رؤى

الإحيائية الإسلامية المعاصرة.. شاهد عيان (3)

تزوجت زميلتي بكلية الاقتصاد، وكان الكثيرون يتزوجون زميلاتهم كتعبير عن رومانسية حالمة تريد أن تعود بالزمن الحاضر إلى عوالم الصحابة والصحابيات الكرام، وانتشرت وقتها الأسماء الإسلامية.

أذكر قاموسا أخرجته كلية الاقتصاد حول الأسماء ودلالتها، كانت أسماء مثل عبد الرحمن وعبد الله هي الأكثر انتشارا، كما بدأت أسماء أخرى في الظهور كحذيفة ومصعب وبلال. ظن “الإحيائيون” أن الأسماء ستجعل أبناءهم علي مسار الجيل القرآني الأول الفريد، دون إدراك منهم بتعقيدات الواقع ومشاكله العميقة والصعبة.

أذكر أنني التقيت حينها الدكتور رفعت المحجوب رحمه الله وكان عميدا لكلية الاقتصاد، كنت آتي من السجن لامتحان تمهيدي الماجستير وأنا أرتدي جلبابا أبيض وغطرة بيضاء، وأحالتني الجامعة للتحقيق باعتبار أن هذا الزي يخالف المسموح به لطلابها، استدعاني العميد وكان رجلا هائلا ومتحدثا فخما، قال لي: أختلف معك لكني مع حقك في دخول الامتحان، وعليك التزام الزي المسموح به حتي تواصل أداء الامتحانات.

رفعت المحجوب

في نقاشي معه قلت بقدر من التعالي: الإسلام قادم. عندها رد علي منفعلا: نعم أنتم قادمون ولكن عبر حمامات دماء.

أستاذتي منى أبو الفضل رحمها الله كانت في منتهى الرقة واللطف والتعاطف معي، وهي تأتيني ببعض الفيتامينات لأنها تراني منهكًا من قلة  التغذية. وكان أستاذي علي الدين هلال متعاطفا معي ومع أسرتي، وكلف بعض المعيدين بتجميع المحاضرات ومواد الدراسة لي حتى اجتزت بنجاح السنة التمهيدية الصعبة وأنا في السجن، وأشرف لاحقا على رسالتي للماجستير.

المجتمع من حولك يمنحك تعاطفه ويحترم خياراتك ويفتح لك بابا للخروج من قفص “الإحيائية الجديدة” الذي جعلني أكثر عزلة وأكثر خشونة في مواجهة من يجب أن أمنحهم محبتي وألتمس برهم ورضاهم، أمي وأبي.

في مدرج كلية الاقتصاد الواسع احتشد الشباب لسماع مرشد الإخوان عمر التلمساني، ووقفت متسائلا: أين الجهاد في فكر الجماعة؟ كان الرجل يقول كلاما بدا لي ناعما رقيقا لا يعبر عن قوة الإسلام وحضوره. قال: إن الإخوان يُهاجمون لأنهم يدعون للإسلام كما أشار الأخ (يقصدني).

وفي مرة أخرى جاء مصطفي مشهور إلى الكلية وحدثته عن موقف الجماعة من سيد قطب؟ ورد: إنه لا يعبر في أفكاره عن الجماعة.

مصطفي مشهور، عمر التلمساني

ظهر في الكلية، التي كانت الدولة قد أسستها لتخريج النخبة في تخصصات السياسة والإدارة والإحصاء والاقتصاد، زميل لنا اسمه “محمود حداد” تزوج من زميلة لنا في الكلية، وسافر إلي السعودية بعد تخرجه للعمل في جامعة الإمام محمد بن سعود، وهناك أسس فرقة أُطلق عليها “الحدادية” وكان ينتقد بقوة سيد قطب كما كان ينتقد عالما كالشوكاني. يبدو أنه جرى توظيفه من قبل أحد الأمراء هناك لمواجهة تيارات إسلامية أخرى لا تريدها الدولة، وصار لا يدع أحدا إلا وانتقده وشنع عليه، إلى أن تم طرده لاحقا ليعود إلى بلده طنطا.

في الكلية الصغيرة علمت أن أحد الزملاء من قسم الاقتصاد ذهب للعمرة وحضر أحداث الحرم المكي التي قادها جهيمان العتيبي، فأصبح واحدا ضمن المجموعة وقتل هناك. كانت هذه الأحداث تمر على مخيلتي وتهزني بعمق، هذه الإحيائية الجديدة اليافعة التي تحركها أحلامها وخيالها واندفاعاتها وشبابها لم تجد أحدا يهديها سواء السبيل أو يأخذ بيدها إلى فهم عميق لصحيح الدين.

كان صوت العاطفة غالبا وانتشرت الأشعار التي تقول: “أخي أنت حر وراء السدود، أنت حر وراء القيود”، تمجيدا للسجن والمواجهة. استمدت مصادرها من ديوان هاشم الرفاعي وأشعار لسيد قطب تقول: “سنثأر ولكن لرب ودين، فإما إلى النصر فوق الأنام، وإما إلى الله في الخالدين”.

وكان منها أيضا قصيدة الشيخ الباقوري: “يا رسول الله هل يرضيك إنا أخوة في الله، للإسلام قمنا لا نهاب الموت لا بل نتمنى”، وكانت نشيدا لكتائب الإخوان قبل أن تتحول لاحقا إلى نشيد مختلف ألفه عبد الحكيم عابدين: “هو الحق يحشد أجناده ويعتد للموقف الفاصل، فصفوا الكتائب آساده ودكوا به دولة الباطل”، ونُسب هذا النشيد إلى سيد قطب فيما بعد على سبيل إشاعته وترويجه.

ظل الانفتاح علي العنف واعتباره أداة لدك دولة الباطل جزءًا من هذه الإحيائية حتي لو كان بشكل كامن، فحين تكون لدينا القوة سوف نستخدمها. كان أخطر ما واجهته تلك الإحيائية الغضة هو دخولها دوامة العنف معتقدة أن أهدافها يمكن أن تتحقق من خلاله، لتقع في أكبر المآزق التي واجهتها.

وحتى حين وصل الإخوان إلى السلطة، وبعد أن غادرت جماعتهم السلطة ما يزال خيال العنف يداعبها باعتباره السبيل لاستعادة تلك السلطة، ذلك العنف الذي يحمل في داخله بذور فنائه، فما دخل العنف في شيء إلا شانه وأفسده.

ربما حان الوقت أن تعود تلك الإحيائية الجديدة باستدارتها إلى مجتمعها علما وعملا، وأن تكون جزءًا من أمتها، هادية لها وحامية لشبابها وقوتها من التبديد في متاهات التكفير والشقاق والمدافعة الخاسرة، بعيدا عن أوهام السلطة المغذية للفتنة والخسران.

الوسوم

كمال حبيب

أكاديمي مصرى متخصص فى العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

إغلاق