ثقافة

«تاريخ الجنس في الصين».. كيف تحول التقديس إلى حظر؟

“ليو دالين” أستاذ علم الاجتماع بجامعة شنغهاي ورائد الدراسات الجنسية في الصين  هو نفسه صاحب كتاب ” تاريخ الجنس في العالم”. جاء كتابه ليكون جزءًا من مشروعه حول الجنس وتاريخه، ويطرح من خلاله وجهة نظره الخاصة حول الثقافة الجنسية في الصين، التي تبشر يأن التقابل بين التزمت والانفتاح  يمكن أن يحدث.

يقول المترجم محسن فرجانى، وهو أحد أعمدة الترجمة من الصينية إلى العربية ومترجم الكتاب الذي بين أيدينا “تاريخ الجنس في الصين”، إن الأمر الذي لا يقبل الجدل هو أن مصادر المعرفة الكاملة أو الموثوق بصحتها حول الجنس في الصين، تبقى مشروعًا تاريخيًا لم يتحقق حتى الآن، وإن حاول هذا الكتاب على قدر ما اتسم به من وضوح وثقة، لا أظنها توافرت لغيره، أن يخوض في واقع تطور الحياة الجنسية الصينية.

دكتور محسن فرجاني

ثمة ما يؤكد عليه فرجاني عبر مقدمته لترجمة “تاريخ الجنس في الصين”، وهو أن كثيرين غير المؤلف حاولوا أن يطرقوا باب تاريخ الجنس في الصين، حاضره وتاريخه البعيد، لافتا إلى تلك المفارقة في الواقع بين التزمت الشديد إزاء الجنس في الوقت الحاضر، وبين الانفتاح والفهم الشامل في العصور القديمة، مع ملاحظة أن تعيين الخط الفاصل بين التزمت والتساهل والانفتاح يخضع لرؤي مختلفة، فثمة كتابات تنسب إلى المناخ السياسي الذي تعيشه الصين في عصرها الحديث ممارسة درجات أعلى من الضغط باتجاه الحظر الجنسي مقارنة بالعصور السابقة.

مفارقة تاريخية

يرى فرجاني إلى أن الصين هي بلد المفارقة الجنسية، فمنذ سنوات بعيدة مضت كان يتم تمجيد الجنس بوصفه مصدر إنماء للحياة، بل للخلود، في حين يمارس المناخ السياسي الراهن قهرًا للجنس، تجلى في إغلاق 42 دارًا لنشر المواد الجنسية ومصادرة نحو مائة ألف كتاب في مدينة واحدة بزعم احتوائها على صور جنسية فاضحة، بل إن عقوبة الإعدام باتت بانتظار المتعاملين في الكتابات الجنسية الفاحشة “البورنو”، في بلد طالما احتفى تاريخه بالفن الإيروتيكي، فالصين ظلت تبصر العالم بالجنس عبر التاريخ لمدة ألف سنة من الزمان على الأقل.

وهكذا فإنه على عكس التصور المنطقي بأن التطور يفضي إلى الانتقال من الحظر والتقييد إلى الحرية والانفتاح، ينطق الواقع بأن العكس هو ما حدث في ما يخص تاريخ الجنس في الصين. هنا يلفت فرجاني إلى احتفاء الطاوية والكونفوشية منذ القدم بالجنس، وعدم نزوعها إلى التعامل معه بالكبح أو القمع، فالعلاقات الجنسية بكل مستوياتها في الزواج أو خارجه ترد دون حظر ضمن المتون التاريخية الكونفوشية، ورغم ما اتسمت به العصور من الكونفوشية الأولى من ميل إلى المحافظة، فقد شهدت الحياة الجنسية درجة ملحوظة من الانفتاح والحرية.

ويرصد فرجاني أن بدايات النزعة المحافظة في الكونفوشية تجاه الجنس بدأت مع عصر “سونغ”، والذي رسخ موقفا اجتماعيا قمعيا تجاه الجنس يتعارض تمامًا مع انفتاح عصور الكونفوشية الأولى التي لم تجد حرجا في وصف العلاقات الجنسية بشكل صريح عبر مدونات، منها كتاب الطقوس “لى تشي” وكتاب الأغاني “شيجينغ”، دون أن ترى في ذلك بابا مفتوحا لفوضى علاقات شهوانية، بل اعتبرته تقديرا لفاعلية طبيعية لها عناصر قوتها بين الجنسين.

يضم  كتاب “تاريخ الجنس في الصين ” تسعة أبواب، الباب الأول يتناول تطور السلوك الجنسي الإنساني عامة، مستعرضا التطور الجنسي  في تاريخ البشرية، بالتركيز على الجانب الفسيولوجي في السلوك الجنسي الإنساني، وما يميزه عن أشكال اللقاء الجنسي لدى الحيوان.

طقوس التزاوج

ويرصد الكتاب مواسم التزاوج عند الإنسان وفي عالم الحيوان، وأوجه التشابه والاختلاف في طقوس التزاوج ومواعيده، مع التطرق لشرح تأثر هذه العلاقات بظاهرة الطمث التي تنفرد بها الحيوانات العليا بمختلف أشكالها دون الثدييات كلها، مع تكرار الطمث دوريًا بدءا من سن البلوغ.

كما يرصد أن فترة التزاوج عند الحيوانات ترتبط غالبا بفترة محددة سنويا تنشط لديها فيها الرغبة الجنسية وتقبل خلالها على التزاوج، على عكس ما يحدث مع النوع الإنساني الذي لا يرتبط الدافع الجنسي لديه بمواسم معينة.

ويفرد الباب الثاني في الكتاب صفحاته لاستعراض مظاهر تقديس الجنس في العصور القديمة، متطرقا إلى ظاهرة عبادة الجنس في المجتمعات البشرية القديمة، سواء تعلق الأمر بأعضاء التناسل أم العلاقة الجنسية، مستشهدا بما تصوره الجداريات واللوحات الباقية من عصور ما قبل التاريخ، التي تصور هذه العلاقة باعتبارها مظهرا لتميز الكائن البشري ولا ترى فيها أى إشارة للفحش أو الغواية، بل تراها تعبيرا عن الجلال والقداسة، كما نرى في الرسوم الصخرية بجبل “جو تزو” وبحيرة “أوستاي”، وجبل “إينشان”  في منغوليا الداخلية.

ويستعرض المؤلف في الباب الثالث مراحل تطور الزواج لدى الإنسان من الزواج الجماعي في مراحل البشرية الأولى، وصولا إلى صيغة الزواج الأحادي التي استقر عليها أخيرا. كما يتناول تفسير ظاهرة الانتساب البشري إلى الأم دون الأب في العصور الأولى، ويحيل أسبابها إلى ظاهرة الاختلاط الزوجي الذي عاشته الصين لعهود طويلة، حسب ما أكدته الكتب التراثية الصينية القديمة.

الزواج المختلط

ويستعرض المؤلف هنا أيضا ما ورد في بعض الأساطير من مفاهيم تشير إلى الزواج المختلط، مثل نسبة ميلاد كثير من القديسين القدامى إلى الحمل عبر الاتصال بالسماء أو الروح المقدس، كما في رواية ميلاد لاوتسي أعظم فيلسوف صيني في العصر القديم، التي تحكي أن نجمة ساطعة سقطت من السماء في بطن أمه فحبلت به، حسب الأسطورة.

ويرى المؤلف أن مظاهر الجنس المختلط في العصور الأولى لم تكن ناجمة عن تدهور أخلاقي، بقدر ما تعكس طبيعة الحياة البدائية التي مر بها الجنس البشري، الذي تعلم مع مرور الوقت وما عايشه من تجارب حياتية أن ينشأ نظاما للزواج، يقنن العلاقة الجنسية ويحظرها بين الأخوة وشقيقاتهم، وصولا إلى مرحلة الزواج الأحادي السائدة حاليا.

الباب الرابع يفرده المؤلف لتناول العلاقة الجنسية وفنون الجماع، مستعرضا تطور أدوات الإثارة الجنسية والمنشطات الدوائية لدى الصينين وسرد تفاصيل المتع الجنسية الأكثر شيوعًا وارتباطها بغريزة حب البقاء لدى الإنسان كما تتجلى في شغفه بالإنجاب وتحسين النسل واستجلاب المتعة الجنسية.

في الباب الخامس يتناول المؤلف ظواهر الجنسية المثلية والتبدلات الجنسية، ويستعرض فيه “ليو دالين” تفسير ظاهرة المثلية الجنسية وتطورها على مدى مراحل التاريخ وعلى اتساع الكرة الأرضية، وانتشارها لدى عدد من مشاهير العالم، الذين لم يجدوا حرجا في الاعتراف بانتمائهم إلى هذا النمط من السلوك الجنسي.

القهر الجنسي

ويفرد “دالين” مساحة كبيرة في الباب السادس لتتبع ودراسة القهر الجنسي، متخذا الخصيان والعاهرات نموذجا، منطلقا من البدايات الأولى عبر انتشار سلوك خطف السبايا والأسرى من الغرباء والأجانب واخضاعهم تحت نير العبودية بهدف إفراغ الرغبة الجنسية، وتطورها مع تدرج النظام الاجتماعي نحو الاستقرار، ليتحول القهر الجنسي إلى نمط قانوني اجتماعي كنوع من التسلط الفكري والثقافي، حسب ما يرى المؤلف.

ويسهب دالين هنا في وصف وضعية المرأة في الصين القديمة، التي يراها تعكس أبشع ألوان الاستغلال والاضطهاد، مستعرضا أشكال التشوه الجنسي في التعامل مع المرأة حينها، ومنها تكبيل أقدام النساء، وفرض ما كان يعرف بقواعد عفة المرأة ، وأعمال الدعارة، وغيرها من مظاهر “الاستلاب الجنسي، كما يصفها المؤلف.

ويلفت دالين أيضا إلى عادة الشانزو “قولبة أقدام النساء”، باعتبارها أحدى أقسى الممارسات القمعية للمرأة في الصين القديمة سعيا لإشباع الرغبات الجنسية للذكور. ويرصد المؤلف أن هذه العادة التي لم يثبت حتى الآن تاريخ نشأتها ظلت شائعة جدا في الصين، ولم تفلت فتاة من هذا القهر، والبعض يرجع بداياتها إلى إحدى محظيات القصر في عهد دول تانغ، ثم شاع  استخدامها لاحقا ليصبح تقليدا شعبيا في عصر دولة سونغ الجنوبية، ما رسخ في أذهان الصينيين أن قولبة الأقدام علامة للجمال على عكس الاقدام الضخمة التي اعتبروها علامة للعيب والقبح.

الدين والجنس

كما يتتبع المؤلف هنا تاريخ إخصاء الذكور في الصين، كواحد من أبرز أدوات القهر الجنسي على مر التاريخ، والتي تعد ثاني أكبر عقوبة بعد الإعدام. ويرصد دالين أن الإخصاء كعقاب وقهر جنسي، كان يطبق على خدم القصور الملكية، وكذلك على من يقع في الأسر.

في الباب السابع يتناول المؤلف الأدب الجنسي وفنونه، مستعرضا تفاصيل ما احتفظت به المدونات التاريخية و الجداريات من الفنون الجنسية. ويخصص المؤلف الباب الثامن لاستعراض موقف الدين من الجنس لدى الصينيين، معتبرا أن أوثق الأديان ارتباطا بالعلاقات الجنسية، هما الطاوية والبوذية السرية. ويختم دالين كتابه بالباب التاسع بعنوان “التعليم الجنسي على المستويين الرسمي والشعبي”، مستعرضا تطوره في الصين على مدى التاريخ.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق