رؤى

حسن حنفي: قضيتنا الآن ليست الوحدانية، إنما أرض مغتصبة وإنسان مهمش

حاوره: فؤاد السعيد، وبلال مؤمن

على مدار ما يربو على القرنين من الزمان توالت محاولات المفكرين العرب في ترسم طريق للابتعاث والنهوض العربي والإسلامي من كبوته الحضارية، اختلفت أرضياتهم، وتنوعت منطلقاتهم، وتباينت مواقفهم حول العديد من القضايا كالموقف من التراث الإسلامي القديم والآخر الحضاري  ما بين مؤيد ومعارض، بل تباينت مواقف بعضهم حول القضايا نفسها،

كما تراوحت دوائر انتمائهم ما بين العروبة والإسلام، واستدعى بعضهم انتماءات ونعرات قومية قديمة كالفرعونية أو الأمازيغية أو الفارسية حينما ظنوا أن تراثا إسلاميًا ضخمًا يجثم على صدر الواقع ويعيق محاولات الإنطلاق.

وحده بقي حسن حنفي، على امتداد مراحل تطور مشروعه الفكري، ثابتا لا يتزعزع في موقفه من التراث الإسلامي منذ تحسس خطوات مشروعه الأولى في ستينات القرن العشرين، عندما أعد رسالته العلمية في جامعة السوربون العريقة حول ظاهريات التأويل.

دشن حنفي مشروعه في إعادة بناء التراث الإسلامي، وفق منهجية متميزة في التعامل مع متطلبات الواقع المعاش، مؤمنا أن كبوتنا الحضارية لا تعدو أن تكون مرحلة صعبة لكنها طبيعية ولا تقف عائقا أمام إمكانية استئناف النهوض بشرط إعادة بناء العلوم والمعارف الإسلامية بما يلائم العصر ومتغيراته.

من منطلق الإيمان بأهمية تسليط الضوء على هذه التجربة المتفردة في ثرائها، ضمن مشروع أوسع لتسليط الضوء على إسهامات الرواد من مفكرينا العرب، سعت “أصوات أونلاين” لمحاورة المفكر الكبير د . حسن حنفي حول ماهية مشروعه، وما هو الطريق الذي علينا أن نلتمسه في سبيل ابتعاث حضاري للأمة العربية والإسلامية، بعد توقف امتد لقرون طويلة عن المساهمة والفاعلية في عالمنا، مكتفين بدور المستهلك العالة على منجزات الأمم.. فإلى نص الحوار:

أين القضية؟

على خلاف العديد من الحداثيين العرب،  ترى أن تجاهل التراث أمر غير ممكن، وتدعو إلى نقده وإعادة تأويله بما يناسب العصر والتوجه الاجتماعي لمصلحة الغالبية. ما الأهمية التي يكتسبها التراث من منظورك بما يجعله شرطا للاستئناف والإقلاع الحضاري؟

كل ذلك يتوقف على مفهوم التراث. ماذا يعني التراث؟ التراث هو نتاج عصر معين في بيئة معينة في مرحلة تاريخية معينة. من أجل فهم الأصول النصية، الكتاب والسنة، لتساعدنا في مجابهة تحديات العصر، يتعين علينا التسليم بأن لكل عصر تراثه، لا يوجد تراث لكل العصور، ونحن لا نزال نكرر مواقف الفقهاء الأربعة ومبادئ علم الكلام وعلم أصول الدين وعلوم الحكمة، ونكرر في كل جامعاتنا ما اجتهدوا اليه.

ولكي نكون أكثر وضوحا ففي الماضي كنا منتصرين، وكانت جيوشنا فاتحة من الأندلس حتى الصين، ومن تركيا حتى أواسط أفريقيا، فتدخلت الشعوب من الامبراطوريات السابقة لتطعن الإسلام من الخلف في قوته الرئيسية وهي التوحيد، وبدأوا يتشككون في الإله الواحد، هل هو ثنائي أم ثلاثي؟ وهل تتعدد الآلهة؟ عندها انبرى المتكلمون للدفاع عن الإله الواحد، كانت تلك قضيتهم في زمنهم، والآن هل منا من يشك في أن الله واحد؟ أين المعركة؟ لكي نجعل علم الكلام المعاصر قائما على إثبات الوحدانية، القضية الآن ليست التوحيد، القضية الآن هي الأرض لأننا منهزمون، فلسطين ضاع نصفها في 1948 والنصف الآخر في 1967، والجولان ضائع، إذا قضيتنا هي قضية الأرض وليست قضية التوحيد، وعندما نقرأ آيات القرآن نجده يردد (رب السموات والأرض)، (إله السموات والأرض)، و(هو الذي في السماء إله وفي الأرض إله)،  فالذي يأخذ أرضي يأخذ نصف إلهي، ولأن الله واحد لا يتجزأ، فمن أخذ أرضي فقد أخذ إلهي. هذا ما تقوله الصهيونية في كل الجامعات الأوروبية، فلسطين جزء من العقيدة اليهودية، هي أرض الميعاد، واليهودي لا يستطيع أن يعيش إلا في فلسطين، ولا يعبد الله إلا في القدس ولا يصلي إلا في هيكل سليمان، فالأرض جزء من العقيدة اليهودية هذا ما يقال الآن، إذا الواجب أن نحول علم الكلام المعاصر كٌلية من الدفاع عن التوحيد إلى الدفاع عن الأرض.

وسأعطيكم نموذجا آخر من علوم الحكمة (الفلسفة)، ورثنا عن الأقدمين (اليونانيين والمسلمين) الحكمة المنطقية والحكمة الطبيعية والحكمة الإلهية، ولَم يكن الانسان حاضرا بشكل كاف عند الأقدمين، الآن نعاني من حقوق الانسان وتكتب فينا التقارير يوميا في الداخل والخارج، فلماذا لا يعاد بناء علوم الحكمة ليكون الإنسان هو المركز وليس منطق أرسطو ولا طبيعياته ولا إلهياته.

في علوم التصوف مثلا، ما زلنا نقرأ كتاب الغزالي (إحياء علوم الدين)، وهو ثاني أكثر الكتب مبيعا في ماليزيا واندونيسيا بعد القرآن الكريم، وتدور أبوابه حول موضوعات من قبيل الصبر، التوكل، الورع، الخوف، وأنا لا أريد ان أصبر فللصبر حدود، ولا أريد أن أخاف. فلماذا أطأطىء الرأس؟ أريد أن أغضب وأطالب بحقوقي وحقوق الفقراء في أموال الاغنياء، لماذا أجعل هدفي هو الفناء في الله وليس البقاء وإثبات الذات في الحياة؟.

نعتمد إلى الآن التصنيف القديم لمصادر الشريعة الإسلامية، وهي الكتاب والسنة والاجماع والقياس، فإن لم تجد حكما لمسألة ما في الكتاب، فأبحث عنه في السنة، وإن لم تجده في الاجماع ففي القياس، لكن ثمة قضايا حياتية طارئة لا هي هنا ولا هي هناك. زحام القاهرة – على سبيل المثال- هل أذهب وأبحث عن  الحل في الكتاب، فإن لم أجد ففي السنة أو الاجماع أو القياس أم أذهب واجتهد رأيي مباشرة وأعرف كم تتحمل الطرق في مدينة بلغ تعدادها عشرين مليونا وكم عربة تتحمل شوارعها، وهناك نحو أربعة ملايين عربة في شوارع القاهرة وحدها. كان الأصوليون المسلمون يتمتعون بالوعي لمثل تلك القضايا، وهذا ما أسماه الأصوليون التعليل أي البحث عن العلل المباشرة بالأدلة التجريبية.

أردت أن أعطي أمثلة لفهمي للتراث، فأنا لا أساير التراث القديم وأستدعيه على علاته لأنه تراث عصر مضى، ولا أنفصل عنه لأنه تحول إلى ثقافة شعبية ومكون من مكونات الشخصية العربية و الإسلامية. فحتى الأمثال الشعبية والعامية التراثية لها دورها في طريقة فهمنا وتفسيرنا للحياة، قولنا في تبرير وقوع الحوادث مثلا (لا يغني حذر من قدر) إلى آخره.

أسئلة العصر

مع رواج أفكار وتيارات دينية محافظة ورجعية؟ هل ترى أن استدعاء المذهب الأشعري ومحاولة تطوير منظومته الفكرية هو السبيل للخروج من حالة الانغلاق الحضاري؟ أم الحل في استدعاء أيديولوجيات غربية أكثر معاصرة وتحررا وانفتاحا؟

الأشعرية تحولت من عقيدة إلى ثقافة شعبية. والسؤال الآن: كيف أستطيع أن أعيد بناء هذا التراث القديم كخطوة أولى، حتى أٌبين للناس أنه ليس به قداسة وإنما هو من وضع أهله في عصرهم حتى أستطيع أن أضع تراثا جديدا يتفق مع عصري؟

أنا لا أتصل مع القدماء بالكلية، ولا أنفصل عنهم بشكل كامل كما يفعل العلمانيون الذين يريدون أن يستبدلوا بالتراث أفكارا قومية أو ليبرالية أو  ماركسية إلى آخر هذه الأيديولوجيات التي يسمونها الحديثة، وهي لا تصمد أمام بعض التصورات القديمة في مجتمعاتنا، فبعدما تقوم الثورات رافعة شعارات القومية أو الليبرالية أو الماركسية أو الاشتراكية، تنهار وتتوارى الأفكار والشعارات وتتحول إلى ثورات مضادة.

التراث ليس قضية خطابة في المساجد، كيف أصلي وكيف أصوم؟ لكنه قضية كيف أحاول أن أفك عقالي من سيطرة التراث القديم؟ وكيف أكون قادرا على أن أبدع تراثا يتفق مع ظروف العصر؟ وهو منهج قرآني محكم، أي منهج السؤال: ويسألونك عن الأنفال، ويسألونك عن المحيض، ثم تأتي الاجابة من الله للنبي( قل). السؤال يأتي من الواقع ومن الزمان والمكان، أي سؤال ينطلق من خارج هذا الإطار ولا يستطيع الإنسان أن يجد له حلا  نتوقف فيه عن الحكم. ويسألونك عن الروح، قل الروح من  أمر ربي، السؤال عن الأمور الغيبية اغتراب اجتماعي لمن يريد أن يسأل ويجيب عن أشياء ليس له القدرة على الحكم عليها، ويترك الأشياء التي يعاني منها مثل التفاوت الشديد بين الاغنياء والفقراء، فأغنى أغنياء العالم منا، وأفقر فقراء العالم منا، والاستبداد والفساد والاحتلال. الذي يذهب إلى التراث القديم يهرب لأنه عاجز عن أن يواجه الواقع، والذي يذهب إلى التراث الغربي وينقطع عن التراث الإسلامي القديم يهرب لأنه عاجز أيضا عن مواجهة الواقع وايجاد حلول له، لا فرق بين الاثنين، بين من يقلد القدماء أو من يقلد المحدثين.

ثراء التنوع

هل نعتبر أن مشروع اليسار الإسلامي هو جوهر مشروعك؟ وماذا تعني باليسار الإسلامي؟

مشروعي هو التراث والتجديد، اكتبه على ثلاث مستويات، مستوى علمي للمتخصصين اسمه التراث والتجديد، وسؤاله الرئيس: التراث القديم كيف أجدده وأبدع تراثا جديدا يتفق مع أهداف العصر؟ في هذا السياق أصدرت عدة مؤلفات (من العقيدة إلى الثورة) في علم الكلام، و(من النقل إلى الإبداع) في علوم الحكمة، و(من الفناء الى البقاء) في علم التصوف، و(من النص إلى الواقع ) في علم أصول الفقه، و(من النقل إلى العقل) في العلوم الكلية الخمسة التي تركناها في أيد الخطباء والجماعات الدينية، أعني علوم القرآن والحديث والسيرة والتفسير والفقه، و(مقدمة في علم الاستغراب) ويعكس موقفي من تراث الغرب ضد من يريدون الانتقال من تقليد القدماء إلى تقليد المحدثين، ثم – وهو الأهم- “التفسير الموضوعي للقرآن الكريم” الذي صدر لي الشهر الماضي، كي نتجاوز القراءات النصية التي تعتمد على قال ويقول، لا فرق في ذلك بين قال الله وقال الرسول، وقال الرئيس وقال الأمير، وقال العمدة وقال شيخ القرية، وقال الأب وقال المدرس وقال الأخ الاكبر إلى آخره. السؤال هو: ما الذي يستطيع العقل أن يقوله؟ فالقول في حاجة إلى فهم وتكوين وإرجاع إلى المناسبة التي قيل فيها، إلى تحكيم العقل، والعقل هنا يشمل التجربة والحس والمشاهدة، فالمبدأ الأول في العقيدة الإسلامية هو (أشهد أن لا إله إلا الله)، أشهد أي أشاهد أو أرى،  كالشاهد في المحكمة فإذا شاهدت شيئا وقلت بلساني شيئا آخر أكون قد كذبت على العدالة. هذا هو المستوى الأول.

المستوى الثاني هو المستوى الثقافي العام، وفي هذا السياق تأتي مؤلفات مثل “قضايا معاصرة”، “هموم الفكر والوطن”، “شخصيات وقضايا”، “حوار الأجيال”، “جمال الدين الافغاني” وهي أيضا محاولة لنشر أفكار التراث والتجديد بين المثقفين.

المستوى الثالث هو المستوى الشعبي، بث الثقافة السياسية الشعبية، وتضمنتها مؤلفات مثل: “من منهاتن إلى بغداد”، “وجوه التسلط وآفاق الحرية”، “الدين والثورة في مصر”، “الثورة المصرية في أعوامها الخمسة الأولى”، والجزء الثاني “الثورة المصرية في أعوامها السادس والسابع والثامن”، “الدين والثقافة والسياسة في الثقافة المصرية”.

أنا أحاول أن أوزع وأنوع خطابي للناس، فاليسار الإسلامي هو جزء من الخطاب الشعبي العام، به أفكار التراث والتجديد للمتخصصين وبه تحليلات ثقافية للمثقفين، لكن النداء الأول هو للناس، أي كيف أستطيع أن أحافظ على هويتي التي هي الإسلام بصرف النظر عن تفسيره، وفي نفس الوقت ألبي مطالب عصري وهو اليسار؟

بالمعنى العام، كيف أستطيع أن اعيد توزيع الدخل القومي في مصر، وهو مطلب رئيسي، ابتداءً من ثقافتي الشعبية، وما يشعر به الناس، ومما قاله الافغاني: “عجبت لك أيها الفلاح تشق الأرض بفأسك، ولا تشق صدر ظالمك”. وأيضا الدفاع عن الحرية، بالرواية التي كنا نسمعها في المدارس ونحن صغار، عندما ضرب ابن عمرو بن العاص أحد المصريين، اشتكى المصري لعمر بن الخطاب، فقال له: اضرب ابن الأكرمين، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا. أو عندما وقف عرابي بحصانه في قصر عابدين أمام الخديوي توفيق، يقول له: إن الله لم يخلقنا تراثا أو عقارا كي نورث، والله لا نستعبد بعد اليوم.

تراثنا الشعبي قادر أن يكون حاملا للمطالب الوطنية في التنمية والعدالة الاجتماعية والاستقلال والوحدة والدفاع عن الهوية. أنظر الآن إلى كل ما يسمى الأبنية الحديثة، العاصمة الإدارية والأبراج العالية، وأتساءل كيف أنها تبنى كعلب كبريت ومربعات، وكأن القوس الهندسي في العمارة الإسلامية لم يوجد؟

لغز الإسلام السياسي

المشروع السياسي الإسلامي أسهم في تعطل مسار النهضة العربية منذ بدايتها حتى الآن؟ ما هو نقد ك للأسس المعرفية التي يقوم عليها ذلك المشروع ؟

لفظ الإسلام السياسي لفظ متشابه، فاليسار الاسلامي هو إسلام سياسي، وما تقوم به المؤسسات الدينية من تبرير نظم الحكم وما يسمى بتجديد الخطاب الديني هو إسلام سياسي، وما تقوم به التيارات السلفية في التركيز على أن الحاكمية لله هو أيضا إسلام سياسي. فماذا يعني الإسلام السياسي؟ هو توظيف للفكر الإسلامي، لأننا لا نعرف ماذا يعني الإسلام في لحظة تاريخية معينة، فالإسلام جاء في لحظة كانت العرب فيها قبائل متفرقة متنازعة، وكانت امبراطوريتا الفرس والروم تتهاويان، وكان التاريخ في حاجة إلى قوة جديدة تخرج بين امبراطورية الفرس وامبراطورية والروم. خرج الإسلام لينتشر العرب غربا في افريقيا وشرقا في آسيا، إذا فالإسلام لا يفهم إلا في إطار تاريخي زماني مكاني، ومن ثم ما يسمى بالإسلام السياسي هو استعمال ما يفهمه الناس على أنه الإسلام أي التراث لتحقيق غايات سياسية، معظمها تأييد لنظم الحكم، دينيًا كان أم علمانيًا.

الإسلام السياسي ربما نجده في ما فعله عرابي وعمرو بن العاص وأبو ذر الغفاري مطالبا عثمان بن عفان بأخذ أموال الأغنياء وتوزيعها على الفقراء فنفاه إلى ربوة الغبراء في بلاد الشام، لكن للأسف لا أحد يأخذ هذا المعنى من الإسلام السياسي، وإن فعلت فأنت مٌتهم من الإسلاميين بأنك شيوعي متخف، ومن العلمانيين بأنك إسلامي متخف.

نهوض متعثر

منذ انطلاق مشروع النهضة مع حسن العطار والطهطاوي، وصولا إلى تجربة التنمية في عهد عبدالناصر نستطيع أن نستخلص خطا يحاول جاهدا أن ينهض سواء من خلال تجديد الفكر الإسلامي مع النهضويين الأوائل، أو بمنحى ليبرالي قبل 1952، أو منحى قومي اشتراكي ما بعد 1952، فضلا عن ما صاحب تأسيس حسن البنا لجماعة الإخوان، وما تلاها من تعويق لمسار النهضة؟

صحيح. النهضة التي بدأها حسن العطار في الأزهر، وتلميذه رفاعة رافع الطهطاوي كانت نقطة البداية في الجمع بين ثقافة الأنا وثقافة الآخر، بين التراث والتجديد. يكتب الطهطاوي في سيرة الرسول وفي نفس الوقت يكتب في “تخليص الإبريز”، وفي النهاية يكتب “مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية”، لكن للأسف نُفي الطهطاوي إلى السودان في أواخر عهد اسماعيل، وتحولت تعاليمه إلى مجرد مناهج للتربية وإنشاء دار العلوم كما فعل علي مبارك، ثم بعدها انزوى التيار التنويري الليبرالي بقيام ثورات الجيش سواء ثورة حسني الزعيم في سوريا في أواخر الاربعينات، أو في مصر في 23 يوليو 1952.

حاولنا أن ننهض بطريقة الثورة الفرنسية، فولتير ومونييه ومونتسكيو وروسو، لكن المشكلة لدينا عميقة في التاريخ، فنحن نصارع عشرة قرون من التراث القديم والتقليد من عصر الشروح والملخصات والموسوعات والنقل إلى آخره. وتأتي فترة التنوير أخيرا، وإذا كان طه حسين يمثل مستقبل الثقافة في مصر، فإن “مستقبل الثقافة” يريد أن يجعل من الثقافة المصرية جزءا من ثقافة البحر المتوسط خاصة الثقافة الفرنسية، ويفصلها عن الثقافة العربية الإسلامية في آسيا إلى آخره.

إذا هناك عدة محاولات بطريقة التنوير عند الطهطاوي أو بطريقة الإسلام الثوري عند الأفغاني، لكن لما فشلت ثورة عرابي وهو تلميذ الأفغاني، ونفي إلى جزيرة سيلان لم يستأنف محمد عبده ثورة الأفغاني، وكان الأفغاني يقول له: “والله انك لمثبط”. محمد عبده خشي من المغامرة السياسية الثورية وركز على التربية والتعليم كما فعل علي مبارك، وأيضا عندما قام التيار العلماني عند شبلي شميل، ويعقوب صنوع، وسلامة موسى واسماعيل مظهر وزكي نجيب محمود سرعان ما خفت صوته من الداخل أولا، فإسماعيل مظهر يكتب في نهاية حياته (الإسلام أبدا)، وزكي نجيب محمود في نهاية عمره “حصاد السنين” يراجع مواقفه الأولى في الوضعية والتحليل العلمي، فكلما تخطو خطوة إلى الأمام تخطو خطوتين إلى الخلف.

تجربة ناصر

كيف تقيم تجربة النهضة في المرحلة الناصرية؟ وإلى أي حد يمكن أن تكون مٌلهمة لمحاولة الاستئناف والإقلاع الحضاري لجيلنا والأجيال القادمة؟

نعم، نحن أيضا جربنا النهضة عن طريق الثورات الشعبية، ثورة 1919 وثورة يوليو 1952 وأخيرا ثورة يناير 2011، الأولى دخلت في أيدي الاقطاع والباشوات إلى آخره، وثورة 2011 أنتم أدرى بما جرى لها، وثورة 1952 كانت تقوم على شخصية الزعيم الذي أمم القناة في 1956 ومصر الشركات الأجنبية في 1959، وأقام الجمهورية العربية المتحدة في 1958، وساعد الثورات العربية في العراق وليبيا واليمن الجزائر، ووقف مع نهرو وتيتو في وجه القوى الكبرى، وأسس منظمة الشعوب الافريقية الاسيوية التي أصبح لها الاغلبية في كل المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة. لكن مصر أزيحت لاحقا عن أن تكون مركز العرب، لصالح أمريكا واسرائيل، وأخيرا الخليج.

لم يعد لدينا خيال سياسي كما فعل عبدالناصر عندما تحالف مع الهند ويوغسلافيا. لماذا لا نقوم بنفس الشيء الآن مع تركيا و ايران ونكون بؤرة جديدة تحاصر المد الاسرائيلي والتغلغل الأمريكي وتعيد المهاجرين إلى أوطانهم؟ لدينا من القوة ورأس المال والسواعد والعقول ما يكفي لتنمية البلاد دون الاعتماد على البنك الدولي أو الإعانات، وأن نحمي الأمة العربية من التفتيت والتجزئة والحروب الأهلية، مثل ما يحدث الآن في اليمن وسوريا وليبيا، وهي الساحات التي عمل فيها عبدالناصر. ينقصنا الخيال السياسي، ورينا أن نكتفي بالبحث عن لقمة العيش.

نحن والغرب

هل كانت محاولات تعويق مشروع النهضة عشوائية، أم بتآمر الغرب واستغلال نقاط ضعف داخلية مثل جماعات الإسلام السياسي؟

لا ينجح تآمر الخارج إن لم تسمح له إمكانات الداخل، العيب فينا، ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، لا تستطيع أمريكا أن تتآمر عليك إن لم تكن أنت مستعدا لقبول التآمر ضد شعوبك، القدس يلتهمونها، والكل يجلس على المقاهي ويشرب الشيشة واضعا ساقا على ساق ويقول القدس عربية، إذا هذه لحظة تاريخية لإسرائيل وأميركا، وستعلن الجولان جزءا من اسرائيل، والضفة الغربية جزءا من اسرائيل، ويروجون أن سيناء هي الامتداد الطبيعي لتوطين الفلسطينيين تحت دعاو غير مقبولة عن تعمير سيناء. الأمر إذا أخطر مما نتصور, والسؤال هو: هل يمكن أن تعود نهضة الخمسينات والستينات من جديد؟ ليس الأمر بمستبعد، أو أن تعود الجماهير إلى ما كانت تطلبه في 2011، العيش والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

هل تعتقد أنها انتكاسة مؤقته وأن مسيرة النهضة والتقدم والعدالة وتجديد الفكر ستستأنف في القريب؟

يقولون متى؟ قل عسى أن يكون قريبًا.

صورة المقالة بريشة الفنان سعد الدين شحاته

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق