رؤى

لماذا فشل الإسلام السياسي في الحكم..السودان نموذجا ؟ ( 1-2 )

تعد تجربة الإسلام السياسي في الحكم بالسودان من أكثر التجارب الكاشفة في تاريخ هذا الاتجاه السياسي، وذلك لعدد من الإعتبارات أولها المدي الزمني الطويل نسبيا الذي تمتعت به (٣٠ سنة) وثانيا الخبرات السياسية التي حظيت بها النخب الإسلاموية السودانية على مدي مايزيد عن ثلاثة عقود تقريبا، وذلك عبر التفاعل مع باقي القوي السياسية السودانية في معركة محاولة بناء حكم ديمقراطي، تحت مظلة جبهة الميثاق الإسلامي ذلك كمعارضة للرئيس الأسبق جعفر نميري (١٩٦٩-١٩٨٥)، وأخيرا الوصول إلى الحكم بآلية الانقلاب العسكري (١٩٨٩  ) وهو مايعني في الأخير أن نخب الإسلام السياسي السودانية لم تتعرض أبدا للإضطهاد أو الإقصاء أو القمع وحظيت بقدرة على بناء كوادرها في مناخ آمن، وفرصة لتراكم الخبرات السياسية وهي جوائز لم تتح لغيرها من النخب الإسلاموية في كل من تونس ومصر.

وفي ضوء هذه البيئة الإيجابية التي حظي بها الإسلامويين السوادانيين يكون السؤال المشروع هو لماذا فشلت تجربة حكم الإسلام السياسي في السودان؟ بل وكانت أحد أسباب تقسيم التراب الوطني السوداني، وتراجع المؤشرات الإقتصادية بعد إنهيار المشروعات الإقتصادية الكبري في البلاد على الرغم من اكتشاف البترول، وتراجع معدلات النمو بما أدى إلى مزيد من الإفقار للشعب السوداني وهو الأمر الذي راكم من أسباب الإحتقان السياسي الداخلي وجعل السودان وإقليمه قلقا ومترقبا من تداعيات هذا الإحتقان.

يمكننا القول: إن بعض المحددات الفكرية والنظرية التي أستند إليها الإسلاميون السودانيون كانت أحد أهم أسباب إنهيار التجربة وتآكل مصداقية الأسس الفكرية التي قامت عليها، وتبدو بعض هذه المحددات مشتركة مع باقي فرق وأحزاب الإسلام السياسي في كل من مصر وتونس وأخرى محددة النطاق بالسودان ذاته في ضوء تطوره التاريخي على المستوي السياسي والإقتصادي وطبيعة تكوينه التعددي على المستوي الإثني والثقافي والديني.

في المحددات العامة نستطيع القول إن إعتبار الأمة الإسلامية هي المجال الحيوي والإستراتيجي الأول لتجارب الإسلام السياسي في المنطقة، وإعتماد فكرة الخلافة كحامل تنفيذي لساسات الدولة، دفع إلى عدم احترام المتطلبات الوطنية لكل دولة، واحترام المصالح الجيوسياسية المرتبطة بالمصالح الإستراتيجية المستقرة تاريخيا لدي مؤسسات الدولة وأيضا لدي مواطنيها، وبطبيعة الحال ترك هذا التفاوت بين مفهوم الوطنية السودانية ومفهوم الأمة الإسلامية أثره على السياسة الخارجية السودانية في الفترة من ١٩٨٩، فكونت الجبهة القومية الإسلامية في السودان بقيادة د. حسن الترابي المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي عام ١٩٩١والذي كان حاملا إقليميا لحركات الإسلام السياسي منها حركة حماس وحزب العمل بعد تحولاته إلى حزب صاحب مرجعية إسلامية بمصر وذلك في ضوء إنسلاخ د. الترابي (١٩٣٢-٢٠١٦) وتنظيمه عن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين على قاعدة حساسيات العلاقات المصرية /السودانية.

قد جمع هذا المؤتمر (٥٠٠ ) شخص من (٤٥)دولة إسلامية. وهكذا أصبحت السودان قطر القاعدة لحركات الإسلام السياسي وقدمت دعما لبعض فرق الإسلام السياسي في القرن الإفريقي ومصر خصوصا في ضوء دعوة د. الترابي في المؤتمر الأول إلى وحدة المجاهدين في أعقاب خروج الإتحاد السوفيتي من أفغانستان وما اعتبروه هزيمة للعراق في حرب الخليج الأولى.

وفي هذا السياق كان يتم النظر إلى مصر من جانب حسن الترابي على أنها الجائزة الكبري التي إن حكمها حزب إسلامي فإن هذا هو الداعم الأكبر لتحقق حلم السيادة الإقليمية للإسلام السياسي.

 من هنا تم تدريب عناصر مصرية في السودان من حركة الجماعة الإسلامية المتمردة على إخوان مصر، والتي نفذت عمليات إرهابية بمصر، ومن هنا أيضا برزت فكرة محاولة إغتيال الرئيس الأسبق حسني مبارك بأديس أبابا، وهي المحاولة التي تم إستغلالها وتوظيفها من جانب الإدارة الأمريكية ضد السودان للوصول إلى إتفاقية نيفاشا ٢٠٠٥، والتي كانت الأساس الذي صيغ عليه تقسيم التراب الوطني السوداني، حيث كان رئيس الوفد المفاوض هو نائب رئيس الجمهورية على عثمان محمد طه، وهو الرجل المتهم مع آخرين  للتخطيط لمحاولة الإغتيال، بإختصار كان توقيعه على إتفاقية تقرير مصير جنوب السودان مقابل الحفاظ على رأس النظام السوداني وعدم المضي قدما في إدانته بالتخطيط لأغتيال رئيس دولة جارة .

أما المحدد الجامع الثاني فهو عدم قدرة الإسلاميين على إمتلاك نظرية تنمية إقتصادية مرتبطة بهم وبمنظورهم الفكري فقد رفضوا المنظومتين الشيوعية والإشتراكية بطبيعة موقف الأولي من الدين، وإعتماد الثانية على فكرة التنمية بآلية المؤسسات العامة، وهو ذات الهيكلية لإقتصادية التي يطرحها الشيوعيون، وفي المقابل دعم الإسلاميون الرأسمالية دون إدراك أنها لاتناسب درجات التطور الإقتصادي والإجتماعي لدول  العالم الثالث، وإنتماء غالبية شعوب الدول الإسلامية إلى معسكر الفقراء ومتوسطي الحال، وأن طبيعة مصالح هؤلاء في الحراك الإجتماعي هي منافية بالقطع لتجربة النمو الرأسمالي. ولعل أزمة دارفور في غرب السودان هي في أحد وجوهوها إنعكاس مباشر لإقدام الحكومة السودانية على تطبيق روشتة صندوق النقد الدولي على مرحلة واحدة في نهاية التسعينيات دون نظر لحالة الهامش السوداني الذي يتمتع بخدمات شحيحة من الدولة، وحين أنسحبت الدولة نهائيا من هذه الخدمات الضئيلة كان التمرد ضد المركز متوقعا خصوصا وأن الصراع على السلطة بين الرئيس البشير وشيخه الفكري الترابي الذي أسفر عن مفاصلة بين الرجلين عام ١٩٩٩، أنعكس أيضا على دارفور فتكونت فيها أولى فصائل التمرد على المركز “ حركة العدل والمساواة “ والتي شايعت الترابي أو ربما هي من صنع الرجل، وإضافة إلى تهديد مركز الدولة، فإن الركون إلى برامج الإصلاح الإقتصادي، ساهمت في إفقار الشرائح الأوسع من الشعب السوداني وتسببت في احتقانات سياسية ممتدة كان أحد تجلياتها محاولة انقلاب معلنة قادمة من دارفور عام ٢٠٠٨، ومظاهرات إحتجاجية واسعة تكررت أكثر من مرة في ربوع السودان كان أكثرها إتساعا وشمولا عام ٢٠١٤ .

وقد فتحت مسألة الخصخصة أو إعادة الهيكلة للإقتصاد السوداني المجال واسعا لفساد النخب الحاكمة وهو فساد حكى تفاصيله د. التيجاني عبد القادر حامد عضو مجلس شوري الحركة القومية السودانية ومن نخبهم المثقفة في كتابه الهام “ نزاع الإسلاميين “ وقام فيه برصد مرحلتين في حياة الجبهة القومية الإسلامية على المستوي الإقتصادي أولها قبل الحكم وثانيها بعد الإنقلاب العسكري ١٩٨٩.

في المرحلة الأولي رصد القناعة المتداولة بأن التنظيم لن يكون قوياً إلا إذا كان غنياً. وهذه القاعدة تقوم على فرضية خاطئة تقول: “. ولن يكون التنظيم غنياً في ذاته وإنما يكون كذلك إذا استطاع أن يأخذ بعض المنتسبين إليه فيصنع منهم أغنياء، بأن يضعهم على قمة المؤسسات الاقتصادية: مدراء للبنوك، ورؤساء لمجالس الإدارات والشركات، ومستشارين قانونيين، وفقهاء شرعيين ملحقين بالبنوك”.

كشف التيجاني المبدأ الاقتصادي للإسلاميين: “التنظيم لن يكون قويا إلا اذا كان غنيا”

كما استحدث مكتبا للتجار ليكون بمثابة الأصابع التنظيمية في السوق. (ص137). ومع القفز إلى الحكم تم الاندماج بين الشريحة التجارية والمؤسسات الاقتصادية”للدولة فمن كان مديراً لبنك البركة صار وزيراً للمالية والاقتصاد .

وهؤلاء جميعا لم يعرف لأحدهم إسهام أصيل في الدراسات الاقتصادية، أو رؤية عميقة للتنمية الإسلامية”؛ وذلك طبقا للتيجاني ذاته وقد جمعتهم المعرفة الشخصية والذكريات المشتركة في الدراسة والتنظيم. كونوا جماعة أو نخبة اقتصادية مغلقة أدارت الاقتصاد السوداني ” كأنما هو شركاتهم الخاصة”. (ص138) وهكذا بدأ فساد الإسلا ميين هو ورقة التوت الأخيرة التي نزعت عنهم كل مصداقية أو نزاهة وربما تدين .

وربما يكون الانتباه لحالة التطورات الداخلية للحركات الإسلامية في الحكم مسألة واجبة ذلك أنه من اللافت  أن حالة الصراع في إطار الحكم بين المفكر وبين الحاكم السياسي وهو صراع يفضي إلى انقسام يؤثر على عافية الدولة ذاتها فنرصد في هذا السياق تجربة السودان ذلك أن الصراع بين البشير والترابي، قد نتج عنه في الحالة السودانية تمرد دارفور وإقصاء عشرات الألاف من البيروقراط من مواقعهم في مفاصل الدولة. وذلك بعد أن استقوي الحاكم التلميذ بالسلطة وتراكم الخبرة فصارع زعيمه وشيخه سعيا وراء مزيد من السلطة والنفوذ وهي مسألة لصيقة بالسلوك الإنساني العادي والذي يمكن أن تتملكه شهوة السلطة البعيدة عن السلوك الرسالي الذي يروج له الإسلامويون فنزع ذلك عن صورتهم كل مصداقية مرتبطة بالزهد الديني الذي كان كثيرا ما يربط  الجماهير بخطاب حركات الإسلام السياسي .

ولايمكن إهمال أن المحدد الأهم اللصيق الصلة بالنموذج السوداني هو إهمال نخب الإسلام السياسي دراسة وطنهم السودان بأبعاده التاريخية وتكوينه الديمغرافي وحالة مؤسسة الدولة من حيث القوة أو الهشاشة وهي العوامل المؤثرة على أي نظام حكم في أي مكان من العالم.وأكتفوا في هذا السياق بالقضايا الفقهية والدينية في المساجد والمجالس ومع حالة التكلس العام لحالة التجديد الفقهي والديني العربي.

 عموما من الطبيعي أن يكون هؤلاء مفارقين للواقع المعاش محليا وإقليميا ودوليا وربما يمكن يكون تقدير د. حسن مكي أحد أهم رموز الإسلامويين السودانيين أنهم كانوا سذجا وذلك في حواره لجريدة التيار السودانية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: