ثقافة

الكتابة والأنوثة.. إبداع المرأة وسطوة الرجل (شهادات)

أسئلة قديمة جدا قدم بدء الكتابة الإبداعية، لا يمكن لأحد إنكار أن الإبداع في العالم كله نشأ مع الرجل، لكن في عالمنا العربي يبقى سؤالنا القديم والعابر من زمن لآخر حول مفهوم الكتابة والأنوثة حاضرًا وبقوة، تتفرع عنه دوما أسئلة أخرى أهمها: هل نجحت الكاتبات العربيات في التخلص من صوت الرجل؟ وهل خرجت المرأة بكتاباتها من قالب المضطهدة والضحية المسفوح دمها بين الأصولية الدينية وعادات وتقاليد المجتمع؟.

الكاتب والمترجم أبو بكر العيادي يشير إلى أن مصطلح “كتابة الأنوثة” ظهر للمرة الأولى في عام 1975 في كتاب “المولودة الصغرى” للناقدة والروائية هيلين سيكزو، التي لفتت إلى أن تشخيص سيمون دو بوفوار في “الجنس الثاني” يعكس رؤية معيارية للكتابة، تنظر إلى كتابات النساء باعتبارها أدب مضطهَد، وبالتالي عديمَ القيمة.

وأوردت سكيزو ثلاث نقاط رأتها تميز الأنوثة في مجال الكتابة، هي: الصوت الأقرب إلى الشفوية، الجسد الذي يعكس ألم ذاتٍ لا تشارك إلا قليلا في المبادلات الرمزية، القدرة على التفتح على الآخر.

كما تناولت الدكتورة نوال السعداوي القضية ذاتها عبر مقالها “الكتابة ما بين  الذكورة والأنوثة وهوية النص”، مؤكدة أن أغلب كتابات الرجال والنساء في بلادنا العربية، تميل إلى هذا التصنيف الجنسي، مع تعدد نماذج الكتابة النسائية في الأدب العربي التي تعكس خضوعا للقيم الذكورية الطبقية السائدة، وعجزا في قدرة الكاتبات على التمرد عليها أو تجاوزها في كتاباتهن العاطفية أو الجنسية أو الاجتماعية أو غيرها.

في هذا الملف، نستعرض في “أصوات” شهادات كاتبات عربيات يتحدثن عن مفهوم الكتابة والأنوثة، وينطلقن في التعبير عن تصوراتهن وانطباعاتهن، مخاوفهن وهواجسهن، حول الكتابة كفعل والأنوثة كجنس. ويقدمون رؤيتهم حول كيف يمكن لـ”تاء التأنيث” أن تفرض وجودها وتحقق ذاتها عبر النص الإبداعي العربي. وهنا أهم هذه الشهادات:

حليمة الإسماعيلي (المغرب): الأنثى حاضرة في الأدب العربي عبر عصوره

منذ فترة ومصطلح ” الأدب النسائي ” يأخذ مكاناً واسعاً من الانتشار، وأرى أن من اخترع هذا المصطلح هو رجل  مصاب بجملة من العقد إزاء  المرأة، روج  هذا المفهوم ليقلل من شأنها ويتعامل معها كقاصر وتابع، في استمرار لروح (البطريركية الذّكورية) التي تنقص من  الأنثى وتجعلها دون الذّكر في كل شيء، فأصبح ما يكتبه  الرجل يدعى أدبا  إنسانيا  وما تكتبه المرأة أدبا نسائيا، والمؤسف أن تحتضن المرأة هذا المسمى في أمسيات أدبية تحشد فيها شاعرات و أديبات.

شخصيا أنا ضد تجنيس الأدب، ليس هناك أدب نسائي وآخر رجولي، لا أؤمن مطلقا بمعايير أدبية عنصرية، بل هناك أدب وموهبة و قيمة، فإما أن يكون رفيعاً أو  يكون هابطاً، فكل الأسوار والفروق والأجناس تختفي أمام ورقة الكتابة، ولا يبقى منها سوى روح وأصابع وموهبة  ولغة وتخييل.

الأدب في النهاية إفصاح عن مكنونات الإنسان بطريقة فنية وأسلوب راق  شعرا أو نثرا، الألم هو الألم، النزيف هو النزيف، ولا فرق بين إبداع و إبداع إلا بالجودة والموهبة الحقيقية.

المرأة استطاعت التعبير عن ذاتها وتعدت ذلك إلى التعبير عن قضايا الأوطان والأمم في الشعر و السرد؛ وخير دليل ما خلدته الخنساء على مستوى الشعر، ليعترف بشاعريتها رجل من حجم  الشاعر النابغة الذبياني الذي قال في حقها:

لولا أن أبا بصير سبقك (يقصد في إنشاد قصيدته) لقلتُ إنك أشعر الإنس و الجن.

الذبياني لم ينظر إلى شعر الخنساء بوصفه شعر امرأة ولكن رأى فيه مقومات الشعر وجمالياته التي ينبغي أن تتوافر فعلا في القصيدة الحقة، إذن هو كان أكثر تحضرا وبعدا عن هذا التجنيس المقيت.

كما كانت ولاّدة بنت المستكفي أول امرأة وشاعرة تصدع بعشقها لابن زيدون وتكتب فيه أجمل قصائد الحب وتعقد صالونات أدبية  يختلف إليها شعراء ذلك الزمان، ولم ينظر الشعراء إلى ما تقرضه من شعر على أنه شعر أنثوي. هناك أيضا تجارب أخرى معاصرة، كتجربة  فدوى طوقان، ونازك الملائكة، وسلمى خضراء الجيوشي، ومي زيادة، وغادة السمان، وغيرهن كثيرات، كلها تؤكد أن الأنثى حاضرة في الأدب العربي عبر عصوره المختلفة، وأن النساء شقائق الرجال في الإبداع.

د. رضوى فرغلي (مصر): الكتابة حياة موازية

الكتابة حياة موازية تتجلى فيها شخصية الكاتب وهويته، وبالتالي المرأة تبدع بذاتها ولغتها كامرأة كما تتصرف في الحياة كامرأة لها خصوصيتها في نمط التفكير والسلوك والمشاعر، فعند مشاهدة فيلم مثلا يمكن للمشاهد أن يعرف أن كاتب السيناريو أو قصة الفيلم، رجل أم امرأة، وكذلك حال قراءة رواية أو قصيدة أو قصة. المرأة مثلا أكثر إخلاصا للتفاصيل والعلاقات الدقيقة بين الأشياء والمشاعر المرتبطة بالحياة ومكوناتها.

وحين نتكلم عن الكتابة تحديدا ووضوح صوت المرأة الداخلي فيها، فالتمايز هنا لا يعتمد على “النوع” أو “الجنس”، ذكر أو أنثى، قدر اعتماده على مدى الاستقلال النفسي والثقافي عن المفاهيم الذكورية المكرسة في الواقع، وليس على كونها امرأة فقط.

فالأدب النسوي في تصوري ليس نسبة إلى أن كاتبته أنثى وإلا كان أيضا الأدب الذي يكتبه رجل هو أدب ذكوري محض، لكننا  نجد رجل يكتب بصوت امرأة مثل نزار قباني في الشعر مثلا، وإن كان ذلك ليس ظاهرة عامة بالتأكيد، لكنه موجود أن يكتب رجل بأفكار ومشاعر وصوت امرأة.

وهكذا سنجد بعض النساء يكتبن من مساحتهن الخاصة وهويتهن المختلفة، عندما تكون المرأة في هذه الحالة “مفطومة نفسيا” من السلطة الذكورية وقوانينها التي كرست “وعيا جمعيا” طويل عبر التاريخ أصبحت تدافع عنه المرأة بوعي، وأحيانا تتمثله بـ “لاوعي” في كتابتها كما في الحياة الواقعية تماما، وربما بشكل أشرس من الذكر. نجدها لا تتبنى لغة الرجل فقط وإنما مخزونه الفكري أيضا، لعدم قدرتها على الانفلات من سطوته، أو خوفا من انتقاده، أو ضعفا في قدرتها على الاستقلال عنه.

وحتى إن أظهرت “الاستقلال الشكلي” بمعنى أن لا تُحدث قطيعة ثقافية ونفسية ولغوية حقيقية (واللغة هنا بمعنى صوت النفس والعقل) لكنها تظل تعمل على تنويعات تخدم سلطة الرجل أيضا وإن بدت غير ذلك، مثل “الكتابات الإغوائية” أو “الحضور الجسدي” فقط في كتابة المرأة. وهنا تستخدم المرأة الأساليب نفسها كما في الوقائع، بأن يكون صوت الرغبة حاضرا ولغة الجسد طاغية، لا باعتبار الجسد وكل نشاطاته جزء من الحياة، وربما أفضل جزء فيها وأعمقه، وإنما باعتبار هذا الجسد “أداة مكاسب”، وهو ما يشير إلى الضعف وليس القوة، الغياب وليس الحضور، المحو وليس الإثبات، التوحد مع رغبات الذكر وليس مع هوية المرأة، استباحة الجسد وليس تقديسا له، اشتباك مع العري المنفر وليس العري كقيمة جمالية.

على الطرف الآخر، هناك امرأة تساوم على حريتها وناضلت كثيرا لنيل هذه الحرية وتعتز بكونها أنثى قوية بأفكارها وعقلها وسلوكها وليس بجسدها فقط، لكنها تكتب من مساحة حرة عن تكوينها الكامل والمؤهل لخوض الحياة. فالكتابة، من منظور ما، إعادة إنتاج لبنية اللاشعور ودلالاته، ومرتبطة بالواقع المُعاش كما ارتباطها بالميراث التاريخي للفرد من العادات والتقاليد وثقافته الفردية. كما أنها أيضا (أعني الكتابة) تعيد تشكيل هذا كله من جديد إذا كانت تتماس مع الوعي وتشتبك بعمق مع البناء السيكولوجي، أو كما قال رولان بارت “تغير أماكن الأفكار”.

سهام بدوي (مصر): روحي لا تكترث إلا بأصدقائي الخياليين

نعم، الورقة التي أمامي جسد بلا جنس أو جنسية، كذلك أتصور الكتابة وأتصورني في مهنة كهذه. ماذا لو غيرنا المصطلح من الأنثوية أو النسوية أو النسوانية إلى الإنسانية؟ ماذا لو عزلنا الكتابة عن جنس أو نوع كاتبها؟

للمرأة قضية طبعًا، كما علمتني خالدة الذكر رضوى عاشور، من حيث الحصول على ما يطمح أن يحصل عليه أي إنسان من حقوق سياسية (انتخاب/ترشيح) أو حقوق اجتماعية (الحق في الطلاق وحضانة الأطفال) واقتصادية (مساواة المرأة في الأجور بالرجل)، حيث الصراع بين سلطتي الأنثى والذكر. لكن الكتابة ليست كذلك، الكتابة مرجعيتها جوهر الإنسان لا نوعه، وقد أضيف أنه لو طبقنا القانون نفسه على الكتابة فإن النتيجة قد تأتي ضد صالح النساء.

كيف؟

لأن الكتابة  ستوضع في فخ التصنيف الضيق الإيديولوجي العقائدي مما يرسخ ويؤسس لنفي أي إنتاج أدبي قد تنتجه كاتبة؟ لأنه سيأتي ممسوخًا. ثم لا أفهم  كيف تكتب امرأة أو رجل وهو يعلق فوق رأسه لافتة: أنا ماركسي أو نسوي أو… أو…

في ظني أن الإنسان الذي يكتب (رجلاً كان أو امرأة) لابد وأن يتجاوز الشعارات، حيث يصير الإنسان الكامل أو الأعلى، سلطة أخرى تعلو السلطات الضيقة المؤدلجة والمؤقتة. ولتقريب الأمر أكثر أتساءل: لم لا تطبقون نفس السؤال على إنتاج الرجال؟ ولم لا نسأل؟ ولا تضحكوا فضلاً، ما علاقة الرجولة أو الأنوثة، بالكتابة؟

بناء عليه فإنني أتنصل بل أكفر بكل ما يسجن الكلمة تحت أية ادعاءات مزيفة، من قبل الحساسية الجديدة، أو كتابة الجسد وصولا إلى كتابة الكعب العالي. هذا الهناك الذي قد يريح البعض من عُقد ضميرٍ لا تخص المرأة الكاتبة في شيء، بل ويعتقد البعض أنه بهذه التسميات قد مكّنها من الحصول على المأمول، السلام والحرية والعدل، فماذا تريد أكثر؟

هيهات..!

أعود إلى الكتابة والرجل والمرأة ومدى تحقق كل منهما. بداية لا حرية مطلقة للكتابة في مجتمع سجين، عادات وتقاليد ومحرمات وغيره. لكنه الخيال، الحقيقة الحرة الوحيدة ربما، وهذه حقيقة أكاد أؤمن بها بشكل مطلق، والخيال لا يُصنف. فالرجل أو المرأة ، الكاتب أقصد، حين يكتبان فالعبرة هنا بالتجربة والخبرة التي يستقي منها كلاهما عوالمه، حيث التفرد والفردية وبنية اللغة، دون أن نعير اهتمامًا لذات الكاتب (أنثى أو ذكر).

إليكم سؤال يبلور الفكرة: ما الذي يفيد الكاتبة أن تبقى تدور في فلك كونها أنثى تدافع عن الأنوثة السجينة مسلوبة الحقوق؟ أوَ ليس هذا سجنًا آخر يتنافى وفعل الكتابة؟ أكثر ما يسعدني أن كبريات الناقدات العربيات أمثال فريال غزول، خالدة سعيد، يمنى العيد، على سبيل المثال، لم يخصصن جانبًا من كتاباتهن النقدية للمرأة العربية وخصوصية كتاباتها، في إشارة كاشفة لمدى سطحية الأمر باجتنابه. هذه البروباجندا، ولا أقول الفعل، أبطالها ذكور ولن أستخدم  كلمة رجال. إن فعل الكتابة هو أحد أهم تجليات فقدان النوع والانتماء إلى نوعٍ لا نوعَ له .

كل كتاب أكتبه يأخذني أبعد عن سجوني ويقدمني قرباناً لسجون أخرى أدخلها فأعرفها وأخرج مهزومة أو منتصرة. ويبقى لي هذا العدد الهائل من الأصدقاء الخياليين، الذين فتحوا معي أبواباً كثيرة في العتمة، وكتبوا معي تواريخ أخرى لي، لم أعطِ الفرصة  لغيري كي يكتبه نيابةً عني: تواريخ الروح.

عبير عبد العزيز (مصر): الخصوصية تكمن في فرادة الصوت

لا يهمني كتابة رجل أو امرأة، المهم جودة وجمال وخصوصية تلك الكتابة. لا أرى أن الأنوثة أو الذكورة تضيف أي شيء للكاتب الجيد أو الكاتبة الجيدة، فالأنوثة أو الذكورة مثل البيئة التي يولد فيهل الكاتب أو اللهجة واللغة أو الظروف التي مر بها.

كلنا نكتب بما نملك والخصوصية تكمن في فرادة الصوت وقوته وتطويره، ولا أنكر أن هناك كاتبات عبرن عما يملكن في تلك المنطقة بروعة وتميز، ليس لأنهن نساء ولكن لأنهن فنانات. ولا أوافق على مقولة أن هناك لغة للمرأة ولغة للرجل ولكن هناك لغة فنية متطورة وأخرى مكررة وضعيفة ومدعية.

عبير خديجة (سوريا): زماننا المسفوح بجرة قلم

هذا السؤال لا يبدو غريبا بقدر ما هو محزن، إذ ليس هناك لغة رجل، وصوت امرأة، فاللغة أم الجميع وليست حكرا على أحد، فالمرأة التي استطاعت بوعي مطلق، أن تنظر لنفسها على أنها كائن متكامل، عقل وروح وجسد، سيكون لها حتماً لغتها الخاصة وصوتها الذي لا يشُح أو يُبَح، كل ما تحتاجه القليل من الشجاعة التي لاريب تحتاجها أية أنثى اتخذت من الكتابة وسيلة لإيصال رسائلها إلى العالم، معتمدة على موهبتها ومعرفتها بأصول اللغة وشواردها، كما سنراها تتمتع بأذن موسيقية تستعذب من خلالها مفردات عن أخرى مختارة الأقرب إلى قلبها وروحها، وبما يخدم فكرتها بشكل عفوي وآني، يصقل موهبتها بثقافتها الواسعة وحكمتها وتجاربها، تماما مثل الرجل.

هنا تحضرني فروق المقارنة بين الكاتبة “جيرمين جرير” في كتابها “المرأة المخصية”، ونظيرتها “ماري ولستونكرافت” في كتابها “دفاع عن حقوق المرأة”، فالكاتبتان تفوقتا لغة وثقافة وطرحاً على كثير من الرجال، مع فائض سبق يحسب لماري الطافحة الأنوثة. كما لا يغيب عني جرأة وثقة الكاتبة إيزابيل ليندي التي كتبت بلغة شعرية مذهلة، ولا جهد سيمون ديبوفوار.

الأنوثة إذن ليست في خطر، الأنوثة هي كل تلك الصفات التي أشكّل نفسي بها، بدءاً من التصالح مع إنسانيتي متخلصة من فكرة التفوق الذكوري الذي ربينا عليه قسراً، وانعتاقاً من فكرة التبعية والعبودية والاتكالية واستخدام فنون الكيد والجسد، والتخلص من تلك الضغينة التي نكنها للرجل، كي لا نعلق بشرك الاسترجال من خلال تقليده.

لا أخفي اعتقادي بمقولة “إن داخل كل أنثى رجل، وداخل كل رجل أنثى”، سيكونان قابلين تحت ظروف معينة للظهور أمام الملأ، فغالب بنات جنسي لم يستطعن إحكام القبضة على مفهوم الأنوثة والحرية معاً؛ لذا بَدَونَ في الأدب والشعر خاصة أكثر هشاشة حين فقدن لغتهن فماتت قصائدهن قبلهن، كما يقول دعبل الخزاعي: “يموت ردئ الشعر من قبل أهله، وجيّده يبقى وإن مات قائله”.

نحن نرسم ونلون ونسمو ونتسامى بالكلمة، لأننا نريد بلغتنا المتفردة أن نقول ها نحن بنات عباد الشمس بكامل فتنتنا وحكمتنا، ها نحن الغضات المتينات في آن نستطيع أن نهز العالم بفكرة، خاتمةً أفكاري بتخوفي من مقولة كيركغارد: “المأساة الكبرى عندما تكون امرأة هي ألا تفهم أنها كذلك”.

مريم جبر (الاْردن): لغة الإبداع تحمل كثيرا من المراوغة

انطلاقاً من تجربتي الخاصّة في الكتابة أقول إن صوت المرأة تحقق ويتحقق في كتاباتها، وأوجز رأيي في النقاط الآتية:

– إن الحديث عن كتابة المرأة في وسطنا الثقافي تشبه إلى حد بعيد الحديث عن المرأة ذاتها في مجتمعنا، وغالباً ما يغيب النص وتبقى هي، ولا يتبقى من النص الذي تكتبه غير لغة شعرية وبوح خفي يتسرب خارجها كما يتسرب عطرها.

– لست أنفي لغة الشعر والبوح عن كتابات المرأة، بل أقرّ من موقع التجربة أن لغة الشعر والبوح يشكلان أساسا تقوم عليها كتاباتها في الأغلب الأعم. ولست أرى بأساً ولا عيبا في أن تتجنب المرأة اللغة المتخشبة وأن لا تصطنع البلاغة الفضفاضة، كما لا أرى عيبا في أن تنهل المرأة نسيجها القصصي وتعبيرها الشعري من واقعها.

– المسألة ليست رجل وامرأة، هي مسألة خصوصيّة إبداعية، بدليل أن كثيرا من الرجال كتبوا باللغة الشعرية التي يعيبونها في المرأة، مثلما كتبوا في الموضوعات ذاتها التي كتبت وتكتب فيها.

– كثيرا ما يتجاهل النقد دوافع الإبداع لدى المرأة، بينما يعلي من شأن الدوافع ذاتها في كتابات الرجل، فيُحمد له التصاقه بقضاياه المختلفة التي هي  جزء من قضايا مجتمعه، بينما يُنتظر من المرأة أن تنفصل عن ذاتها، وترى المجتمع بعينيه هو، ولا بأس حينها أن تكتب قصيدة غزل في رجل بينما تداري آثار سوط آخر على جسدها وعقلها وعواطفها.

– الأدب عموماً لا يعدو أن يكون تعبيراً عن وعي وموقف ورؤية إنسانية في الكون والإنسان والحياة والمجتمع، ولغة الإبداع تحمل كثيراً من المراوغة وقد استطاعت المرأة باللغة أن تخرج على السياقات الثقافية للمجتمع العربي الذي منح اللغة السلطوية المهيمنة أو اللغة الأبوية للرجل في حين أتاح للمرأة أن تحكي بلغة خاضعة لتلك السياقات والحياة والمجتمع.

– كانت المرأة في المجتمعات القديمة محرومة من حقّ البوح بل كان الرجل بما له من هيمنة ذكوريّة وصيّا على صوتها وحسبنا دليلا على ذلك أن ما يعرف ببلاغات النساء وأدب النّساء وفقه النساء ألّفها رجال، ممّا يؤكّد احتجاب صوت المرأة فيها والتغطيّة على كلّ ما يدين بالنسبة إلى الأنثويّ. لهذا الاعتبار فإن الأدب النسويّ ضرب من التأليف تكتبه المرأة المبدعة أمّا موضوعه فكلّ ما يمكن أن تبوح به المرأة، ويمكنها من ممارسة حقّها في الكلام وإنشاء عالم أدبي خاص تظهر به على عالم الذكور.

– ومهما يكن من أمر تلك النزعة النسويّة فرؤيتي/ أنا الكاتبة للعالم لا تنفصل بأي حال من الأحوال عن إطارها الإنسانيّ انطلاقا من اتّصال هذه الكتابة بالمفهوم الواسع للحريّة والتحرّر، ذلك أنّ الكتابة مغامرة واعيّة تطرح الأسئلة الحارقة وتنفذ بنا إلى عوالم الصّمت.

– أردت من كتابتي أن تكون قولا محرِّرا  للأنثويّ من كلّ أشكال التغطيّة والهيمنة، مارست فيها حقّي في الكلام وصرفته من جهة العبارة وسجلاّت القول والصوّر المجازيّة والضمائر إلى مدار مفارق للتمركز الذكوريّ الّذي تشكّله المواضعات والأعراف، وأردتها اكتشافا للذات في ما تقوله وما لا تقوله والنفاذ بها إلى عالمها الأوّل، بعيدا عن الظلال الّتي نحتتها مؤسسات صناعة ، عبر تشكيل فني يؤلّف بين الحلم والواقع والوعي واللاوعي والواجب وغير الواجب.

 نـاهـد صـلاح (مصر): هل يرفض الكيبورد أناملي؟

الكتابة بالنسبة لي هي فعل إنساني له خصوصيته من حالة إلى أخرى، لذا لا أحبذ فكرة الكاتبة المرأة/ الكاتب الرجل. هذا التصنيف يزعجني بدرجة كبيرة ولا أراه منصفاً للطرفين.

حوصرت الكاتبة في بلادنا بمحددات الأنوثة والذكورة حسب مجتمع يعلي من شأن الذكورة، حيث لا تخرج الرؤية الكلية لما تكتبه عن إطار علاقتها بالرجل، ثم تنهال أسئلة من نوع: هل تختلف الكتابة عند المرأة عن الكتابة عند الرجل؟ هل تستطيع المرأة أن تُعبر كما يفعل الرجل؟ أم أن القلم أو “الكيبورد” لا يتوقف عند حدود سمات بيولوجية لا دخل لهما فيها وبالتالي يجمعهما قاموس اللغة والكلمات؟

وغالباً لا يُسأل الرجل نفس السؤال، بمعنى هل يستطيع هو الأخر أن يكتب أفكاراً نسائية؟ أن يتملك من التركيز ما يجعله يتقرب من عالمها أو لغتها؟ وإن فعل؛ فهل يسلم من انتقادات تمس هويته مثلاً؟ هذه الأسئلة بتوجهاتها تدل على أن المرأة طوال الوقت محصورة في مساحة ضيقة، فكما تتعب في الحياة العادية للحصول على استقلاليتها، فإن هذا يحدث أيضاً في الكتابة حتى تعثر على رؤية مختلفة لا تتعامل معها على أنها استثناء أو ينظر إلى كتابتها على أنها مجرد تعبير عن تجربة خاصة وأنها لا تستطيع أن تشمل التجربة الكونية كما الرجل الذي تمثل تجربته تجربة الكل.

والأمر ينتقل إلى القارئ بطريقة بديهية فيعتمد اختياره لرواية مثلاً على جنس الكاتب في الدرجة الأولى، مستنداً على مفاهيم قديمة تروج لأن الكتابة عند المرأة هي “أدب الأظافر الطويلة ” أو التواصل الحميمي مع ذاتها وتجربتها الأنثوية، ويتجاهلون تجارب عدة لكاتبات تفاعلن مع الحياة وقضاياها وتمكّن من الكتابة بمنظور إنساني لا يعبأ بالهوية النسائية ولا بمنافسة واهية بين المرأة والرجل (رضوى عاشور نموذجاً).

على أي حال فإن الكتابة عند المرأة أو الرجل هي صفحة بيضاء ما يُخط عليها يعيد تشكيل الذات بصرف النظر عن هوية الجنس، كما أن النزعة الاستقلالية للمرأة التي تتنامى مؤخراً هي بالتأكيد تعكس أفكارها على الكتابة وتمنح الكاتبة بوصفها امرأة أن تتجاوز حدود هويتها وتقدم تجربتها، لا بتقليد الرجل ولا بالانتماء لعالمه الذكوري شكلاً أو موضوعاً، خصوصاً وأن نظرة المجتمع تغيرت تجاه الكاتبات مع تنامي الأفكار التي تدعو للمساواة الحقيقية وظهور أسماء أكثر جرأة في البوح، وإن ظل عدد الكاتبات قليلاً جداً مقارنة مع الكُتاب؛ كما مازال البوح محدوداً ومقيداً.

بالنسبة لي فإن الكتابة كانت سلاحي في مواجهة الخوف؛ بديلاً عن الفزع من التلاشي وعدم الفكاك من كوني امرأة وبالتالي تفر مني صفات الانسانية، لذا حين قدمت نصي الأدبي الأول “الحتة الناقصة.. حكايات افتراضية”، كانت المرأة قد سبقت الفكرة، فهي الكائن الأكثر تعرضًا للقهر في واقع تعس وبائس دائم الإدانة لها، فقررت أن يكون الكتاب لها كما كتبت في الإهداء “إلى أمي/ وكل البنات والستات في حياتي/ كل واحدة منكن أسطورة تمشي على الأرض.. أما عن ستي، فأنا ظلها الممتد”.

أردت أن أخلع المرارة عن أية امرأة عانت وقمعت لأنها نشدت الحب، أو بدون أي سبب في مجتمع لم يرحمها، ووضع المرأة في الريف المصري كان انعكاسًا لهذه الصورة المغلوطة في مجتمع ذكوري لا يؤمن بالمرأة التي تعيش تجربة حب قد تكون هي الوحيدة في حياتها كلها بينما ترفع رايات النصر للرجل المتعدد العلاقات.

ربما تكون الصورة تغيرت قليلاً في الوقت الحالي، لكنها على عهدها في إن إعلان الحب من كبائر العيوب، والمثير أن هذا القهر الاجتماعي للمرأة يقابله جهد عظيم منها لبناء المجتمع والعائلة متغلبة على كل مرارات الواقع.

وشمل الكتاب التغير الاجتماعي والثوري في بلادنا، فحمل يوميات الحب والثورة في عام 2013، العام الفاصل في حياتنا السياسية والاجتماعية في مصر. أما تجربتي الأحدث “دومينو”، فهي مجموعة قصصية، تتمحور حول اللعبة بين المرأة والرجل في هذا المجتمع الذي يسرف في اللعب والمقامرة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: