ثقافة

المغردون بعيدا عن الأضواء.. الطيري وسليم نموذجا

عرفت مصر صنوفا من الشعراء والأدباء آثروا ترك أقاليمهم إلى العاصمة لأنها الفرصة الكبرى للظهور والانتشار والكسب ونيل النجومية والرفعة، كما عرفت عددا أقل آثروا البقاء بأقاليمهم ولم يتوجهوا إلى المركز للاستقرار فيه، إلا ربما لحضور مؤتمر أو تسجيل برنامج أو إلقاء محاضرة أو إصدار كتاب، من بين هؤلاء، بل على رأسهم، الشاعران الكبيران عزت الطيري، وعبد الستار سليم.

الشاعران ينتميان إلى جيل شعري واحد وبلدهما واحد هو مركز نجع حمادي التابع لمحافظة قنا بقلب جنوب مصر، ذو التاريخ الحافل برموزه: الإمام العلامة الشيخ أبو الوفا الشرقاوي (قصور أحفاد آل الشرقاوي مازالت عامرة بشمال نجع حمادي)، الرسام جورج البهجوري، الشيخ عبد الرحيم الخولي مؤسس المعهد الازهري، الدكتور عبد المتين موسى ثالث رئيس لجامعة جنوب الوادي، الإعلامي فهمي عمر.

الشاعر عزت الطيري من قرية نجع قطية، والشاعر عبد الستار سليم من قرية الرحمانية، مكثا بطول عمريهما في نجع حمادي، لم يغادراه للاستقرار بالقاهرة أو بغيرها داخل الوطن. سليم عمل بقطاع التربية والتعليم حتى سن المعاش، والطيري عمل بقطاع الزراعة إلى ختام مشواره الوظيفي.

ملأا جنوب مصر شعرا وثقافة، ما خلت منهما واحدة من الأمسيات الأدبية العامرة ولا الأصابيح، حتى قيل إنهما هما وجه قنا المشرق وواجهتها البراقة، بل الجنوب المصري كله، من بعد الأجيال الأكبر التي غادرت إلى القاهرة وتحققت هناك واكتملت وزهت زهوا عظيما.

لعبا دورا بارزا في تعليم الناشئة ورعاية الموهوبين بقنا ومحافظات الجنوب، وكان وجودهما في ذاته أكبر محفز للأجيال الجديدة على الإبداع وبلوغ المنزلة التي بلغاها؛ جاوزت شهرتهما قنا والجنوب بأسره إلى الأمة المصرية بكل مدنها ومراكزها وقراها، ثم البلاد العربية التي استضافتهما كثيرا بأراضيها وكرمتهما واحتفت بأعمالهما الإبداعية نشرا وإذاعة ومناقشة ودراسة.

في مصر المحروسة كان لهما، على مدى ألقهما الشخصي، نصيب وافر من التكريمات والجوائز والاستضافات التلفزيونية والالتحاق بمجالس الإدارة الثقافية بالمؤسسات الرسمية والعمل كمشرفين ومحكِّمين في المجال الثقافي بصورته العامة.. والتفتت إليهما، بقوة، شركات الإنتاج فأصدرت بعض أعمالهما الشعرية في سيديهات تحمل صوتيهما القديرين الحميمين.

كلاهما يكتب القصيدتين الفصحى والعامية والمسرح والمقال والبحث بالإضافة لعلمهما بتجليات الحركة الثقافية ظاهرا وباطنا. بالأساس هما صديقان، اجتماعهما بمثابة توحُّد طاقتين شعريتين هائلتين قادرتين على إعمار الحدث وإفادة المتلقين وإسعادهم، ويقدر كل واحد منهما منفردا على الضلوع بالأمر وزيادة؛ فكلٌّ منهما نسيج وحده.

كان بوسعهما في منتصف الطريق، أن يغادرا صعيدهما البعيد إلى أضواء العاصمة وأجوائها الغنية بالآداب والفنون ومداراتها الثقافية الكثيفة الحية لكنهما آثرا البقاء ببلدهما لكي يقوما بالدور الأكثر خلودا وصارا نجمين من هناك، في التعليم والتدريب والإرشاد والتنوير والريادة والمشاركة وإشعار مصر والعالم أن الأماكن النائية المحرومة إنما يثبت عبقريتها للناس أصحابُها الأصليون وهم من ينشرون عطورها ويزيحون عنها الحرمان المبين.

طالما شهدتُ تجلياتهما الشعرية بنفسي بحكم انتمائي إلى نفس الإقليم، وكنت شاهدا على أثرهما البالغ في الموهوبين وفي الأهالي والجماهير، ومن حسن الحظِّ أنني قاسمتهما أحيانا، مع زملائنا الشعراء، قدرا وافرا من حمل مسؤولية الميكروفون.

عزت الطيري في المعاجم الشعرية والموسوعات: محمد عزت عبد الحافظ الطيري، من مواليد يوليو 1953، حاصل على بكالوريوس الزراعة من جامعة أسيوط في 1978، عمل كموظف بقطاعات وزارة الزراعة، متزوج ويعول (ضمن أنجاله كاتبة القصة الرائعة جلاء الطيري)، حصد عددا كبيرا من الجوائز والتكريمات، نُشِرَت أعماله في معظم الصحف والدوريات المصرية والعربية وتُرْجِم بعضها إلى عدة لغات، صدر له الدواوين الشعرية التالية: دع لي سلوى، عد لنا يا زمان القمر، الطريق السهل مقفل، تنويعات على مقام الدهشة، فصول الحكايات، سرب العصافير يسأل عنك، فاطمة، افتحي الصيف لي، عبير الكمنجات، وأخيرا صدرت له الأعمال الشعرية الكاملة، من أبرز شعراء الومضة الشعرية، بين شعراء قصيدة الشعر الحر.

من قصائده، “إكلينيكي”:

أرْدَتْنى….

بسهامِ الأجفانِ

صريعَ صبابتها

…………

فهمستُ لها

فى سَكْرات الموْزِ

أنا

………..

سأحبُّكِ

……………

إكلينيكيا!!

عبد الستار سليم في المعاجم الشعرية والموسوعات: عبد الستار محمد أحمد محمد سليم، مواليد عام 1940، حاصل على بكالوريوس علوم في الرياضيات البحتة والتطبيقية 1962 من كلية العلوم جامعة أسيوط، عمل موجهاً للرياضيات بالتعليم الثانوي، له إسهاماته الخاصة في مجال الأغنية، أعماله تجلجل بصوته في الإذاعات المسموعة والمرئية بمصر والبلاد العربية. دواوينه الشعرية: بالفصحى: الحياة في توابيت الذاكرة 1984 ومزامير العصر الخلفي 1986, وديوانان بالعامية: أنا والموجة والتيار 1981 والنقش ع الميّة 1982. أخيرا هو المنظِّر لفن الواو الشعري بالعصر الحديث وأبرز قوَّاليه ومن يستعان به في دائرته قبل جميع الذين نبغوا فيه، له كتاب “فن الواو” وديوان “واوات عبد الستار سليم”.. من واواته:

من مُدّة ع النيل ما بـِـنـّـا(1)

ولا طيفـُـه داعب جفونى

إيه اللى بعّد ما بينا(2)

شكِّـك دا .. والّا ظنونى..؟

**

من مُدّة ع النيل ما بـِـنـّـا

ولا جـَـوُّه عطَّـــر تيابى

إيه اللى بعّد ما بينا

شكِّـك دا .. ولاّ ارتيابى ..؟

هوامش:

(1) بـِـنـّـا: ظهرنا أو تواجدنا.

(2) بينا: أي بيننا.

الوسوم

عبد الرحيم طايع

شاعر وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق