منوعات

رخا.. من نصيحة «الفهلوي» إلى السجن مع العقاد

إعلان صغير منشور في جريدة محدودة سنة 1927، كان فاتحة خير على فنان الكاريكاتير الكبير “رخا”. كان الإعلان عن قرب صدور العدد الأول من مجلة “الفنان” لصاحبها كاتب الأغاني الشهير يونس القاضي، مؤلف نشيد “بلادي بلادي”.

أرسل رخا خطابا عن رغبته المشاركة في الإصدار الوليد، وجاءه الرد: “تعالى فورا”، ورغم عدم استمرار المجلة في الصدور لأكثر من ثلاثة أعداد، ألا أن القاضي صانع النجوم في هذا الوقت أخذ هذا الشاب صاحب الموهبة العبقرية في الكاريكاتير ليعرفه على أصحاب الصحف والمجلات، وفقا لما أورده الباحث أحمد عبد النعيم في كتابه “حكايات الفكاهة والكاريكاتير”.

وأضاف عبد النعيم: بدأ نجم رخا يظهر على صفحات مجلة “الستار” ومجلة “الناقد”، وكانت أغلب المجلات تطبع في مطبعة بارباريان في العتبة، وفيها تعرف رخا على أصحاب المجلات والصحف، وقابل الكاتب الصحفي محمد التابعي الذي نشر له رسمتين في “روز اليوسف”، كما عمل في “البلاغ” و”الصباح” و”أبو الهول” اللتين كان يصدرهما مصطفى القشاشي، ومجلتي “المسرح” و”المستقبل” وكان يصدرهما المحامي إسماعيل وهبي شقيق الفنان يوسف وهبي.

أبو الكاريكاتير المصري

يعد الفنان رخا أول رسام مصري يحترف هذا الفن بالمعنى الحقيقي، بعد أن أرسى قواعده بالشكل المتعارف عليه في الصحافة ثلاثة من الرواد الأجانب، هم الاسباني سانتيس والتركي رفقي والأرميني صاروخان.

ويقول الكاتب الصحفي إحسان عبد القدوس إن رخا هو أول رسام كاريكاتير مصرى خالص، خطوطه تحمل الشخصية المصرية والتعبير المصرى كاملاً لذلك استطاع أن يصل إلى قمة صاروخان ويتعداها.

ولد محمد عبد المنعم رخا يوم 7 من نوفمبر عام 1911 في بلدة سنديون التابعة لمحافظة القليوبية، وانتقلت أسرته إلى القاهرة بعد وفاة والده، والتحق بمدرسة باب الشعرية الابتدائية، وكان في هذه العمر المبكرة يقلد رسوم المجلات التي تقع تحت يديه مثل “اللطائف المصورة”، وقرر الالتحاق بمدرسة الفنون الجميلة، إلا أن أسرته رفضت فالتحق بمدرسة الخديوية الثانوية، فرسب فيها ثلاث سنوات بسبب هواية الرسم، ليلتحق بالقسم الحر في مدرسة ليوناردو دافنشي الايطالية، “بعد سنتين من الالتحاق بهذه المدرسة وجدت نفسي أرسم وتفرغت للهواية التي صارت طريقي وكل شيء في حياتى منذ ذلك الوقت”، يقول رخا في مذكراته.

تحول رخا مع الوقت إلى مصنع رسومات يملأ الصحف والمجلات بضحكاته ودموعه، ويروي رخا عن تلك الفترة قائلا: كنت أرسم بالجملة والقطاعي لكل المجلات الأسبوعية التي تصدر من أسوان إلى الإسكندرية، وعمري حينها 18 سنة وبدأ طربوشي يضيق علي رأسي من غروري، وبدأت أزن المجلات وأحللها على أنها عبارة عن رسوم كاريكاتيرية يرسمها رخا، وبعض الكلام الفارغ الذي يكتبه بعض الصحفيين.

اشمعنى.. ونصائح الفهلوي

قرر رخا نتيجة ما لمسه من انتشار وإشادة أن يكون صاحب مجلة، باع ميراثه “فدانين طين” وأسس مجلة “اشمعنى”، ورفضت حكومة محمد محمود باشا منحه رخصة للمجلة. وعن سر تسمية المجلة “اشمعنى” يقول رخا: اخترت هذا الاسم لأنني كنت أقول لنفسي في كل ساعات الليل والنهار اشمعنى جبرائيل تقلا يملك جريدة؟ لم يعبأ رخا برفض الحكومة للترخيص: “قررت أن أصدر مجلتي بدون ترخيص، رسمتها وطبعتها وأعددت نسخها لتسليمها للباعة، وفجأة جاء البوليس وصادر كل النسخ، تصورت أن الشعب يتعجل إسقاط الحكومة حتى يقرأ “اشمعنى”، وسقطت حكومة محمد محمود بالفعل وجاءت حكومة عدلي يكن، فأعاد الدستور للشعب وأعطاني رخصة “اشمعنى”.

شعرت من كلام المعجبين أن فرحة الشعب بعودة المجلة أكثر من فرحته بعودة الدستور، ورسمت صور العدد الأول وأعددته للطبع، فنصحني ملك الصحافة أن أطبع ستة آلاف نسخة حتى ينفد العدد في لحظات، ويرتفع ثمنه في السوق السوداء إلى نصف ريال، فيصبح حديث الناس، يقول رخا، متابعا: طبعت النسخ المطلوبة وذهبت إلى عابدين وسلمتها إلى ملك الصحافة علي الفهلوي الذي يحكم سوق توزيع جرائد مصر من قهوة صغيرة يملكها، وكان صاحب الجلالة الفهلوي لا يقرأ ولا يكتب.

“قدمت لجلالته نسخ مجلتي فقلب إحدى نسخها بين يديه، وقال: “أبشر بكره افتتاح البرلمان موش هيفضل ولا نسخة.. لقد اخترت الوقت المناسب”، طرت من الفرحة واستيقظت في الحادية عشر من صباح اليوم التالي، وخرجت إلى الشوراع لأسمع باعة الصحف ينادون باسمي، فلم أسمع اسمي ولا اسم مجلتي، وأسرعت إلى التليفون أسأل الفهلوي عن مصير مجلتي، فقال: مافضلش ولا نسخة.. نفدت كل النسخ بعد ربع ساعة، ارفع عدد النسخ في العدد الثاني 2000 نسخة”.

ويسترسل رخا: سلمت ملك الصحافة في العدد الثاني 8000 نسخة، وسألته عن حساب العدد الأول، فقال أنه سيسلمني الحساب عندما يتسلم العدد الثالث، وسألته أطبع كم من العدد؟ ففكر قليلا ثم أجاب: عشرة آلاف نسخة.

طبعت عشرة آلاف نسخة وذهبت بها إلى ملك الصحافة وكان جالسا على قهوته، وحوله مقاطف مليئة بالقطع الفضية من فئة الخمسة قروش والعشرة قروش، وبدأت أعد المقاطف وأحسب مئات الجنيهات التي ستدخل جيبي، وطلب لي الفهلوي واحد قهوة وبدأت أشربها ببطء وأفكر كيف سأحمل كل هذه المقاطف هل أستأجر تأكسي أم عربة لوري؟!.

 فجأة قالي لي ملك الصحافة: أجيب لك فنجان قهوة كمان؟.

 قلت له: متشكر، عاوز الحساب.

 فقال: حساب إيه؟.

 فقلت: حساب العدد الأول.

 فقال: أنا مكسوف منك والله يا أستاذ، إيرادات العدد الأول أقل من جنيه، من سوء بختك الناس كانت مشغولة بالبرلمان ونسيت أن فيه مجلة جديدة في السوق، لو كنت استشرتني كنت نصحتك بالانتظار.

نسى ملك الصحافة أنه هو الذي أشار على رخا إصدار المجلة مع افتتاح البرلمان.. “وقف ملك الصحافة معلنا انتهاء المقابلة ووضع يده في جيبه وأعطاني الجنيه.. أخذته ومشيت فقد كان هو ما تبقى من رأس مالي”.

أعلن رخا شفائه مما ألم برأسه “خف ورم رأسي وأصبح يدخل في الطربوش، وعلمني ملك الصحافة درسي الأول، وهو أنني لا أصلح أن أكون صاحب مجلة!.

في عزاء مجلة

استقبل رخا المعزيين في وفاة “اشمعنى” بابتسامة عريضة قائلا: بالعكس ده أنا فرحان لأن هذا الفشل أقنعني بأنني لا أصلح إلا لشيء واحد وهو الرسم. كان ضمن المعزين في فشل المجلة مصطفي أمين وشقيقه علي وفي أيديهم مجلة “التلميذ” ويأملان في الحصول علي موافقة رخا بالرسم فيها، وكانت بداية صداقة بينهم امتدت حتي نهاية العمر. يحكي مصطفى أمين عن أول لقاء له مع رخا: كان يوقفني في ذلك الوقت بعض رسوم وضحكات لرسام الكاريكاتير رخا ولم أكن أعرف هل هو مصري أم أجنبي، فقد كان أغلب رسامي الكاريكاتير في مصر في ذلك الوقت أجانب. ويضيف: ذهبت إلى هناك وتصورت أنني سأرى رجلا كبيرا في السن، واذا بي أفاجأ بولد في مثل سني أو يكبرني بخمس سنوات، وقد تبينت أنه ابن بلد، فيه ظرف ابن البلد وطيبته وسذاجته وأحيانا بلاهته، لكنه في الوقت نفسه فيه وطنيته وحماسته واعتزازه بكرامته.

السجين 3328

في عام 1933، كان رخا يعمل في جريدة “المشهور” لصاحبها عمر عزمي، وكانت الجريدة مدعومة من الأمير عباس حليم الذي اندمج مع العمال حتى صار رئيسا لاتحادهم، وهو ما أقلق إسماعيل باشا صدقي رئيس الوزراء الذي عرف بتضييقه على الحريات وكرهه الشديد للصحافة، وكان من كوارثه أنه عطل الحياة النيابية وألغى العمل بالدستور.

النبيل عباس حليم

صدر العدد الأول من جريدة المشهور يحمل كاريكاتيرا شديد النقد والسخرية من الحكومة، مصورا انحيازها الشديد إلى الاحتكار الأجنبي على حساب العامل المصري البسيط، وذلك عن طريق رسم مدير أجنبي يضرب عاملا بخنجر في ظهره وقد سال دمه، ورسم رئيس الوزراء في ملابس عسكري بوليس يجري نحو العامل المصاب ويقول له: وكمان وسخت بدلة الخواجه بدمك الزفر. أغضب العدد الأول الحكومة فحركت ضده بلاغا، واستدعت النيابة رخا وصاحب الجريدة، وبعد أيام من التحقيق حفظت البلاغ فغضب صدقي باشا.

في العدد الثاني رسم رخا صورة رسام كاريكاتير صحفي يحمل أوراقا، ويدخل على رئيس التحرير فيسأله الأخير: ماذا ترسم اليوم؟ سيبك من السياسة وأعمل حاجة عن أسعار الفجل والكرات. استدعت النيابة رخا لتسأله على الكاريكاتير المنشور، وهنا ظهرت وقائع التلفيق، حيث كتب على الورق الذي يحمله الرسام داخل العمل الكاريكاتيري بقلم رصاص “يسقط الملك ابن …”، فاندهش رخا من التعليق الذي لا يمكن رؤيته إلا من خلال عدسة مكبرة، وأكد للمحقق أنه ليس صاحب التعليق وأنه غير مسئول عن هذا الخطأ.

بعد فترة من التحقيق اتضح أن القضية ملفقة من خلال شخص يدعى مكاوي هو الذي قام بكتابة الجملة وكان يعمل مع الأمير عباس حليم، زرعه إسماعيل صدقي في المكان ليتمكن من الوقيعة بين الملك فؤاد والأمير، ونجحت الخطة وحرم بعدها الأمير من لقبه “صاحب المجد النبيل عباس حليم”.

ويستطرد رخا في مذكراته “رخا فارس الكاريكاتير”: استمرت المحاكمة من الساعة التاسعة صباحا وحتى السادسة مساء، وشكك المحامي في شهادة خبير الخطوط”، وصدر الحكم بحبسه أربع سنوات، اشتغل فيها في السجن بمهنة الخطاط، وحمل رقم 3328، وصاحبه في السجن الكاتب عباس محمود العقاد.

ويضيف رخا: رغم أن تهمتي أنا والعقاد كانت واحدة “العيب في الذات الملكية”، هو فعلها علنا وعلى رؤوس الأشهاد أما أنا فلم أفعلها وادعي تلك البطولة الآن.. العقاد فعلها وأمضى تسعة شهور فقط.. وأنا لم أفعلها وقضيت أربع سنوات كاملة.

وفي عام 1936 تولت حكومة النحاس باشا الوزارة، وأعدت الحكومة قانونا للعفو العام عن السجناء، وبدأ رخا يعد نفسه لإطلاق سراحه بعد أن قضى معظم المدة ولم يبق له سوى ثلاثة أشهر، لكن من سوء حظه أن يتوفى الملك فؤاد قبل عيد الجلوس على العرش بنحو 10 أيام، فاستمر رخا وقضى الأربع سنوات كاملة لعدم التصديق على “العفو”، ويضحك الفنان ويقول: هكذا عاقبني الملك فؤاد حيا وميتا.

عقب خروجه من السجن التحق رخا بـ”روزاليوسف”، بمرتب ثمانية جنيهات في الشهر، وكانت المجلة تعاني من أزمة مالية، بسبب مواقفها الحادة من الحكومة، التي كانت ترسل أنصارها لتضرب مقر المجلة بالطوب، “عجزت روزاليوسف عن دفع مرتبي الضخم ولكني بقيت بجانبها أقاسمها الفقر والطوب”.

عمل رخا مع مصطفى وعلى أمين في مجلة الاثنين التي كانت تصدر عن دار الهلال من عام 1941 إلى عام 1944 بمرتب 10 جنيهات، وعلى صفحاتها ظهرت شخصياته الساخرة “ابن البلد” و”غني الحرب” و”حمار افندي” و”سكران باشا”.

صانع البهجة

ترك مصطفى وعلي أمين “دار الهلال” وأصدرا “أخبار اليوم”، ويقول رخا: خرجت معهما واكتشفت بعد خروجي أن علي أمين أصيب بالجنون وقرر أن يصدر أخبار اليوم الأسبوعية بحجم الجرائد اليومية لا بحجم المجلات الاسبوعية، وحاولت أن أعيد عقله الى رأسه ففشلت.. فذهبت إلى الشاب العاقل مصطفى أمين أحاول إقناعه بالعدول عن الحجم الكبير والعودة الى الصغير، فإذا الأخ التوأم أكثر جنونا من شقيقه، فنعيت حلم “أخبار اليوم” واذا بي أكتشف أن القراء أكثر جنونا من مصطفى وعلي امين، وإذا بالعدد الأول يبيع 136 الف نسخة.

مصطفى وعلي أمين

بعد ثورة يوليو 1952، تأسست جريدة “الجمهورية” وترأس مجلس إدارتها أنور السادات، حاول الأخير إقناع رخا بالانتقال إلى “الجمهورية” ووسط كامل الشناوي رئيس التحرير حينها، ألا أن صداقة رخا بالأخوين أمين كانت أقوى من الإغراء واعتذر للسادات.

وتمثل شخصية “ابن البلد” التي خلقها مصطفى وعلي أمين والفنان رخا، المواطن الذي يشعر بهموم البلد ويعبر عنها، وظهرت الشخصية في مجلة الأثنين ثم انتقلت إلى “الأخبار”، وابتكر رخا شخصية “بنت البلد” بناء على طلب مصطفى أمين الذي طالبه برسم فتاة جميلة، فابتكر رخا تلك الفتاة التي ترتدي الملاءة والبرقع الاسود، ورسم رخا شخصية “رفيعة هانم” تلك السيدة المتسلطة التي تتحكم في زوجها وأوحى له بها علي أمين، أما “قرفان أفندي” فاستوحاها رخا من صديق له لا يطيق حتى نفسه ولا يبتسم أبدا.

وجسد رخا “ميمي بيه” ذلك الشاب المايص ثقيل الظل الذي يحاول أن يفرض نفسه على البنات ويتعرض للشتائم والضرب بصفة مستمرة، ويقول رخا إن نجيب الريحاني وراء هذه الشخصية، أما حمار أفندي فهو ذلك الشخص الذي يمشي رافعا رأسها، مدعيا العلم والمعرفة، وهو أجهل من الحمار.

في مدرسة رخا تخرج معظم مشاهير الكاريكرتير وعلى رأسهم عبد السميع عبد الله، وزهدي، وصلاح جاهين، وجورج البهجوري، ومصطفى حسين.

انتخب رخا عضوا بملجس نقابة الصحفيين 10 مرات متفرقة، وتولى منصب وكيل النقابة مرة واحدة في دورة عام 1965. وحصل رخا على وسام الاستحقاق عام 1976، ونال وسام الجمهورية 1981، وأنشأ وترأس الجمعية المصرية لرسامي الكاريكاتير في يناير عام 1984م.

رحل الساخر الكبير رخا في 18 أبريل عام 1989م عن عمر يناهز الثمانية والسبعين، إلا أن شخصياته ظلت باقية تصنع البهجة وتشهد على عصور وأحداث وأنظمة وحكومات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: