منوعات

كسلا.. رحلة إلى أرض موبوءة

ثماني ساعات استغرقتها الرحلة من العاصمة السودانية الخرطوم إلى ولاية كسلا النائية الواقعة في أقصى شرق السودان بالقرب من الحدود الإرتيرية، الرحلة شاقة والطريق وعر مظلم يخلو من مصادر الإنارة إلا من بعض القوارض الصغيرة التي تصدر عنها إضاءة  فسفورية عجيبة، وهي تقطع على سيارتنا الطريق مهرولة من الحشائش الكثة على ميمنة الطريق إلى ميسرته.

مع شروق شمس اليوم الثاني كانت السيارة رباعية الدفع تدلف بنا إلى مداخل المدينة العتيقة، ذات الطبيعية الجغرافية الخلابة. أول ما يطالعك سلسلة جبال كسلا وتوتيل الشهيرة بتضاريسها العجيبة وظلمة يزيد من وحشتها ضباب داكن كثيف، صخور سوداء تتراص في انسجام ما بين ربوات وقمم جبلية قلما وجدت له مثيلا، وكأنما خطته أيدي نحات ماهر.

 عند مدخل المدينة يخطف ناظريك قبة ضريح ضخم لأحد أشهر أولياء الأسرة الختمية المشهورة في الحقل الصوفي والتي تعود إلى الشيخ محمد عثمان الميرغني، أما صاحب المقام فهو  السيد محمد الحسن “أبوجلابية ” ابن السيد محمد عثمان الميرغني “الختم” شيخ الطريقة الختمية. تٌرجع المصادر التاريخية نشأة الولاية إلى الأسرة الختمية نفسها، حين وصل إليها السيد الحسن، وعمل على نشر طريقة والده (الختمية) متخذا من كسلا عاصمة له، فيما استقر في قرية السنًية التي أنشأها والده.

بحسب الروايات، كان السيد متفردا في ولايته، لا يضاهيه في معرفته وزهده وترقيه في مقامات الولاية في زمانه  أحد من أهل الطريق، ليس في كسلا وشرق السودان فحسب، بل في كافة أنحاء السودان وإريتريا وشمال الحبشة، وهي مناطق انتشرت فيها الطريقة الختمية، وعن طريقها وصل الإسلام إلى عديد من قوميات وقبائل المنطقة الممتدة من شرق السودان إلى إثيوبيا، وهاجر الكثير من سكانها ليستقر في كسلا تبركا وتقربا لشيخها، ساكن جبل التاكا.

لا يمكن للحديث أن يستمر دون التوقف عند تلك القمة الساحرة المعروفة بجبل التاكا،. دعاني رفيق الرحلة إلى صعود الجبل، في طريقنا تسلقنا عددا كبيرا من الصخور الصلدة الملساء حتى وقفنا عند القمة التي تتخللها بئر ماء سحرية لا يعرف لها مصدر تعرف بعين توتيل، غير أن الأسطورة الشعبية في كسلا تؤكد أن من يشرب من مائها سيعود إلى كسلا مرة أخرى، حسب ما تؤكده أغنية شعبية شهيرة: (أسقيك من توتيل عشان تعود ليا).

ربما كان هذا ما دفعني إلى زيارة المدينة مرة أخرى. لا أدري.

أغنية فايت مروح وين …للتاج مكي

على مدار العقود الخمس الماضية لم تعد كسلا التي تمثل جانبا مهما من الحضارة العربية والإسلامية في إفريقيا مجرد محل للتبرك ومجاورة الشيخ المرغني، وإنما باتت بحكم موقعها الجغرافي المميز على الحدود الإريترية بمثابة بوابة الحياة لملايين الفارين منذ حرب التحرير الإرتيرية من الاحتلال الأثيوبي التي انطلقت 1961- 1991، ثم مركزا لتجمع ملايين الفارين من إريتريا وإثيوبيا نتيجة سوء الأوضاع الاقتصادية والسياسية أو الاضطهاد العرقي والطائفي، في رحلة فرار تنتهي عادة عند موانئ إيطاليا وإسبانيا، أو في قاع المتوسط.

على مقربة من الولاية، التي يقطنها نحو المليون ونصف المليون مواطن، تقع معسكرات الشجراب التي تضم نحو مليوني ونصف المليون من اللاجئين الأريتريين والأحباش الذين جرفهم حلم الوصول إلى أوروبا أرض الأحلام، أو دفعهم سوء الأوضاع في الداخل إلى الهروب إلى حدود السودان، يعانون ظروفا في غاية الصعوبة والقسوة، في تجاهل شبه تام من المجتمع الدولي.

كثيرا ما يجرفني الحنين  للعودة إلى أزقة وشوارع تلك المدينة الوادعة المضيافة التي ربطتني بسكانها ولاجئيها عشرات الصداقات، ربما رأى بعضهم في زيارتي التي امتدت لعشرين يوما قضيتها في التنقل ما بين المدينة ومعسكرات اللاجئين حنينا إلى العروبة التي أصرت على تجاهلهم، وربما نكرانهم.

“لم يعد لنا في بلاد العرب صديق بعد ما مات عبدالناصر”.. هكذا بادرني أحدهم في لهجة تملؤها المرارة. لم يشفع لهم دينهم، ولا لغتهم، ولا غيرتهم ودفاعهم وتبنيهم لقضايا العروبة، وعلى رأسها الصراع العربي الاسرائيلي.

 اليوم تتسرب إلينا الأنباء عن تفشي وباء  حمى “الشيكونغونيا” التي خلفت أكثر من 100 وفاة وآلاف الإصابات في المدينة، وظهور آخر للحمي النزفية خلفت ما يقارب 100 ألف حالة إصابة. الولاية التاريخية العريقة باتت مهددة بأن تصبح مجرد ذكرى لمدينة موبوءة، والأدهى أن تتفشى حٌمى الإصابة وتمتد إلى معسكرات اللاجئين التي يقطنها قرابة الثلاثة ملايين إنسان، ربما ليس بينهم طبيب واحد.

الوسوم

بلال مؤمن

كاتب و محرر مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق