منوعات

السنهوري.. للقانون رسول

سافر عبد الرزاق السنهوري إلى فرنسا بعد أن حصل على درجة الليسانس، متقدما على زملائه كأول دفعته. سمت المحافظة الذي طبع الرجل منذ صغره لم يحجزه عن الانغماس في الثقافة الفرنسية، وأن يعجب بالحياة الباريسية وبأهلها، فزار المتاحف وشاهد المسارح وعقد الصداقات ولم يمنعه هذا من أن يضاعف الجهد ليحصل على شهادة الدكتوراه وينال عنها جائزة أحسن رسالة من جامعة ليون.

حملت رسالته الأولى عنوان “القيود التعاقدية على حرية العمل في القضاء الإنجليزي”، وأتبعها بأخرى تحت عنوان: فقه الخلافة وتطورها لتصبح هيئة أمم شرقية، متأثرا بسقوط دولة الخلافة أثناء تواجده بفرنسا، ليطلق عليه أساتذته من فقهاء القانون في جامعة ليون لقب “الإمام الخامس” بعد أن عاينوا رسوخ معرفته بالشريعة الإسلامية.

عاد السنهوري إلى مصر مدرسا بالجامعة المصرية (1926)، واشترك في الحياة السياسية وإن لم ينضم لحزب بعينه، فأنشأ جمعية أسماها الشبان المصريين، لتفصله الحكومة من الجامعة، إذ اعتبرت الجمعية مؤيدة لحزب الوفد. سافر بعدها السنهوري إلى العراق منتدبا للتدريس بجامعتها، وعاد منها عميدا لكلية الحقوق في الجامعة المصرية بالانتخاب (1937)، وأسندت إليه وزارة العدل وضع القانون المدني المصري فأنجز ما كلف به رافضا أي مكافأة.. في هذه الأثناء أُبعد عن الجامعة ثانية فاتجه للقضاء، قاضيا بالمحكمة المختلطة بالمنصورة، فوكيلا لوزارة العدل، ومنها إلى المعارف مستشارا فوكيلا، ويبعد عن الوزارة لأسباب سياسية (1942) فيعمل بالمحاماة لفترة قصيرة ثم يعود بعدها إلى العراق.

 طاردت السياسة السنهوري خارج البلاد كما ضيقت عليه داخلها، فاضطر لمغادرة بغداد – بعد أن استكمل لها قانونها المدني- إثر ضغوط من حكومة الوفد، واستقدمته سوريا لتكلفه هي الأخرى بإعداد قانونها المدني فأعده، ووضع وهو بدمشق مشروع معهد الدراسات العربية العليا الذي تأجل تنفيذه حتى سنة 1952.

 وبجانب سوريا والعراق منح السنهوري ليبيا قانونها المدني (1952)، والكويت دستورها (1960 ـ 1962)، وساهم في وضع دساتير دول عربية أخرى مثل السودان والبحرين.

 وبعد عودته من سوريا، تولى وزارة المعارف (1945 ـ 1949)، فأنشأ جامعتي فاروق (الإسكندرية) ومحمد علي، عين بعدها رئيسا لمجلس الدولة (1949)، فأعاد تنظيم هيكله الإداري وأصدر أول مجلة له، وامتدت رئاسة السنهوري للمجلس حتى ثورة يوليو، ورغم تأييده للثورة واستعانة الحكام الجدد بخبرته الدستورية والقانونية لسد أي ثغرات في قراراتهم الأولى، إلا أنه سرعان ما تصادم المجلسان: قيادة الثورة والدولة، ويتعرض السنهوري لحادث اعتداء مدبر كاد يفضي إلى مصرعه، تلاه العزل من المنصب وحل المجلس.

 وتبعت العزل عزلة إجبارية، فلم يسمح للسنهوري بالسفر خارج البلاد غير مرة وحيدة بطلب من أمير الكويت ليضع فقهينا دستور الإمارة والمقومات القانونية التي تؤهلها لعضوية الأمم المتحدة، في هذه الفترة وجه السنهوري همته إلى التدريس بمعهد الدراسات العربية، وإتمام سفره الأعظم “الوسيط في القانون المدني” الذي بلغ عشرة أجزاء، وضعها على مدى عشرين سنة.

السنهوري ابن الإسكندرية المولود لأسرة فقيرة كبيرة العدد (سبعة أبناء وبنات)، ليذق مرارة اليتم في سن السادسة، ويضطر للعمل موظفا بجمارك الإسكندرية أثناء دراسته الجامعية، حتى يعول أسرته، لم تلن له عزيمة رغم ترصد القدر له بالمصاعب والعقبات منذ طفولته، فالحلم كان عظيما بقدر قيمة وقامة صاحبه، حيث رأى فيما يرى النائم أن الغرب تشرق عليه شمس ساطعة حدق فيها طويلا، ثم أدار وجهه تجاه الشرق فرأى شمسا أوسع مدى وأسطع نورا، وحسب أنه الذي ينقل هذه الشمس بيده، شمس الشرق للغرب..

 مع هذا لم يملك رجل القضاء لنفسه رد القضاء، فأُبعد ـ بعد واقعة مجلس الدولة ـ عن أي منصب قضائي أو إداري إلى آخر حياته (1971)، لكنه ملك تخليد اسمه كأهم قامة قانونية في تاريخ مصر الحديث، واضعا الدساتير والقانون المدني لمصر ولعدد من الدول العربية، وعاش كما قرر لنفسه: “لا يتولاني اليأس في عمل أتولاه وهو على شيء من الخطورة، لأني أعلم أن عملي لا ينتهي بانتهاء حياتي المادية ما دمت، وأنا الجزء، سأرجع إلى الكل”  ليرحل أبو القانون العربي في 21 يوليو 1971.

الفيديو جراف

نص: بلال مؤمن

تحريك ومونتاج: عبد الله اسماعيل

الوسوم

محمد السيد الطناوي

كاتب و باحث مصري Mohamed.altanawy1@Gmail.com

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: