رؤى

الطريق إلى الديمقراطية (1).. محمد علي يؤسس للدولة

 كان المصريون قد اكتسبوا خبرة جديدة في مواجهتهم لحكامهم، فشهدت السنوات الخمس الأولي من القرن التاسع عشر حالة من الثورة المستمرة ضد الباشوات العثمانيين والأمراء من المماليك، وانتهت هذه الحالة بانتزاع المصريين، ولو لمرة واحدة، حقهم في اختيار حاكمهم، وفرضوا علي السلطان العثماني اختيارهم لمحمد علي حاكما لولاية مصر، كما ألزموا الباشا الجديد بشروط كان عليه أن يلتزم بها في إدارة أمور البلاد، حقا إن هذه التجربة المبكرة في فرض الشعب لشروطه علي حكامه، وتدوين هذه الشروط في وثائق مكتوبة، لم يقدر لها النجاح، إلا أنها كانت تجربة مبكرة في النضال الدستوري، وكانت الخطوة الأولي في طريق طويل لم ينته بعد.

انتصرت الإرادة الشعبية المصرية الرافضة لعودة شكل ونمط الحكم الذي كان قائمًا قبل الحملة الفرنسية وفرضت الحركة الشعبية ـ بتحالفها مع الجيش ـ على السلطان العثماني تعيين حاكم جديد اختارته بإرادتها الحرة.  اللافت أن القوى الشعبية المصرية لم تبايع محمد علي باشا واليًا على مصر إلا بعدما أبرمت معه اتفاقًا يمكن أن نعتبره تعبيرًا بدائيًا عن فكرة “الدستور” المنظم للعلاقة بين الشعب وحاكمه، كان من أهم ما جاء في هذا الاتفاق أنه “يحق لشعب مصر تعيين الولاة وعزلهم إذا انحرفوا عن الطريق القويم ولم يقيموا العدل”.

من هنا لا نبالغ حين نقول: إن الشعب المصري يخوض منذ قرنين من الزمان حربًا متعددة المعارك من أجل الدستور، وأن النخب المصرية عبر العقود المتتابعة منذ اختارت الإرادة الشعبية محمد علي واليًا على مصر وعت ضرورة وأهمية وجود دستور يحكم العلاقة بين الشعب والحاكم.

كانت مصر في ذلك الوقت على موعد مع الانعتاق من حكم المماليك الجائر، وقد خرجت لتوها من معركة كبرى استمرت ثلاث سنوات تخلصت فيها من الاحتلال الفرنسي، واشتعلت القاهرة خلالها بثورتين، وقويت شوكة قوى المقاومة، وهرب نابليون، واغتيل نائبه الجنرال كليبر.

لم تلبث الحملة الفرنسية التي أرادت إخضاع مصر أن حملت عصاها ورحلت، لتترك القاهرة وراءها في سنة 1801 كأنها باريس في سنة 1789 (سنة الثورة الفرنسية الكبرى)، وعلى حد وصف القنصل الفرنسي وقتها: “كل مصري مهما كان فقيرًا، يبيع الآن ما يملك، ليشتري سلاحًا”.

كانت المعركة واضحة ضد الاحتلال، وفي نفس الوقت ضد عودة المماليك، وكانت مصر تتنازعها آنذاك رغبتان دوليتان، رغبة بريطانية طامعة في الاستيلاء على مصر، ورغبة عثمانية طامحة لاسترداد السلطة التي فقدتها في مصر، وتحرك الشعب تحت قيادة علمائه لتجري أول عملية اختيار للحاكم تتم بإرادة شعبية خالصة، ففرضت محمد علي واليًا على مصر.

وعلى الرغم من إذعان الباب العالي لرغبة الشعب في تولية محمد علي، إلا أن الطريقة التي وصل بها إلى الحكم لم تكن تروق في نظر السلطات العثمانية، ومن ثم لم يكد يمضي أكثر من عام واحد على ولايته، وعلى وجه التحديد في غرة ربيع الآخر 1221هـ ـ 17 يونيو 1806م، حتى قرر السلطان العثماني نقل محمد علي إلى ولاية سالونيك باليونان، وبعد عشرة أيام عزز أمره بإرسال أسطول عثماني بقيادة صالح قبودان (قبطان باشا)، بيد أن الشعب استمر يؤازر محمد علي. هو من جانبه يستعين بالزعامة الشعبية في تثبيت ولايته، متظاهرا بالطاعة والاستعداد لتنفيذ فرمان النقل، فيما ذهب يحذر عمر مكرم وصحبه من العلماء من عودة المماليك إلى الحكم، وبالفعل وقع القاضي والمشايخ والعلماء والأعيان عريضة التمسوا فيها من الباب العالي إبقاء محمد علي في مصر‏، لأن حكمه أصلح من حكم المماليك، ولأنهم كانوا يعقدون عليه الأمل في القضاء على الفوضى الضاربة في أطناب البلاد وإنقاذ الشعب من صنوف الظلم وابتزاز الأموال والركود الاقتصادي.

عمر مكرم

لم يكن أمام السلطان إلا التسليم بمطالب الشعب المصري واشترط ثلاثة شروط: أن يلتمس المشايخ في عريضة جديدة أن يتفضل السلطان بتلبية رجائهم، وأن يدفع محمد علي أربعة آلاف كيس “عشرين ألف جنيه مجيدي”، وأن يبعث بابنه إبراهيم رهينة في الآستانة حتى يفي بدفع المال.  قبل محمد علي هذه الشروط، وفي رمضان 1221هـ ـ نوفمبر 1806م، صدرت أوامر السلطان بتثبيته من جديد واليًا على مصر.

ورغم أن محمد علي تنكر بعد ذلك لهذه الإرادة الشعبية، ونكل بزعماء الشعب الذين أجلسوه على دكة الحكم، واستمر يحكم مصر حتى سنة 1847، وهي حقبة زمنية طويلة نسبيًا وقد شهدت تطورًا مشهودًا في شكل وطبيعة المجتمع المصري، فقد وضعت خلالها اللبنة الأولى للدولة المصرية الحديثة، وتأسست الدواوين الحكومية التي تحولت بعد ذلك إلى وزارات الدولة المصرية، وأنشأ محمد علي جيشًا وطنيًا قويًا جعل مصر قوة مؤثرة في إقليمها، وأسس اقتصادًا حديثًا مبنيًا على قطاعي الزراعة والصناعة، وأحدث نقلة نوعية في التعليم بتأسيس المدارس الحديثة المتخصصة في الهندسة والطب وغيرها من العلوم، وأوفد بعثات علمية للغرب لتنهل من التقدم العلمي الذي حققته تلك الدول.

راح محمد علي باشا، بدواعي تنظيم إدارة البلاد يبني فوق آخر ما أنجزته الحملة الفرنسية في هذا الخصوص، وكان نابليون قد أنشأ ما كان يطلق عليها “الدواوين”، ومنها الديوان العمومي، والديوان الخصوصي، وديوان القاهرة، ودواوين الأقاليم، كان أعضاؤها معينين من قبل السلطات الفرنسية، ولها لوائح تحدد طريقة عملها. وفي سبيله لإقامة مؤسسات حكم حديثة، أخذ محمد علي بفكرة الدواوين، وكان يرجع إليها في مختلف الشئون، وشكل مجلسًا للحكومة يسمى الديوان العالي ومقره القلعة، يتداول مع أعضائه في الشؤون المتعلقة بالحكومة قبل الشروع في تنفيذها، وكان رئيس هذا الديوان يلقب بكتخدا بك أو كتخدا باشا وهو بمثابة وكيل الباشا أو نائبه، وله سلطات واسعة المدى في كافة شؤون الحكومة، وصار هذا الديوان يعرف لاحقا بالديوان الخديوي.

وفي يناير سنة 1825 صدرت اللائحة الأساسية للديوان العالي وحددت اختصاصاته بأنها «مناقشة ما يراه أو يقترحه محمد على فيما يتعلق بسياسته الداخلية»، وقد تضمنت اللائحة الأساسية كذلك مواعيد انعقاد المجلس وأسلوب العمل فيه. ثم ألف محمد علي لكل فرع من فروع الحكومة مجلسًا أو ديوانًا يختص به، فكان هناك ديوان للجهادية، وديوان للبحرية، وديوان للتجارة والشؤون الخارجية، وديوان للمدارس، وديوان للأبنية والأشغال، وكانت كلها بمثابة فروع وأقسام للديوان العام. وكلها كانت مجالس تنفيذية تتألف في الجملة من كبار الموظفين، ولم تكن هيئات شعبية تمثل طبقات الأمة.

وفي سنة 1929 شكل محمد علي “مجلس المشورة” الذي يعد نواة مهمة لنظام الشورى، تألف المجلس من كبار موظفي الحكومة والعلماء والأعيان برئاسة ابنه إبراهيم باشا، وجاء هذا المجلس في عدد أعضائه وتمثيلهم لمختلف فئات الشعب أشبه بجمعية عمومية مؤلفة من 156 عضوًا: منهم 33 عضوًا من كبار الموظفين والعلماء، و24 عضوًا من مأموري الأقاليم، و99 عضوًا من كبار أعيان القطر المصري يتم اختيارهم عن طريق الانتخاب.

كانت سلطة المجلس سلطة استشارية، وكان ينعقد لاستشارته في مسائل التعليم والإدارة والأشغال العمومية حصرًا، وصدرت لهذا المجلس في سنة 1830 مجموعة من التعليمات التي اشتملت على أسس وأساليب عمله، وفي سنة 1833 سن مجلس المشورة قانونًا خاصًا به كان بمثابة تكملة للتعليمات السابقة، وتناول تنظيم فترات انعقاده، وإجراءات ما يجرى به من مداولات، وما يصدر عنه من قرارات.

في تلك الآونة بدأ الحديث عن فكرة الدستور، وكان رفاعة الطهطاوي هو أول من تحدث عن الفكرة، وروج لها وذلك في دراسة أسسها على قواعد ونصوص ونهج الدستور الفرنسي.

رفاعة الطهطاوي

الوسوم

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: