فن

جميل راتب.. رحلة تمرد حتى الرمق الأخير

نهاية المسيرة كانت صعبة، وحدة ومرض عضال بأشرس أنواع السرطان، وإحساس قاتل بعدم القدرة على التمثيل، وعزلة خانقة لفنان عاش عمره فى الأضواء تبدو أشد ألماً من المرض ذاته، لكنها الحياة التى أعطت مغامرات كبيرة لفنان من طراز رفيع.

«البداية» لجميل راتب لم يكن اسم أحد أهم أفلامه المصرية فحسب، بل هو المبدأ الذى لازمه فى تحقيق مغامراته، فهو فى بداية مستمرة، وكأنه كل مرة يبدأ من جديد، لن تجد له دوراً إلا و تشعر بأنه يمثل لأول مرة، حماس طفولي ظل يصاحبه في أداء أدواره طوال تاريخه، يقف أمام فاتن حمامة وسناء جميل بنفس حيويته وهو يقف أمام ممثلات وممثلين في عمر أحفاد يضع علامات فنية في كل مرحلة من عمره، دون أن يشعرنا أنه فعل شيئاً يستحق الغرور والتباهي.

لا يمكن لأحد أن يؤرخ لتاريخ السينما أو التلفزيون العربي متجاهلا أدوار جميل راتب في أعمال مثل «البداية»، و«الكيف»، وشخصية الضابط الإيطالي توميللي في فيلم «عمر المختار»، و«تيمور وشفيقة» وغيرها عشرات من الأعمال السينمائية، وربما كانت شخصياته التلفزيونية هي الأكثر حضورا وتأثيرا لدى الجماهير بحكم المشاهدة الواسعة لجمهور الشاشة الفضية، كأدواره في مسلسلات «زيزينيا» و«ضمير أبلة حكمت»، و«الراية البيضا»و «وجه القمر» وغيرها من أعمال علقت شخوصها في ذاكرة جمهوره الواسع.

تجاوز راتب المحلية إلى العالمية، فهو فنان عالمي بكل المقاييس، بدأ تألقه الفني من فرنسا عبر ٧ أفلام باللغة الفرنسية يعرفها الجمهور في تونس والجزائر والمغرب أكثر من المصريين، كما اشتهر بأدواره المميزة على خشبة الكوميدي فرانسيز العريقة، إلى أن أخذه الحنين أخيرا إلى مصر ليستقر بها من منتصف السبعينات، بداية من لفت الأنظار إليه مع ظهوره في فيلم «الصعود إلى الهاوية» عام 1978، والذى كان نقطة تحول رئيسية في مشواره الفني ونجوميته الجديدة لدى جماهيره العربية من المحيط إلى الخليج،  وسرعان ما حاز مكانة مرموقة عبر أدواره المهمة على شاشات السينما والتليفزيون في الثمانينات والتسعينات، والتي استمرت بعدها مسيرته بأدواره المتفردة التي لا ننساها، وفي طلته الأخيرة على جمهور محبيه، قبل مرضه الأخير، وقف جمهور مهرجان قرطاج السينمائي الدولي يحييه بحفاوة بالغة وهو يطل عليهم من على كرسيه المتحرك، يبتسم كالأمراء وهو لا يصدق حفاوة الترحيب وفيض المحبة.

إطلالته في مهرجان قرطاج السينمائي

 ربما تذكر جميل راتب في تلك اللحظة رحلة ذلك الفتى الأرستقراطي المتمرد على تقاليد عائلته، المحب للفنون الذي جذبته نداهة التشخيص مبكراً، ولم يمنعه سفره لدراسة القانون في فرنسا، ورفض عائلته الصارم لدخول الفن من بابه، من أن يتخذ قراره الشجاع بالتحول إلى الفن وترك كل شيء من أجل حلمه القديم. انفصل جميل عن عائلته، وانقطعت عنه الأموال التي كانت ترسلها له، فاضطر للعمل في سوق الفاكهة وفى أعمال بسيطة ليكفل معيشته ويكمل حلمه ويصقل موهبته في التمثيل.

مع الفنانة محسنة توفيق في فعاليات ثورة يناير 2011

جانب آخر في مسيرة الفنان الراحل ربما لا يدري به كثير من جمهور محبيه ومتابعي مسيرته الفنية، ويتمثل في تعاطف جميل راتب ابن الاثرياء منذ الصغر مع البسطاء والكادحين، ما جعله يعتنق أفكار اليسار مبكرا، وربما كان  وراء تأخر حضوره كممثل داخل مصر، لكنه استمر مع ذلك في انحيازه القوي للفئات المهمشة وسعيه الدائم لتبني قضاياها وحقها المشروع في غد أفضل.

اختار جميل راتب أن يحيا حراً، وعمل ما أحب ومات فناناً وإنساناً عظيما حفر اسمه في سجل الفن بنفسه في عصامية نبيلة، وصنع من القماش الفنى المتاح له تصميماً أنيقاً لن ينسي.

مشهد من فيلم الكيف

تصميم صورة الغلاف: عبد الله محمد 

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: