياة، أن يحفظ ذاته وأن يحترم نفسه، “حفظ الذات أو الشعور بالأمان يتصارع غالبا مع الشعور بالاحترام، ربما يختار الإنسان أن يضحي باحترامه لكي يحافظ على حياته، أو يختار التضحية بحياته لكي يحافظ على احترامه لنفسه، إننا جميعا نقدر النوع الثاني من الأشخاص عن النوع الأول، وهذا معناه أن الهدف الأسمى للإنسان هو الكرامة الإنسانية، والشرط الأساسي لاحترام الإنسان لذاته هو الحق في الاختيار”.

الحرية وفق ما كتبه عوض هي بالطبيعة حق الإنسان في الاختيار، وبغير القدرة على ممارسة هذا الاختيار لا توجد حرية، ولا توجد حرية بغير أحرار يدافعون عنها، فالحرية تظل مجرد كلمة إذا لم يكن هناك جنود يتمسكون بها ويضحون من أجلها، وبغير هؤلاء تبقى الحرية مجرد كلمة لا تملك قدرة أن تفرض نفسها على الواقع.

الحقيقة والحرية

اختار عوض أن يكون واحدا من جنود الحرية، ضحى من أجلها كي يغير الواقع الذي حاولت السلطة وأذنابها فرضه على الجميع، فبقى معنا مشاركا بكتبه ومقالاته وعباراته الفلسفية السلسة في محاولات تغيير الواقع التي لم تنقطع منذ الأزل.. “التاريخ يخبرنا بأن كل الإنجازات الرائعة في حياتنا الآن، تمت بفضل أناس تمردوا في الماضي، وطوال تمردهم كانت السلطة تضطهدهم أو تحاربهم أو تقتلهم في بعض الأحيان”.

يتحدث عوض عن الذين تمسكوا بما رآه أهم المثل العليا، الحقيقة والحرية، ويوضح: “بغير حرية لا نستطيع السعي إلى الحقيقة، وبغير الحقيقة تصبح حياتنا مجرد تسجيل أقدمية زمنية”. ويشرح عوض كيف فقد المجتمع العربي نهضته.. “فقدها حين فقد حريته، يوم أنزلق إلى حالة دائمة من الرضا عن النفس، يوم تسرب إليه من الداخل اقتناع بأن التمرد هو ترف لا ضرورة له”.

هكذا كانت أفكار عوض عن الحياة، لخصها في مقدمة كتاب تناول فيه سيرة خمسة من المتمردين هم: أبن حزم، ابن تيمية، رفاعة الطهطاوي، جمال الدين الأفغاني، وعبد الله النديم. مضى عوض في طريقه متمردا خسر مناصب ومال ورضا السلطة، لكنه كسب نفسه، قرر أن يسير على خطى من اختاروا الحرية ليبقوا، فبقى معنا يرشدنا ويوجهنا ويوقظ فينا روح التمرد.

بديل أنيس منصور

حضر عوض إلى القاهرة في مطلع ستينيات القرن الماضي قادما من مركز طلخا بمحافظة الدقهلية، حصل على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة، وانطلق بعدها ليحقق حلمه في أن يصبح صحفيا، حصل على فرصة للعمل بالقسم الاقتصادي بمؤسسة أخبار اليوم مقابل 20 جنيه شهريا. في بداية حياته الصحفية كتب سلسلة من التحقيقات والملفات عن مشروعات التجربة الناصرية، منها ملف مميز عن السد العالي، وبدا فيها تميزه المهني المبكر، في عام 1965 انتقل إلى قسم الدراسات الشخصية، كتب عن الأعلام والنوابغ وجمع مقالاته تلك  في كتابه الشهير  “شخصيات”.

تفوق في كتابة الرأي والتحليل، بالدرجة التي لفتت نظر إحسان عبد القدوس رئيس التحرير، خلال تجهيز أحد الأعداد تأخر الكاتب الكبير أنيس منصور عن إرسال مقال الصفحة الأخيرة، ولما كان هذا الأمر يتكرر منه كثيرا ويعطل المطبعة قرر إحسان عبدالقدوس تكليف الصحفي الشاب محمود عوض بكتابة الصفحة الأخيرة، ليس لمعاقبة منصور فقط، لكن لأنه آمن بأن عوض جدير بذلك، سلم عوض أول مقال له في “الأخيرة” عن أم كلثوم، استحسن عبد القدوس المقال، فطلب منه الانتظام في كتابة مقال أسبوعي للصفحة الأخيرة.

تجربة السجن

في عام 1965، تم القبض على الكاتب الصحفي مصطفى أمين رئيس تحرير الأخبار بتهمة التخابر، وسط الأوراق التي كانت بحوزته قصاصة بها اسم محمود عوض وزميله إبراهيم صالح، ألقي القبض عليهما وسجنا 3 شهور على ذمة التحقيق، إلى أن تم إخلاء سبيلها بعد التيقن من أن علاقتهما بمصطفى أمين مهنية بحتة.

َمصطفى أمين

خرج عوض ليستأنف خبطاته الصحفة وحواراته العميقة مع أهل الفن والأدب، صار نجما لامعا ليس في سماء الصحافة فقط بل في سماء الفن أيضا، توطدت علاقته بأم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وبليغ حمدي ومحمد الموجي، كما جالس عمالقة الأدب مثل توفيق الحكيم وطه حسين.

في تلك الفترة، وثق عوض السيرة الذاتية لموسيقار الأجيال “عبد الوهاب الذي لا يعرفه أحد”، وطلبت منه كوكب الشرق أم كلثوم كتابة سيرتها الذاتية وعندما اختلفت معه على عنوان الكتاب “أم كلثوم التي لا يعرفها أحد” سألها: من منا يعرف في الغناء أكثر؟ فأجابت: أنا، فجاء رده: وأنا الكتابة مهنتي فدعيني أمارسها كما أعرفها.

كان الراحل صديقا لعندليب الغناء عبد الحليم حافظ، وألف له مسلسلا إذاعيا هو الأول والأخير للعندليب “أرجوك لا تفهمني بسرعة”، ورغم صداقتهما إلا أنه لم يكتب له سيرته الذاتية، كان يرى أن الصداقة ستحول دون أن يكون محايدا في توثيقه لسيرة عبد الحليم.

بعد أن صار مصدر ثقة كل نجوم الفن، اختار عوض أن يعود إلى السياسية والعلاقات الخارجية، غطى شئون الأمم المتحدة والتقى كبار المفكرين والمبدعين وحاور النجم العالمي أنتوني كوين. كان مناوئا للمفاوضات مع العدو الإسرائيلي، وكتب سلسلة ترجمات عن إسرائيل من الداخل احتفى بها ضباط القوات المسلحة على الجبهة، وشارك في برنامج إذاعي عن نفس الموضوع.

المنع من الكتابة

ما بين غيرة حاسديه في الأخبار، وغضب السادات عليه بسبب مواقفه من إسرائيل تعددت الروايات، إلا أن التنكيل كان النتيجة التي صاحبت عوض حتى نهاية رحلته، عصف موسى صبري رئيس التحرير بصاحبنا وأوقفه عن الكتابة عام 1977، فلجأ عوض إلى القضاء وحكم له في عام 1982 بالتعويض إلا أن محكمة النقض ألغت الحكم في 1983، خاض بعدها جولة أخرى إلا أن المؤسسة نجحت في انتزاع حكم لصالحها ضد الكاتب المتمرد، وهللت الأخبار بالخبر على صدر صفحتها الأولى.

موسى صبري

كان خصومه في “الأخبار” يملكون القوة والنفوذ، وهو أعزل إلا من احترامه لنفسه وتمسكه بمبادئه، لكن تمرده على الواقع أحنى خصومه فلم يستطيعوا كسره أو هزيمته، وجاء رد عوض مفحما في مواجهة خصومه: “في الحياة من وقت لآخر آلام لا مفر منها، وفى مواجهة هذا الموقف هناك حلان: إما أن نجعل الآلام أصغر أو نصبح نحن أكبر، والصغر والكبر يبدآن من إرادتنا”.

في فترات التوقف أصدر عوض العديد من الكتب، منها “أفكار ضد الرصاص” الذي وزع أكثر من ربع مليون نسخة، وصدر له أيضا “ممنوع من التداول”، “أفكار إسرائيلية”، “وعليكم السلام”، “الحرب الرابعة.. سري للغاية”، و”متمردون لوجه الله”. وانتخب عوض لمجس نقابة الصحفيين في عام 1983، فتولى رئاسة لجنة الحريات، وأسس جائزة التفوق الصحفي، ونجح في تدبير تمويلها من مشاركات كبار الصحفيين، ومنهم الأستاذ محمد حسنين هيكل والأستاذ أحمد بهاء الدين.

محمد حسنين هيكل، أحمد بهاء الدين

تجربة “الأحرار”

في منتصف الثمانينيات، عرض عليه مصطفى كامل مراد رئيس حزب الأحرار رئاسة تحرير جريدة الحزب وكان لعوض شرط واحد: “اتسلم العمل دون تدخل، لكم الصفحة الثانية فقط لنشر أخبار الحزب، ولا شأن لكم بباقي الصفحات”، ونجح عوض بما يميزه من حرفية ومهنية عالية في القفز بتوزيع “الأحرار” إلى 160 ألف نسخة خلال أسابيع، إلا أن تلك التجربة لم يكتب لها الاستمرار طويلا، وانتهت علاقة عوض بالصحيفة بعد 13 عددا فقط نتيجة خلافه مع قادة الحزب لرفضه نشر مقالات لهم اعتبرها “كلام فارغ لا يستحق النشر”.

رغم الحصار في مصر، فتحت الصحف العربية المرموقة، ومنها الحياة اللندنية والوطن الكويتية أبوابها للكاتب الكبير، ليطل منها على جمهوره بتحليلات في الشأن العربي والدولي والصراع العربي الصهيوني. لاحقا استجاب عوض لدعوة عبد الوهاب مطاوع رئيس تحرير مجلة الشباب التي تصدر عن “الأهرام” بالكتابة لجمهورها الواسع من الشباب، كما انتظم قبل وفاته في كتابة مقال بموقع “اليوم السابع”، وتعددت إطلالته التلفزيونية المميزة في برامج عدة حرصت على استضافته كمثقف وناقد ينتظره الجمهور.

مشهد النهاية

قبل رحيله بأيام وفي حوار مع مجلة الإذاعة والتلفزيون، سأله محاوره: “متى يتوقف محمود عوض عن الكتابة؟”، ورد عوض مستنكرا صيغة السؤال: “هبطل كتابة لما أموت”. بعدها حمل خبر رحيله عن الدنيا صديقه الصحفي خيري حسن عندما ذهب إلى منزله حسب موعد حدده له سلفا، يقول: طرقت الباب لم يرد.. ولمحت جرائد الجمعة والسبت أسفله، رجفة تسري في جسدي، وأدركت أن الأستاذ مات، اتصلت بالشرطة، اقتحموا الشقة فور وصولهم، وتوقف أحدهم فجأة صارخًا: “هنا.. في غرفة النوم”، كان عوض مسجيًا على الأرض في وضع أقرب للسجود.. مات الأستاذ.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: