منوعات

روز اليوسف.. سارة برنار الصحافة

قبل وفاتها بأربعة أيام فقط، أدلت السيدة روز اليوسف بحوار صحفي لمجلة “الإذاعة” في 5 أبريل عام 1958، لخصت فيه محطات حياتها من مآسي النشأة ومرارة الغربة واليتم والجوع والوحدة إلى أضواء المسرح والتربع على عرش صاحبة الجلالة.

تقول: “وضعتني المقادير علي أول الطريق وعمري 5 سنوات، كان علي أن أكسب وأن أعول نفسي، تلفت حولي فوجدت جماعات تملك موهبة الظهور علي المسرح، بدأت حياتي معهم كومبارس، كل يوم مع فرقة جديدة، أعتلي الخشبة المقدسة وأقول كلمة أو كلمتين ثم أنزل، وقبل أن أزيل الماكياج أذهب إلي شباك التذاكر ليعطونني ٥٠ قرشاً أصرها في منديلي وأذهب لسبيلي”.

وتضيف: كان يدفعني إلي احتراف التمثيل عاملان، عامل الكسب وميلي الجارف إلى أن أكون لنفسي بيتاً أضع فيه عفشاً وأضع في جيبي مفتاحه، ولما تجمع في يدي أول جنيه ذهبت إلى الموسكي واشتريت “كانون” من الحديد بخمسة قروش وحلة نحاس دفعت فيها ١٢ قرشاً ومرتبة وأشياء أخري دفعت فيها بقية الجنيه، واستأجرت حجرة في شقة تسكنها عائلة أرمنية في أول شبرا، وأصبح لي بيت أملك مفتاحه وعمري ١٢ سنة.

عاشت روز اليوسف (1898- 1958) سنواتها الأولى كأبنة لأسرة مسيحية في مدينة طرابلس في لبنان، واكتشفت في العاشرة إنها فاطمة ابنة التاجر المسلم محمد محي الدين اليوسف ذي الأصول التركية، الذي هجرها بعد وفاة أمها “جميلة” وهي مازالت رضيعة.

بداية الرحلة

رحلت الطفلة روز مع أحد معارف الأسرة في سفينة إلى البرازيل، رست السفينة في ميناء الإسكندرية للتزود بالوقود، وهنا بدأت روز رحلتها في مدينة الثغر ومنها إلى عالم الفن والصحافة. التقت روز بالممثل المسرحي اسكندر فرح في وقت مبكر وعرفت من خلاله الفن، إلى أن ظهر في حياتها الفنان عزيز عيد فمنحها أدوارًا ثانوية في أعماله، وضمها إلي فرقته التي ضمت نجيب الريحاني وأمين عطا الله وإستيفان روستي وحسن فايق.

عزيز عيد

وعندما انتقل عزيز عيد بفرقته إلي مسرح “دار التمثيل العربي”، ليخرج رواية “عواطف البنين”، كان في الرواية ٣ أدوار نسائية، منها دور الجدة الذي رفضت ممثلات الفرقة تجسيده. أسند  عيد الدور إلى الممثلة الناشئة روز، وأدته بنجاح رغم أن عمرها وقتئذ لم يكن يتجاوز 16 عاما.

لم يكن عزيز عيد هو مكتشف روز الممثلة فقط، بل كان معلمها أيضا، فالنجمة الصاعدة في عالم المسرح لم تكن تعرف القراءة والكتابة، استأجر لها عيد شيخا ليعلمها واشترى لها كتبا لتقرأها.

انتقلت روز إلى فرقة رمسيس بقيادة يوسف بك وهبي الذي اختارها بطلة لمسرحياته، ونجحت نجاحاً رائعاً وأشادت الصحف بأدائها دور مارجريت جوتييه في رواية “غادة الكاميليا”، وأُطلق عليها النقاد لقب “سارة برنار الشرق”.

من الفن إلى الصحافة

اختلفت روز مع يوسف بك، تركت فرقة رمسيس، وقررت أن تطلق التمثيل بلا رجعة. وفي أغسطس عام 1925 جلست الممثلة المعتزلة مع عدد من أصدقائها في محل “كساب” للحلويات بوسط القاهرة، مر بائع الصحف واشترت منه عدد من مجلة “الحاوي” التي تنتقد الفنانين بقسوة، وتساءلت: لماذا لا توجد مطبوعة يرد فيها أهل الفن الظلم الواقع عليهم؟ وعرضت على أصدقائها محمود عزمي وزكي طليمات وإبراهيم خليل وأحمد حسين إصدار مجلة فنية أدبية، اقترح طليمات أن يكون اسمها “الأدب العالمي” لكنها اختارت “روز اليوسف”.

دعت روز صديقها محمد التابعي المحرر الفني في الأهرام، الذي كان يوقع مقالاته باسم “حندس” إلى العمل معها في المجلة، وصدر عددها الأول في ٢٦ أكتوبر عام ١٩٢٥م، وكتب فيه التابعي والمازني وزكي طليمات وعبدالقادر حمزة ومحمود تيمور وأحمد رامي.

محمد التابعي

عن تجربتها الصحفية، قالت روز: عشت مع روز اليوسف اليومية ثم الأسبوعية ٣٣ عاماً أنصهر في فرن السياسة، اهتزت الأرض من تحتي مرات ولم أهتز، وضعت أمامي مبادئي وأمضيت العمر أحميها من غربان السياسة وفئران القصر، كنت أقف وراء كل سياسي كبير يلف حول عنقه شرفه ووطنيته، وأتخلى عنه في اللحظة التي يخلع فيها رباط عنقه.

بعد العدد الثالث تعرضت المجلة الوليدة لهزة، فالتوزيع تراجع إلى أقل من 500 نسخة، والمعلم علي الفهلوي معتمد التوزيع والمعروف بملك الصحافة، نصح السيدة روز بتغير خط المجلة التي لا يقبل عليها القراء، وسرعان ما حولت روز اليوسف المجلة إلى سياسية وفدية تستخدم الكاريكاتير، وترأس تحريرها محمد التابعي.

يقول التابعي عن هذه التجربة: قصتي مع الصحافة تبدأ منذ عام 1925 عندما كنت موظفا بمجلس النواب، واتصلت بي روز اليوسف وأخبرتني عن نيتها إصدار مجلة اسمها “روزا اليوسف”. كان المفروض أن تكون المجلة ثقافية ادبية، وأن يكون رئيس تحريرها زكي طليمات، لكنه سافر بعد العدد الثالث إلى باريس لدراسة الفنون المسرحية، وأصبحت أنا المسئول الوحيد عن المجلة، لكن اللون الذي تعالجه المجلة لم يرق رواجا، فاقترحت على روز أن نحولها إلى مجلة سياسية.

كان مكرم عبيد باشا سكرتير عام حزب الوفد يحلم بمجلة وفدية على غرار مجلة “الكشكول” التي كانت تخاطب القراء بالكاريكاتير رسما وخبرا ومقالا، ونجح عبيد في أن يقنع روز والتابعي بفكرته. اعتلت المجلة خشبة مسرح السياسة ولو بصفة “كومبارس”، حسب وصف روز، لكن تعاقب الأحداث من تعطيل للدستور وحل البرلمان وإقالة الوزارة الوفدية، حول “روز اليوسف” إلى أحد أهم المنابر الوفدية.

أزمات طاحنة

أدخل الكاريكاتير “روزا اليوسف” في سلسلة من الأزمات مرة بالمصادرة وآخرى بالتعطيل، وتروى روز قصة مصادرة العدد رقم 134 فى المطبعة المحاصرة بالأمن، وتتحدث عن سعادتها بالحصول على نسخة من العدد المصادر وفى قلبه صورة كاريكاتورية كبيرة لرئيس الوزراء إسماعيل صدقي يدوس الدستور ليجلس على كرسى الوزارة.

وتروي روز اليوسف في مذكراتها تفاصيل العداء بين الوفد والوزارة “الصدقية” التي جمدت العمل بالدستور لمدة شهر بعد أيام من توليها مهامها في يونيو عام 1930: “جن جنون زعيم الحزب النحاس باشا، وحشد لاقتحام البرلمان بالقوة يوم 25 يوليو، وكان لابد أن يتخذ صدقي باشا قرارا بردعه دون قطرة دم واحدة، فأوعز إلى أحد الضباط الذين يحرسون البرلمان بإبلاغ النحاس أن هناك مؤامرة لاغتياله إذا تقدم الصفوف، فما كان من النحاس إلا أن تراجع عن قراره وخرج بمرسوم يستعطف فيه الملك فؤاد بإقالة وزارة صدقي، فانهارت ثقة الشعب فى بطله القومي”.

وتصف روز شعورها تجاه زعيم الوفد: “بدأت أحس بشيء من الاحتقار كلما شاهدت النحاس باشا بابتسامته العريضة ووجهه الذى يشتكى الدم الكثير في حمرة خديه، ولكن هذا الشعور الطارئ لم يقلل من إعجابى بالمبادئ التى يمثلها الوفد، فما كان منى أن بالغت في مهاجمتي للوزارة ورئيسها بجميع ألوان الكلام المر والعبارات الجارحة المثيرة، وهو ما أدى إلى إلغاء رخصة المجلة إلى أجل غير مسمى، وكانت هذه أول مآثر يد الباشا علي”.

وتسترسل روز: توالت علينا النكبات والمصائب، وكان يعزيني أن مصادرة مجلتي أو إغلاقها هو العمل الثالث الذي تفرضه كل وزارة؛ “تعطل الدستور، ثم تضع الأقفال على أبواب البرلمان، ثم تصادر روزاليوسف”.

الفصل من الوفد

سقطت حكومة إسماعيل صدقي وتم تكليف حكومة جديدة برئاسة توفيق نسيم، وانحاز الوفد إلى الوزارة الجديدة، لكن مرت الشهور دون أن تنفذ الحكومة وعودها، فعادت “روز اليوسف” إلى سيرتها في انتقاد الحكومات والسخرية منها، فلجأ نسيم باشا إلى أصدقائه في الوفد لوقف حملة “روز اليوسف”، إلا أن فاطمة اليوسف رفضت، فاشتعل الخلاف بينها وبين قادة الوفد، وأمام إصرارها على انتقاد رئيس الوزراء ومطالبتها بعودة دستور 1923 وإجراء انتخابات نزيهة، قرر الوفد فصل فاطمة اليوسف ومجلتها من الحزب. وأرسل قادة الوفد مظاهرة تأييد لقرار النحاس بفصل روز وهتفوا ضدها أمام مقر “روز اليوسف”، فخرجت بمفردها لتواجه المظاهرات وتتحدث مع المتظاهرين.

ويقول شيخ الصحفيين حافظ محمود في كتابه “عمالقة الصحافة”: لم يمض شهر وبضع شهر حتى توقفت هذه الجريدة عن الصدور بعد حملات متواصلة اشتركت فيها مظاهرات الشبيبة الوفدية ضد الجريدة. وتابع: الذين يكتبون في تاريخ الصحافة يخطئون حين يردون توقف الجريدة إلى موقف الوفد منها فقط، لقد كان هذا هو ظاهر الأمور أما باطنها الذي آن للتاريخ الصحفي أن يسجله أن بعض الصحف الأخرى أحست بخطر هذه الجريدة الناشئة عليها، وقد تدخل هذا البعض فضرب روز اليوسف في الخفاء عن طريقي الإعلان والتوزيع.

كيف واجهت السيدة روز هذه المحنة؟ يجيب شيخ الصحفيين: المحنة كانت قد بدأت من قبل باستقلال التابعي عن روز اليوسف الأسبوعية، ليخرج مجلة “آخر ساعة” لحسابه، وتخطت روز اليوسف هذه العقبة بإخراج جريدة يومية يدير تحريرها أعظم من عرفته الصحافة العربية مديرا للتحرير وهو الأستاذ محمود عزمي، وأعظم من عرفته الصحافة العربية ككاتب وهو الأستاذ عباس محمود العقاد.

عباس محمود العقاد

وتروي فاطمة اليوسف في مذكراتها الصادرة بعنوان «ذكريات»: نويت أن أصدر جريدة يومية كبرى ورشح لي البعض الدكتور محمود عزمي وكان يكتب مع الأستاذ العقاد في “الجهاد”، وكانا مختلفين مع توفيق دياب صاحب الجريدة فالتقيت به وشرحت له الفكرة فرحب بها واتفقنا على كتابة العقد، وفكرت في ضم الأستاذ العقاد إلى الجريدة وأرسلت رسولا إليه يجس نبضه فسأل عن اسم الجرنال ولما عرف بـ«روز اليوسف» غضب بشدة وقال: “أنا لا أعمل في جرنال يحمل اسم واحدة ست”.

وتابعت: أرسلت له مرة أخرى فوافق العقاد على العمل بشروط أن يكون مرتبه 80 جنيها، وأن يأخذ مرتب 4 شهور مقدما تخصم من مرتبه بالتقسيط 20 جنيها كل شهر، وأن تكون سياسة الجريدة وفدية خالصة، فوافقت على الشروط كلها وكانت شروطي أن يكتب مقالا افتتاحيا كل يوم وصفحة أدبية في الأسبوع.

في سجن مصر

كان أول قرار اتخذه “الوفد” عندما عاد إلى الوزارة من جديد هو إلغاء ترخيص صحيفة “روز اليوسف” اليومية بحجة أنها لا تصدر بانتظام. وعن قرار إلغاء ترخيص جريدتها اليومية تقول روز: “كان عزائي الأكبر أنني لم أحكم عليها بالموت ولم أفكر في الوقوف بها يومًا عن الصدور، بل كان توقفها من الخارج، وبإرادة لا دخل لي بها”.

بعدها بدأت فاطمة مرة أخرى من الصفر، واستعادت مجلتها الأسبوعية، والتف حولها عدد من الشباب وعادت بهم “روز اليوسف” الأسبوعية إلى الظهور.

ساعدت الظروف السياسية روز اليوسف على الخروج من هذه المحنة بخروج بعض أقطاب الوفد على الحزب ولم يكن أمام هؤلاء المنشقين نافذة للتعبير عنهم سوى “روز اليوسف”، إلا أن ذلك لم يمنع الوفد من تحريض أحد وكلاء النائب العام ضدها واتهامها بأنها اعتدت عليه أثناء تفتيش مقر المجلة، فصدر قرار من النيابة بحبسها، وقضت فاطمة ساعات في سجن مصر، وشنّت الصحف المصرية والأجنبية وقتها حملات عنيفة على الحكومة لسجن سيدة صحفية، وتحت الضغط اضطرت الحكومة إلى الإفراج عنها.

في عام 1942، حلت محنة روز اليوسف الثالثة، تبدأ القصة برسم للفنان محمد رخا، يصور فيه الترام رقم 12 الذي يمر بـ”لاظوغلي” إلى ميدان السيدة زينب وقد علته لافتة مكتوب عليها “السيدة زينب” وكل الركاب يتطلعون إلى هذه اللافتة. فسر المفسرون الرسم على أنه تعريض بالسيدة زينب الوكيل حرم زعيم الوفد مصطفى النحاس، وكان هذا الرسم بتفسيره القشة التي قسمت ظهر البعير، فعطلت الرقابة المجلة، التي لم يبق لها أي مورد، ما اضطر روز اليوسف إلى بيع سيارتها لتعيد مجلتها إلى الصدور.

كانت روز اليوسف تواجه الإجراءات التعسفية ضد مجلتها بالتحدي والإصرار؛ فكلما عطّلت الحكومة المجلة، أصدرت مجلة أخرى باسم جديد، منها: الرقيب، صدى الحق، الشرق الأدنى، مصر حرة.

ميلاد صباح الخير

وفي عام 1956 أصدرت روز مجلة صباح الخير وأسندت رئاسة تحريرها إلى الكاتب الشاب أحمد بهاء الدين، وكانت “صباح الخير” رمزًا للقلوب الشابة والعقول المتحررة كما كان يقول شعارها.

أحمد بهاء الدين

لمع في روز اليوسف أجيال من الكتاب والصحفيين، منهم كتيبة الشباب الذين أصبحوا نجومًا فيما بعد، ومنهم: كامل الشناوي، أحمد كامل مرسي، نجيب محفوظ، مأمون الشناوي، سيد قطب، صلاح حافظ، يوسف إدريس، صلاح جاهين، الأخوين مصطفى وعلي أمين، والرسام صاروخان، والفنان رخا.

تزوجت روز اليوسف ثلاث مرات، أولها من محمد عبد القدوس الذي كان يعمل ممثلا مع نجيب الريحانى وأنجبت من إحسان عبد القدوس (الأديب الكبير)، ثم تزوجت من عملاق المسرح زكي طليمات، ثم من المحامي قاسم أمين حفيد قاسم أمين صاحب كتاب تحرير المرأة.

إحسان عبد القدوس

كانت فاطمة تعاني من المرض، لكنها كانت تعاند كل شيء فذهبت إلى إحدى دور السينما في الساعة الثالثة بعد الظهر، وقبل أن ينتهي الفيلم بنصف ساعة  أحست بنهايتها فانصرفت من السينما حتى وصلت إلى دارها وأخذت تودع كل من كان في البيت، وكأنها استأذنت من ملك الموت أن يمهلها حتى تصل منزلها لترحل في صمت.

صورة الغلاف بريشة الفنان سعد الدين شحاتة

الفيديو جراف

نص: بلال مؤمن

تحريك ومونتاج: عبد الله إسماعيل

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق