رؤى

صالون «علمانيون»: محنة الفكر الإسلامي المعاصر اجترار الماضي للتعاطي مع المستقبل

كلما تاهت منك السبل توقف لتبصر الطريق، تأمل ما حولك، من أين وإلى أين؟

مر تاريخ الإنسان بالعديد من مراحل التطور السياسي والاجتماعي وشهد كثيرا من الانتكاسات، لم يكن بطبيعة الحال تاريخا واحدا، وإنما تواريخ متعددة ومتنوعة بتنوع الشعوب والحضارات والثقافات والبيئات وحتى الجغرافيا.

في محاولة لاستكشاف موقعنا الحالي في التاريخ الإنساني، استضاف صالون “علمانيون” الدكتور ياسر قنصوة أستاذ الفلسفة السياسية بكلية الآداب جامعة طنطا، الذي ركز في طرحه على جدلية العلاقة بين الإنسان والأفكار، لافتا إلى أن الطبيعة الخاصة لتلك العلاقة التي تتناوب فيها القيادة، فتارة يقود الفكر الإنسان، وتارة يقود الإنسان الفكر. فتفكير الإنسان في البداية كان منصبا على تحقيق مصلحته أو احتياجاته الضرورية الأساسية المتمثلة في الغذاء والأمن والبقاء، وكان سعيه لتلبية تلك الاحتياجات الغرائزية بداية رحلته مع الفكر، بعدها بدأ الإنسان مرحلة الوعي بالذات والتفكير في الإنجاز والتطور.

وعلى الرغم من أن تلك المرحلة في بعض جوانبها حملت تهديدا لاستقرار الإنسان واحتياجاته الأساسية، وفرضت عليه مخاطر جديدة، لكن ما قيمة حياة الإنسان بدون مغامرة ومخاطرة، وكما يقول نيتشه: “الحياة هي أن تشعر بالخطر”.

كان ضروريا في تلك المرحلة أن يلجا الإنسان للعزلة والتأمل ليعيد اكتشاف نفسه واكتشاف ما حوله، ومن العزلة انطلقت دعوات التغيير والتجديد والإصلاح، فالمصلحون جميعا كانت العزلة سبيلهم إلى أفكار ثورة الفرد في وجه المجتمع.

وفي استعراضه لتطور الفكر السياسي في الغرب وتمايزه عن الفكر السياسي الشرقي، ذهب قنصوة إلى أن الفكر السياسي الغربي اتسم بطابع رأسي هرمي، بمعنى أن كل المفكرين السياسيين الغربيين بمثابة بناية واحدة يكمل كل منهم الآخر، ويمثلون مدارس تطور في المكان والزمان، فمن أفلاطون ظهرت الأفلاطونية الجديدة، ومن سقراط ظهر المشاءون، ومن هيجل ظهر الهيجليون الجدد، في اتسم الفكر السياسي الشرقي بطابع أفقي يقوم على فكرة واحدة (هي فكرة الإله أو الحاكم الفرد)، ما يغلق مجال التطور، ويصب الفكر في قوالب مصمته.

وبرأي قنصوة، فإن هذا النمط من الفكر الأفقي لدى الشرق، أغلق المجال أمام ظهور امتدادات لابن سينا أو الفارابي أو غيرهما، لافتا إلى أنه على الرغم من وجود ملامح مبكرة للفكر السياسي في الحضارات الشرقية القديمة كالفرعونية، كما في قصة الفلاح الفصيح، إلا أنها انحصرت أيضا في فكرة الحاكم الأوحد.

ويرى قنصوة أن محنة الفكر الإسلامي المعاصر تكمن في إشكالية محورية، بالإصرار على اجترار التاريخ والماضي للتعاطي مع المستقبل، الذي يتم اختزاله في حياة ما بعد الموت في الآخرة (الجنة أو النار)، ومن ثم يجد في اجترار الماضي ملاذا آمنا لمستقبل مأمول بدخول الجنة.

وفي عرض بانورامي انتقل قنصوة لرصد تطور الفكر السياسي منذ سقراط إلى أرسطو مرورا بأفلاطون وتصوره للمدينة الفاضلة، ثم انتقل بعدها إلى الفكر السياسي الحديث متمثلا في بعض المراحل والشخصيات، مثل توماس هوبز، جون لوك، كارل ماركس، آدم سميث، وغيرهم.

وفي المقابل، شدد قنصوة على أن نموذج الدولة الإسلامية الذي يتم الترويج دوما له في الشرق لم يكتب له التحقق في أي مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي، فمنذ الدولة الأموية تحولت الخلافة الإسلامية إلى ملك عضود.

وغلب على عرض قنصوة خضوعه لفكرة المركزية الغربية في التاريخ الإنساني، كأنه لم يكن هناك تاريخ في حضارات الشرق القديم كله، ولا ظهرت قوانين حمورابي أو نظام سياسي محكم في الحضارة الفرعونية القديمة، وكأنما خطت الإنسانية خطواتها الأولى مع الديمقراطية الآثينية. وظهر ذلك واضحا أيضا في تجاهله جهود فقهاء السياسة الشرعية في التاريخ الإسلامي كالمواردي وابن تيمية وغيرهما، وادعائه ارتباط ظهور الدولة المركزية للمرة الأولى فيما أعقب عصر النهضة الأوربية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: