رؤى

الإحيائية الإسلامية المعاصرة.. شاهد عيان (4)

في السجون ظهر جدل عنيف حول الأفكار الجديدة التي طرحها سيد قطب في كتابيه الأشهر “الظلال”، و”معالم في الطريق”، وفي كتبه الأخرى مثل مقومات التصور الإسلامي وخصائص التصور الإسلامي، خاصة مع استخدامه مصطلحات جديدة لم يسبق أن استخدمها مؤسس جماعة الإخوان حسن البنا، مثل “الإسلام باعتباره ثورة”، فلم يكن ذلك المصطلح محببا لدي البنا ولم يراه إيجابيا، وكذلك مصطلحات قطب الأخرى مثل: الجيل القرآني الفريد، الاستعلاء الإيماني، العزلة الشعورية، ونظرته إلى نظام الحكم المعاصر في مصر وغيرها باعتباره جاهليا. 

مصطلحات قطب الجديدة وأفكاره التكفيرية مثلت تحديا للفكر الإخواني ذي الطابع المحافظ، وفي ظل هذه الأجواء المحتقنة ظهر تنظيم سيد قطب الجديد الذي اعتنق أفكاره واعتبر أن نهج الإخوان لا يعبر عن المنهج الصحيح ولا العقيدة الصافية التامة الخالصة، وكان أخلص تلاميذ سيد قطب هو أحمد عبد المجيد الذي كان محكوما عليه بالإعدام معه، وتم تخفيف الحكم عليه.

التقيت الرجل وأكد لي أن ما أثر بشكل قوي علي أفكار سيد قطب الجديدة هو اطلاعه علي أفكار وكتب محمد بن عبد الوهاب وكتب المودودي مؤسس الجماعة الإسلامية في باكستان.

وسط تلك الضجة الفكرية والجدال العقدي العنيف في السجون ظهر على الهامش شاب صغير كان قد قُبض عليه مع الإخوان في الستينيات، وكان قد درس بكلية الزراعة وهو من مواليد 1942 من مركز أبو تيج بأسيوط، وهو شكري أحمد مصطفى، الذي تأثر بأفكار شيخ أزهري اسمه علي عبده إسماعيل، وهو من وضع فكر التكفير والهجرة لكنه سرعان ما تراجع عنه، بيد أن شكري ظل متمسكا به وحين خرج من السجن في مطلع السبعينيات أعاد نشر فكر التكفير بين الشباب الجامعي صغير السن واعتزل هو وبعضهم في الجبال وتم القبض عليهم، وأفرج عنهم بعدها لصغر سنهم.

شكري مصطفي

لم يتوقف شكري مصطفي عن الدعوة لفكر التكفير والهجرة في الجامعات المصرية في السبعينيات، ما أفضى إلى انتشاره وسط من تم دعوتهم من الشباب والفتيات لبناء مجتمع يعتزل “الجاهلية”، وكان الشاب من هؤلاء يترك تعليمه ويغادر أسرته وينضم للجماعة التي توظفه في العمل الذي تراه، كما كانت الفتيات يغادرن أسرهن ويتزوجن بفتيان الجماعة دون علم أهاليهن، ما جعل الموضوع مطروحا بقوة علي المجتمع المصري وقتئذ.

زاد عدد أعضاء جماعة شكري مصطفي، ما جعل علماء في الأزهر يردون على أفكارها ويعتبرونها مروقا وخروجا على الفكر الإسلامي الصحيح، وكان أهم هؤلاء العلماء الشيخ محمد حسين الذهبي وزير الأوقاف السابق، الذي اغتالته الجماعة عام 1977 على يد ضابط شرطة من المنتمين للجماعة، ويدعى طارق عبد العليم. روعت الحادثة المجتمع المصري وهزته بعنف، وكانت الجماعة قد أسست ما أطلقت عليها “الكتيبة الخضراء” لمعاقبة خصومها ومنتقدي أفكارها، وبالفعل هاجمت تلك الجماعة أحد القيادات الإسلامية في ذلك الوقت (حسن الهلاوي) في بيته، وعندما تمكن من الهرب منهم قاموا بالاعتداء على شقيقاته المقيمات معه في نفس المنزل.

الشيخ محمد حسين الذهبي

ويرصد عبد الرحمن أبو الخير في كتابه “ذكرياتي مع جماعة المسلمين” نشأة تلك الجماعة وأفكارها وما تبنته من رؤى فكرية وسياسية، وما ألفه رئيسها شكري مصطفي من الرسائل عن الخلافة والحجيات والتوسمات ونهاية العالم.

وعقب القبض علي شكري وخمسة من قيادات الجماعة في قضية قتل الشيخ الذهبي رقم 6 لسنة 1977، ظل شكري يعتقد اعتقادا جازما أنه علي الحق وأن الحكم بإعدامه لن يُنفذ، وقال لأتباعه: لو تم تنفيذ حكم الإعدام في فاعلموا أن الجماعة ليست هي جماعة المسلمين وليست هي مالكة الحق المبين.

كَفّر شكري مصطفي المجتمع المصري بكل هيئاته ومؤسساته وأعيانه وعلمائه واعتبر المساجد ضرار وحرم الصلاة فيها واعتبر أئمتها أئمة السلاطين، واتخذ أفراد الجماعة بيوتهم قبلة يصلون فيها، ورأى شكري نفسه إمام الجماعة القائم عليها وفي مقام النبي، وانتصب للفتوى والحكم والقضاء بين أعضائها بما في ذلك تطبيق الأحكام كالتعزيز علي الرجال والنساء معا، وكانت طاعته مطلقة وأي سؤال أو اعتراض أو استفهام بشأنها يعني ردة وخروجا عن الجماعة.

كان صعود التكفير والهجرة والعزلة التي كانت أحد مبادئها بمثابة ومضة برق خاطفة في سماء مصر لم تلبث أن توارت وخبت، لكن ذلك أفضى إلى السماح بصعود تيارات أخرى لمواجهتها، وكانت تلك هي الفرصة لصعود التيارات السلفية.

وهكذا فتحت الإحيائية الإسلامية الجديدة الباب لتكفير مجتمعها وقطع العلاقة تماما مع كل ما سبقها من اجتهادات في الفقه الإسلامي، واعتبرت نفسها وحدها مالكة الحق وجماعة المسلمين التي يتعين علي الجميع الانضواء تحت رايتها.

ووصمت الجماعة الهيئات الإسلامية والحركات الإسلامية الأخرى بأنها حركات كافرة، وفتح ذلك النهج الباب واسعا لتيارات الغلو والتكفير والعنف التي هددت استقرار المجتمعات الإسلامية كما هددت هويتها الإسلامية الصحيحة.

هذه الأفكار التي استلهمتها جماعة التكفير من الخوارج الأزارقة تعود إلينا الآن مرة أخري مع تيارات الإ رهاب المتوحش متمثلة في داعش وأخواتها التي تتبنى أعلى مراحل الغلو والتطرف والتكفير.

الوسوم

كمال حبيب

أكاديمي مصرى متخصص فى العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: