رؤى

الطريق إلى الديمقراطية (2) «شورى النواب» أول برلمان مصري

تمتد المرحلة التكوينية للتطور على طريق الديمقراطية في مصر من تاريخ صدور فرمان السلطان العثماني بتثبيت محمد على والياً على مصر في 9 يوليو سنة 1805 حتى صدور تصريح 28 فبراير في سنة 1922 الذي اعترف باستقلال البلاد وألغى الحماية البريطانية عليها، وتحول اسمها من سلطنة مصر إلى المملكة المصرية.

خلال تلك المرحلة التي تزيد عن قرن من الزمان صدرت مجموعة من الوثائق الدستورية أهمها القانون الأساسي (السياستنامة) في عام 1837، ولائحة مجلس شورى النواب سنة 1866، واللائحة الأساسية (الدستور) سنة 1882، والقانون النظامي المصري الصادر في أول مايو سنة 1883، والقانون النظامي الصادر سنة 1913. وأخيرا توج الشعب المصري نضاله الطويل من أجل بناء ديمقراطية نيابية بإصدار أول دستور بالمعنى الحقيقي للبلاد صدر في 19 أبريل سنة 1923، ووفقاً لهذا الدستور انعقد أول برلمان مصري حقيقي في 15 مارس سنة 1924.

في منتصف تلك الرحلة الطويلة كانت هناك خطوة كبيرة نحو مشاركة المصريين في حكم بلدهم، تمثلت في إقامة أول مجلس نيابي حقيقي في مصر على أساس قانوني شبه دستوري، ويمكننا، بلا جدال، اعتبار تولى الخديوي إسماعيل للحكم في مصر سنة 1863م هو البداية الحقيقية لظهور النظام النيابي فيها. كان حفيد “محمد علي” قد تلقى تعليمه العالي في فرنسا، وانبهر بباريس عاصمة النور، وقد أراد لمصر أن تصبح قطعة من أوروبا.

استمر نظام الحكم الفردي الذي أرساه محمد علي باشا طوال عهود من خلفوه، وهم إبراهيم باشا وعباس الأول ثم سعيد، فلم تشهد مصر خلال تلك الفترة تطوراً يذكر في شكل الحكم وبنيان الدولة، باستثناء تغييرات طفيفة في مهام وصلاحيات الدواوين أو إنشاء مجالس استشارية من الأعيان وشخصيات يختارها الوالي.

لم يتغير هذا الوضع إلا بتولي الخديوي إسماعيل حكم مصر في 18 يناير سنة 1863، وطموحه لتنفيذ مشروع حضاري بهدف إحداث نقلة نوعية في مختلف ميادين الحياة، شمل خطوات كبيرة في مجالات التصنيع والتعليم والتعمير والبنية التحتية، ومشروعات تنموية كبرى كان في مقدمتها شق قناة السويس التي افتتحت في سنة 1869.

الخديوي إسماعيل

وفي ميدان السياسية ونظام الحكم، شهد عهد الخديوي إسماعيل وضع اللبنة الأولى للحياة النيابية في مصر، وتشير الكثير من الدراسات التاريخية أن الخديوي إسماعيل كانت لدية رغبة حقيقية في إشراك الشعب ممثلاً في طبقة كبار ملاك الأراضي الزراعية في إبداء الآراء في المسائل التي تتعلق بتسيير شئون الحكومة المصرية.

لم يبدأ إسماعيل من فراغ، فجمع المجلس الخصوصي برئاسته في 22 أكتوبر سنة 1866، وأصدر أمرًا إلى راغب باشا بتأسيس مجلس شورى النواب، وذكر في الأمر الكريم:

«إن مجالس الشورى شوهدت منافعها ومحسناتها الجليلة في الممالك المتعددة، وإنه عاين في أهالي مملكته من الأهلية والاستعداد ما يؤيد حصول هذا الأمل، وما القصد من هذا إلا التشاور والتعاون على توسيع عمارية ومدنية الوطن، والاقتطاف من ثمار مآثر انضمام الآراء في الأمور النافعة.»

وأصدر مع هذا الأمر لائحة بتأسيس مجلس شورى النواب وانتخاب أعضائه، وأصدر أمره إلى ناظر الداخلية وإلى مفتش عموم الأقاليم لنشر اللائحة بين الأهالي، وإجراء انتخاب أعضاء المجلس الجديد على مقتضاها. وقد صدر المرسوم الخديوي بإنشاء المجلس في شهر نوفمبر سنة 1866.

تضمن المرسوم اللائحة الأساسية واللائحة النظامية للمجلس، وشكلت اللائحتان في مضمونهما أول وثيقة نيابية لها شكل دستوري، لكنهما ليستا دستوراً بالمعنى المتعارف عليه. اشتملت اللائحة الأساسية على ثماني عشرة مادة تتضمن نظام الانتخابات، والشروط القانونية الواجبة للياقة العضو المرشح، وفترات انعقاد المجلس، وصلاحياته في «التداول في الشؤون الداخلية، ورفع نصائح إلى الخديوي». أما اللائحة النظامية، فركزت على نظام عمل المجلس، أو ما يسمى الآن اللائحة الداخلية.

وتأثرت لوائح مجلس شورى النواب بشدة بالنظم البرلمانية التي كان معمولاً بها في أوروبا في ذلك الوقت، خاصة الهيئة التشريعية الفرنسية. والحقيقة أن مجلس شورى النواب هو أول مجلس نيابي منتخب من الشعب المصري، وواكب تكوين المجلس ظهور الرأي العام المصري الذي تشكل مع انطلاق الصحافة المصرية والحركة التحررية ضد التدخل الأجنبي الذي كان في ازدياد في نهاية حكم الخديوي إسماعيل.

وأجريت انتخابات مجلس شورى النواب في 18 نوفمبر سنة 1866، وانعقد المجلس لأول مرة في ٢٥ نوفمبر سنة ١٨٦٦، (17 رجب سنة 1283ه)، إذ اجتمع الأعضاء بمكان الانعقاد (بالقلعة) برئاسة إسماعيل راغب باشا الذي عين رئيساً للمجلس في دور انعقاده الأول، وحضر الخديوي حفلة الافتتاح، بصحبه من أركان حكومته، وافتتحه إسماعيل بخطبة العرش التي كانت تسمى بمقالة الافتتاح، وكانت تلك هي أول خطبة عرش في التاريخ السياسي المصري.

وكان مما جاء في خطبة العرش للخديوي إسماعيل قوله: (وكثيرًا ما كان من اللازم إيجاد مجلس شورى النواب؛ لأنه من القضايا الملحة التي لا ينكر نفعها ومزاياها أن يكون الأمر شورى بين الراعي والرعية كما هو مرعي في أكثر الجهات، ويكفينا كون الشارع حث عليه بقوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) (آل عمران 159)، وبقوله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى: 38(، فلذا استنسبت افتتاح ذلك المجلس بمصر تُتذاكر فيه المنافع الداخلية، وتُبدى به الآراء السديدة)، وقد اعتبر المؤرخون هذه الخطبة من الوثائق الهامة في تاريخ الحياة النيابية بمصر، ورأوا أنها قررت قاعدة الشورى في نظام الحكم.

استمر مجلس شورى النواب حوالي ثلاث عشرة سنة، انعقد المجلس خلالها في تسعة أدوار انعقاد على مدى ثلاث هيئات نيابية، في الفترة من 25 من نوفمبر سنة 1866 حتى 6 من يوليو سنة 1879. ورغم أن المجلس لم يحظ بسلطات كاملة في البداية، إلا أنه في سنة 1879م اكتملت سلطاته بإقرار مبدأ مسئولية الوزارة أمامه، ومع مرور الوقت اتسعت صلاحيات المجلس شيئاً فشيئاً، وبدأت تظهر نواة الاتجاهات المعارضة.

وقد ساعد على هذا التطور انتشار أفكار التنوير على يد مجموعة من كبار المفكرين والكتاب، إضافة إلى ظهور الصحف في ذلك الوقت الأمر الذي عزز المطالبات الشعبية بإنشاء مجلس نيابي له صلاحيات تشريعية ورقابية أوسع، وانعكست هذه المطالبات في عام 1878 عندما أنشئ أول مجلس وزراء في مصر (مجلس النظار) وأعيد تشكيل البرلمان، ومنح المزيد من الصلاحيات، وإن ظلت بعض الأمور خارجة عن اختصاص المجلس، مثل بعض الشئون المالية.

ويحسب لمجلس شورى النواب أنه لعب دوراً مهماً في مناهضة التدخل الأجنبي في شؤون البلاد أثناء أزمة الديون الخارجية، وأصر المجلس على أحقيته في مناقشة ميزانية الحكومة التي كان يتولاها في ذلك الوقت وزير مالية إنجليزي، وهو الذي جاء ليتولى وزارة مالية مصر نتيجة الضغط علي الخديوي من قبل الباب العالي والدائنين الأجانب.

لم يكن الخديوي إسماعيل مثل من سبقوه، من حكام أسرة محمد على، في وارد التنازل عن سلطاته المطلقة، ولا كان يدور في خلده أن يتحول إلى حاكم دستوري يملك ولا يحكم، ولكنه كان بعيد النظر وهو يحاول أن يوسع قاعدة حكمه، بإشراك طبقة ملاك الأراضي في الحكم، ولكنه لا شك فتح باباً واسعاً إلى الديمقراطية.

وكما قال المؤرخ البريطاني روتشين: «لا يمكن المزاح بالديمقراطية، قد تبدأ شكلية، لكن لابد أن تنقلب يوماً إلى حقيقة»، فقد استمرت الحياة النيابية في مصر، في الفترة من سنة 1868م إلى 1874م، سائرة على استحياء متأثرة بالسلطات الضعيفة للمجلس النيابي وبالنزعة الاستبدادية للخديوي، وبإحجام الحكومة عن إشراك المجلس في الشئون المهمة، كما تجلى هذا في إيقاف الحياة النيابية خلال سنتي 1874 و1875 بدون إبداء أسباب واضحة من قبل الحكومة، وبدون أي اعتراض من قبل المجلس أو نوابه.

في منتصف سنة 1876م تم انتخاب الهيئة النيابية الثالثة، وشهدت اجتماعات هذه الهيئة ظهور بعض الأصوات التي يمكن أن نسميها بالمعارضة، كما شهدت تغيراً واضحاً في سلوك الخديوي إسماعيل تجاه المجلس النيابي، باعترافه ضمنياً بحق المجلس في الاشتراك في إدارة شؤون البلاد، كما أن الحكومة بدأت منذ بداية الدورة الثانية لهذه الهيئة النيابية في استشارة المجلس قبل فرض أي ضرائب جديدة. كانت الدورة النيابية الثالثة لتلك الهيئة النيابية هي آخر أدوار انعقادها في عصر الخديوي إسماعيل، وقد شهدت هذه الدورة معارضة فعلية من النواب في مواجهة الحكومة وخاصة في مسائل السياسة المالية، تلك السياسة التي كان من نتائجها أن وزير المالية (وقد كان انجليزياً) كان على وشك إعلان إفلاس البلاد لولا تدخل نخبة من الزعماء السياسيين، وشملت الأعيان والوجهاء والنواب والتجار وضباط الجيش، الذين اجتمعت إراداتهم على إنقاذ البلاد من كارثة إعلان الإفلاس، وأصدروا ما عرف وقتها باللائحة الوطنية.

جاءت ضربة البداية في اجتماع أعضاء مجلس شورى النواب بجلسة الخميس 4 ربيع الآخر سنة 1296 الموافق 27 مارس سنة 1879 وحضر رياض باشا رئيس مجلس النظار، وأمر بتلاوة أمر الانفضاض وكان نصه كالتالي: (بالنظر للبند التاسع من لائحة مجلس شورى النواب المحدد به ثلاث سنوات لمأمورية ذلك المجلس، وبالنظر لمضي هذه المدة، وأنه عرض لنا عن ذلك من رئيس مجلس النظار، أصدرنا أمرنا هذا، وهو أن مجلس شورى النواب قد انفض، وسعادة ناظر الداخلية موكل بإجراء هذا الدكريتو).

قابل المجلس أمر الانفضاض بالصمت التام، وقطع الصمت صوت النائب محمد أفندي راضي بك يعلن أن المجلس تقدم بمقترحات مالية واقتصادية، وظل ثلاثة شهور يطلب رأي الحكومة وحضور وزير المالية المسئول إلى المجلس، ولكن لم يتلق المجلس أي رد، ولهذا فإن المجلس يصر على طلبه، ونحن لن نقبل فض المجلس، وقد طلبنا أجازة لمدة شهرين، ولكن مدة المجلس تظل باقية ولا يمكن أن ينفض المجلس قبل أن يبت في المسائل والمقترحات التي تقدم بها مع الحكومة.

وقام زعيم المعارضة في المجلس عبد السلام بك المويلحي وأعلن أن المجلس يصر على أنه لا يمكن الفصل في أي مشكلة إلا باشتراكه، وأن أعضاء المجلس يشعرون أنه إذا لم يتحقق هذا فإن الشعب سوف يكون له رأي آخر، وسوف تتحمل الوزارة هذه المسئولية، وتوالت كلمات النواب على هذه الشاكلة، حتى وقف محمد أفندي راضي مرة أخرى ليقول بإصرار: المجلس باقٍ ولم تنه مدة انعقاده، ووجه كلامه إلى رياض باشا فقال: ثم إننا سمعنا أن سعادتكم أحضرتم أصحاب “الجرانيل” وأكدتم عليهم بعدم نشر شيء عن مجلس الشورى، وتبعه المويلحي بالقول لرئيس الوزراء : من ضمن ما قلتموه سعادتكم للجورنالجية أن أهل مصر همج، وأنه لا يوجد فيهم عشرة يفهمون ما يقال في الجرانيل ولا يصح وصف جميع  أهالي الوطن بهذه الحالة التي لا تليق، وانتهى الاجتماع إلى ما قاله محمد أفندي راضي الذي أعلن “أننا لن ننفض إلا إذا أعطيت لمجلس النواب حقوقه وأجيبت كل طلباته، وها نحن منتظرون الجواب الذي يرد إلينا”.

مثلت دورة انعقاد مجلس شورى النواب الأخيرة سنة 1879 نقطة تحول وبداية الثورة الوطنية الديمقراطية، ويشبه المؤرخون هذه الجلسة التي رفض فيها النواب فض الدورة النيابية، بالجلسة التاريخية التي بدأت بها الثورة الفرنسية بخطاب ميرابو الشهير: “إننا هنا بإرادة الشعب، ولن نغادر إلا على أسنة الرماح”.

الوسوم

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: