فن

The Kid with a Bike.. التشبث بالأمل في أحلك الظروف

يعد فيلم The Kid with a Bike، الذي أخرجه وكتبه الأخوان البلجيكيان جان بيار داردين ولوك درادين – وينتمي إلى أعمال الدراما الاجتماعية – أفضل أعمالهما السينمائية على الإطلاق.

تدور أحداث الفيلم حول الطفل سيريل (الذي يجسده توماس دوريت)، الذي يبلغ من العمر 11 سنة، ويجد نفسه وحيدا في إحدى دور رعاية الأطفال الحكومية بعد أن هجره أبوه (الممثل البلجيكي جيريمي رينييه). وبوازع من عاطفة إنسانية فطرية بحتة تقرر سامنتا – مصففة الشعر المحلية (الممثلة البلجيكية سيسيل دو فرانس) – مساعدة الطفل عن طريق دعمه نفسيا وتعزيزه سلوكيا عبر نزهات منتظمة في عطلة نهاية الأسبوع.

في هذه الأثناء يعكف سيريل بإصرار على البحث عن دراجته، التي ترمز إلى علاقته بأبيه؛ لقناعته بأن أباه الهائم على وجهه لا يزال يحبه، ولا يزال يحتفظ له بالدراجة. لكن المشكلات السلوكية التي يعاني منها سيريل – وتتجلى في جموحه الدائم وبحثه الحثيث عن رمز أبوي – تضع علاقته بسامنتا على المحك، لا سيما عندما يحاول الطفل الاستعاضة عن أبيه بإقامة علاقة مع أحد تجار المخدرات من أبناء البلدة.

في ظل هذه المتغيرات، تتشبث سامنتا بقوة بعلاقتها بالطفل، وتكافح من أجل استمرارها. وعلى مدى الفيلم تتشكل لدينا حالة من القلق بشأن الطريق التي سيقرر الطفل خوضها في عالم لا يعرف الهوادة.

طوال مدة عرض الفيلم – التي تمتد إلى 87 دقيقة – لا توجد لحظة واحدة ضائعة، إذ كانت أحداثه تفيض بالكثير من الرسائل والمعاني والإيحاءات، التي يتعين على الشخصيات أن تصدرها طوال الوقت، عن الحب والعلاقات الأسرية وصروف الحياة التي تجعلنا جميعا – بشكل أو بآخر – ضحايا للظروف. ومع تسارع الأحداث يتسارع إيقاع الفيلم؛ فسيريل يجري دائما، إما هربا ممن يسومونه العذاب، أو نحو الأشخاص – أو حتى الأشياء – الذين يشبعون جوعته الإنسانية ويمدونه بالأمل.

يعيد الفيلم إلى الأذهان  الفيلم الكلاسيكي Bicycle Thieves (1948) للمخرج الإيطالي فيتوريو دي سيكا. فبينما يتجول الأب والابن في فيلم Bicycle Thieves بدراجتهما حول البلدة إلى أن تتعرض للسرقة، يتجول الابن في فيلم The Kid with a Bike وحيدا بحثا عن والده ودراجته اللذين تعرضا – وفقا لقناعاته – للسرقة أيضا، وفي كلا الفيلمين تسود أجواء من الفوضى النفسية والاجتماعية التي تلقي بظلالها الكثيفة على سير الأحداث.

تريلر فيلم Bicycle Thieves (1948)

يمكن أيضا مضاهاة فيلم The Kid with a Bike بفيلم The Florida Project على المستويين الفلسفي والاجتماعي. فالأخير يأتي من بين أبرز الأعمال السينمائية التي عرضت في عام 2017، ويشتبك بعمق مع الواقع الاجتماعي لسكان ولاية فلوريدا عبر إيقاع شديد الخصوصية نجح بامتياز في تصوير الشغف والأمل الطفولي الذي يراود الشباب حتى في أحلك الظروف. وإذا كان قليل من مخرجي السينما الأمريكية حاولوا تصوير الطبقات العاملة بهذه العاطفة المفعمة، فإن مايك لي وكين لوتش قدما – من خلال هذا الفيلم – عملا رائعا يقترب بدرجة كبيرة من واقع المجتمع المحلي الفلوريدي.

تريلر فيلم The Florida Project (2017)

من جانبهما، أنتج الأخوان جان بيار داردين ولوك داردين – اللذان يتبنيان توجها يساريا واضحا – أيضا مجموعة من الأفلام الرائعة التي تغوص في أعماق الواقع الاجتماعي للطبقة الوسطى البلجيكية، ويأتيThe Kid with a Bike كواحد من أروع هذه الأفلام. فالفيلم تدور أحداثه في بلدة سيراين، بمقاطعة لياج البلجيكية.

وعلى غرار ولاية فلوريدا، لم تكن سيراين المكان الأمثل، لكنها ساعدت على تصوير الفيلم بالطريقة الطبيعية المعتادة، التي يفضلها الأخوان داردين، مع إضفاء لمسات جمالية تفوق المعتاد، ربما – كما هو الحال في The Florida Project – كمحاولة لمحاكاة الطريقة الطفولية في رؤية العالم.

أشار الأخوان داردين إلى أن فكرتهما الأصلية عن الفيلم كانت تدور حول “امرأة تساعد طفلا على تجاوز العنف الذي تسبب في إيداعه دارا للأطفال”، وأن جان بيار داردين كتب سيناريو الفيلم وفي مخيلته “رواية خيالية أشبه بقصص الأساطير”، وأن شخصية مصففة الشعر كانت “أشبه بالحوريات التي سيبعث يها القدر في حياة طفل مشوش لتساعده على التخلص من أوهامه”. وعلى غرار جزء كبير من فيلم The Florida Project، قرر الأخوان ألا يفشوا شيئا عن ماضي الشخصيات لتجنب إثارة النزعة العاطفية.

على عكس المعتاد في أعمال الأخوين درادين، يستخدم الفيلم جرعة موسيقية مكثفة، كما يتجنب استخدام اللغة ’البذيئة‘ التي عادة ما يجنح إليها المراهقون، وهو نهج تم توظيفه ببراعة لتلطيف الأجواء نوعا ما، لغة العمل تنتمي إلى الواقعية الاجتماعية التي لا تخلو من التأنق الشعري، وساعد الأخوين داردين على إتقان هذا النهج أنهما قضيا أول عقدين من حياتهما المهنية في إنتاج الأفلام الوثائقية.

عرض الفيلم لأول مرة في مهرجان كان السينمائي عام 2011، وشارك في الفوز بجائزة المهرجان الكبرى Grand Prix، كما رشح للفوز بجائزة أفضل فيلم بلغة أجنبية في مهرجان Golden Globe في العام نفسه، ويرى كثير من نقاد ومتابعي السينما العالمية أن فيلم The Kid with a Bike – مثل فيلم الأخوان داردين التالي Two Days, One Night – من نوعية الكتابات العاطفية الرائعة التي تستحق المشاهدة.

تريلر فيلم The Kid with a Bike (2011)

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: