منوعات

التابعي.. امرأة واحدة لا تكفي

عاش أستاذ أساتذة الصحافة محمد التابعي كما أراد.. أميرا.. ليس في بلاط صاحبة الجلالة فحسب، بل في كل حياته، ارتدى أفخر الثياب، واقتنى أغلى السيارات، ونزل بأجنحة الملوك والأمراء في أفخم الفنادق. باختصار، قضى سنوات عمره بـ”الطول والعرض”، لف الدنيا شرقها وغربها، لكنه رحل فقيرا لا يملك ما يسدد به ديونه إلى البنوك.

“خلال رحلاته الخارجية كان يحرص أن يعيش كما يعيش الملوك ينفق كما ينفقون ويتصرف كما يتصرفون، فما كان ذلك كله في رأيي إلا اعتزازا بمصريته ووطنيته بوصفه سفيرا لبلده وسفيرا لمهنته في نفس الوقت”.. شهادة الكاتب الصحفي صبري أبو المجد في كتابه “محمد التابعي”.

ويضيف أبو المجد: لم تكن الدماء الزرقاء تجري في عروقه، ولم يرث ما كان ينفق منه بسخاء، بل كان ينفق من ثمرة كده وجده، لعله كان يود أن يقول للجميع: إذا كان هناك ملوك بالوراثة فإن هناك ملوكا بالعمل والجد.

سنوات الشظف

رغم أن التابعي (1896- 1976) كان من أكبر الصحفيين دخلا، إلا أن رحلاته ومغامراته العاطفية وإسرافه ذهبوا بكل ما يملك، ووصل به الحال إلى أنه بعث إلى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في مارس عام 1962 رسالة شخصية يطالبه فيها بإسقاط ديونه (عشرة آلاف جنيه) مستحقة للبنوك ومؤسسة “أخبار اليوم”.

يقول التابعي في رسالته التي نشرها سامي شرف سكرتير عبد الناصر للمعلومات في كتابه “سنوات وأيام مع جمال عبد الناصر”: حاولت التماس سبل الخلاص لما أنا فيه فلم أوفق وانتهيت إلى أنه ليس أمامي إلا أن ألجأ إليكم لعلكم تجدون لي حلا لدى البنوك وأخبار اليوم.. يجب علي أن أعترف بمسئوليتي بل بسوء تصرفي فقد كنت مسرفا كل الإسراف في شبابي فلم أقتصد شيئا، ولقد كانت إيراداتي تكفيني وكنت أنفقها كلها، ثم كان ما لم يكن في حسابي فتزوجت في سن متأخرة وورثت ابني وابنتي عني وعن أمهما أمراض الحساسية، ومرضت أنا في عامي 1956 و1657 وأجريت لي عمليات جراحية.. وكان يومئذ أول عهدي بالاستدانة.

سامي شرف، ورسالة التابعي لعبد الناصر

ويستطرد: لقد تنازلت في عام 1946 عن مجلة “آخر ساعة” بمقتضى عقد بيع جاء فيه أنني تناولت مبلغ ألف جينه، وهذا غير صحيح لأنني لم أتناول قرشا واحدا واعتقد أن مصطفى وعلي أمين يعترفان بهذا.

ويتابع: كنت أعتقد في عام 1946 أن حياتي لن تطول، ولكن قدر لي أن أعيش وأن أتزوج وأن تتضاعف نفقات وتكاليف الأمراض التي ابتليت بها أنا وأفراد أسرتي، ومن هنا كانت ديوني التي كنت أؤجلها، ومعظمها تستحق في مارس الحالي.. وصدقني يا سيدي الرئيس أنني أخجل، ولكن الدنيا ضاقت في وجهي فلم أجد أمامي سواكم.

أطلع عبد الناصر على الرسالة، وأمر سامي شرف بالاتصال بالتابعي وإبلاغه بأن كل ما طلبه سيتم تلبيته، وأن كل ديونه ستسدد، وأمر بإذاعة مقال له عبر إذاعة صوت العرب بمقابل مادي 25 جنيه عن المرة الواحدة.

بعض من عرفت

في كل مدينة كان يحط فيها برنس الصحافة، كانت له قصة حب وحكاية غرام، فُتن بالشقراوات الحسناوات الأوربيات، وأعجب بالسمراوات الشرقيات، لم يخجل من مغامراته، بل وثق بعضها في كتاب بديع بعنوان “بعض من عرفت” حكى فيه عن ميريام الفتاة اليهودية التي هربت من الحكم النازي في ألمانيا إلى باريس حيث كان يقضي بعض صيفه هناك وتعاهدا على الحب والوفاء لكنه فوجئ بها قد تزوجت دبلوماسيا مصريا، وروى قصته مع ماريا كريستين التي تعرف إليها في أحد محال الأحذية بالعاصمة النمساوية فيينا قبل الحرب العالمية الثانية وعاش معها قصة حب ملتهبة وبعد سنوات لمحها في فيلم سينما تسجيلي عن المقاومة النرويجية وهي ترتدي ملابس المجندات وتقبل ضابطا نرويجيا، وتحدث عن “مدموزيل س” التي أمسك عن ذكر أسمها وجنسيتها لأنها كانت لا تزل حينها تزور مصر من وقت لآخر مع أسرتها العريقة،.. وغيرهن كثيرات.

من كل تلك القصص، تظل قصة غرام التابعي بالمطربة أسمهان هي الأعمق والأكثر دراما، فقد أحبها وظل على حبها حتى بعد حادث وفاتها. وتبقى أيضا علاقته بالسيدة أم كلثوم التي بدت للجميع أنها علاقة صداقة وسرا من الأسرار التي لم تتكشف تفاصيلها بعد، فبعض أوراقه التي كشفت عنها زوجته بعد وفاته، أظهرت أن التابعي أغرم بكوكب الشرق لفترة في ثلاثينيات القرن الماضي.

غرامه بأم كلثوم

عثرت زوجته السيدة هدى التابعي ضمن أوراق زوجها على مظروف به ثلاث رسائل، كتبها التابعى لأم كلثوم عام 1936، وكتب على المظروف من الخارج “إلى كروانة الكراوين” وهى رسائل غرامية، ووجدت داخل المظروف رسالة صغيرة بها خصلة شعر ومنديل معطر.

الخطاب الأول كتب فيه التابعي وهو بمدينة ميلانو في 9 يونيو 1936 “لست أطمع في أن يبعث مرأى هذا الخطاب الدم إلى خديك، أو يزيد من سرعة دقات قلبك، أو أن يعقد لسانك لحظة أو لحظتين، أو أن تقرأيه وراء أبواب مغلقة وأنت غارقة في بحر الذكريات.. لكنى أطمع فقط، وليس هذا بالشىء الكثير، في أن تصدقي كل حرف سوف أخطه، وإن كنت لا أدرى ماذا أقول، ففي نفسي ورأسي ألف معنى ومعنى، كلها تزدحم وكلها تطلب النور، ولكنى أخشى أن يصيبها ما يصيب الجمهور، حين يزدحم أمام باب الدخول، أى أنها تدوس بعضها بعضًا، ويمزق بعضها بعضًا، ثم ترتد خائبة منهكة».

وبعد مرور أسبوع تقريبًا، وفي صباح الخميس 18 يونيو 1936، بعث برسالة أخرى قال فيها: في ذمتي لك كلمة، يوجب أداءها عهدي لك بأن أكون دائمًا صريحًا معك، لقد اكتمل اليوم أسبوعان منذ سمعت صوتك آخر مرة، أسبوعان كنت دائمًا فيهما في خاطري.

وجاء في رسالة التابعي الثالثة إلى كوكب الشرق: “أنا لم أتورط معك، وكل كلمة قلتها لك كانت من كل قلبي وكل عاطفة أو خلجة كانت صادقة خالصة لا أثر فيها لإحراج أو تورط.. أرجو منك أن تؤمني معي بأنني لا أريد ولا أقصد”.

وردت أم كلثوم برد مقتضب فهم منه إنها لا تريد لعاشقها أن يتمادى، قالت في رسالتها: “أشكرك على برقيتك، ثم أشكرك أكثر على رسالتك، وإنى سعيدة بأن أسمع أنك بأحسن حال، ومقالاتك الأسبوعية الممتعة في أخبار اليوم وآخر ساعة تحمل لي كل أسبوع خير الأنباء عنك. تقبل خالص تحياتي وشكري.. أم كلثوم”.

أم كلثوم في منزل التابعي

تلك هي الرسائل السرية التي كشفت غرام التابعي بسيدة الغناء العربي، لكن الظاهر أمام مجتمع الصحافة والفن أن أم كلثوم كانت صديقة التابعي وصديقة أسرته، ونجمة حفلاته المنزلية التي كان يحضرها نجوم السياسة والفن.

وتقول هدى التابعي: “عند وفاة أم كلثوم، كان التابعي في حالة مرض شديدة، فكنت أبعد عنه الجرائد التى تحمل الخبر الحزين، لكن بعد تكرار سؤاله عنها اضطررت أن أحمل له جريدة أخبار اليوم، وعندما قرأ الخبر، سقطت الجريدة من يده وانخرط في البكاء، وكانت تلك المرة الأولى والأخيرة التى أشاهد زوجي يبكي”.

وعن علاقاته الأخرى قالت هدى التابعى: فى يوم من الأيام قرأت عن زواجه من الفنانة زوزو حمدى الحكيم، فسألته عن حقيقة هذا الكلام، فأخبرنى ولأول مرة أنه فعلا تزوج من زوزو الحكيم، إلا أن الزواج لم يمكث أكثر من شهر واحد.. سألته عن سبب الزواج، فقال لى “كنت عاوز أغيظ روز اليوسف”.

زوزو حمدى الحكيم

مع أسمهان

القصة الغرامية الأكثر شهرة والتي ظلت حديث الوسط الصحفي والفني لسنوات، تلك التي جمعت أمير الصحافة بالمطربة أسمهان. وعن كيف أغرم بها يقول التابعي في كتابه “أسمهان تروي قصتها”: كانت فيها أنوثة لكنها لم تكن جميلة بمقاييس الجمال.. وجهها المستطيل وأنفها الذي كان مرهفا أكثر بقليل مما يجب وطويلا أكثر بقليل مما يجب.. وفمها الذي كان أوسع بقليل مما يجب وذقنها الثائر أو البارز إلى الأمام أكثر بقليل مما يجب.. لكن عيناها كانت كل شيء.. في عينيها السر والسحر والعجب.. أسمهان كانت تعرف كيف تستعمل سحر عينيها عند اللزوم”.

كان التابعي قد ألتقى أسمهان بعد وصولها مصر في إحدى التياتروهات وأعجبته، ثم عرفه عليها محمد عبد الوهاب ودعاها إلى الغناء في حفلة بمنزله، واختفت أسمهان فترة، علم التابعي أنها عادت إلى الشام وتزوجت من ابن عمها، لكن زواجها لم يستمر طويلا وتم الطلاق وعادت أسمهان إلى القاهرة.

المطربة أسمهان، محمد التابعي

وقع التابعي في هوى أمال الأطرش أو إيميلي التي اشتهرت بـ”أسمهان”، وقرر أن يتزوجها ووافقت وأعلنا خطبتهما، وانتشرت صورهما في الصحف، وصارت قصة حبهما حديث الشارع،  ووفقا لما نقلته الكاتبة الصحفية سناء البيسي في كتابها “سيرة الحبايب” فإن مصطفى أمين لاحظ أن التابعي منذ أحب أسمهان أصبح يهمل عمله ويتابع أخبارها لا أخبار الوزراة، وكان له أكثر من مندوب في بيتها يوافونه بتحركاتها ومن يزورها ومن يتكلم في التليفون ومن ضحكت له.

ضغط عليه زملاؤه في “آخر ساعة” ليتركها حتى يعود إلى عمله، فسافر التابعي إلى أوروبا في صيف عام 1939 وترك أسمهان في القاهرة، وربما كان هذا البعد بينهما سببا في زواجها من المخرج أحمد بدرخان، ورغم زواجها استمر التابعي في علاقته بها ودعمها لتحصل على الجنسية المصرية.

وعندما ماتت أسمهان في حادث سقوط سيارتها بترعة الساحل، حزن التابعي حزنا كبيرا، وكتب عنها: “السيدة الوحيدة التي أحببتها في حياتي ومازلت أحبها وسأبقى أحبها هي آمال الأطرش.. أسمهان”.

قلب عاشق

في إحدى زيارته إلى باريس التقى التابعي ببعض محررات “آخر ساعة”، وسألنه عن حالة قلبه وكم مرة أخفق بالحب، فأجاب: لست من المؤمنين بنظرية الحب الواحد.. أن القول بأن المرء يحب مرة واحدة في حياته أو أن القلب لا يسع لحبيبين.. هذا في رأيي هذر وسخف.

ويضيف: مرت بي في حياتي فترات أحببت فيها أربعا في وقت واحد وبين كل منهن والأخرى ما بين الشرق والغرب من فروق ومع ذلك أحببتهن جميعا معا.. وأخرج من هذا إلى أن قلبي قد يخفق مرة كل أسبوع حسب الحالة.

وعن المرات التي أحب فيها التابعي خلال زياراته لمدينة سان مورتيز السويسرية، أجاب وفقا لما نقله عنه الكاتب صبري أبو المجد: الأولى كانت فتاة إنجليزية ملحوسة تماما في سن التاسعة عشرة تهوى ركوب الخيل وتحب الانزلاق على الجليد ولقد أحبت في الأسبوع الأول مدرسا سويسريا وفي الثاني أحبت أمريكيا ومن بعده شابا فرنسيا والرابع بلجيكيا والخامس نرويجيا وقالت لي بعد سفره وقبل سفري: هل تريد أن تجرب بختك؟ وأجبتها: انتظري حتى أشاور عقلي. أما الثانية فهي أميرة بولونية سابقة.. سمراء خمرية اللون لم أعرف أسمها ولا من أين جاءت في البداية ثم عرفت أنها أصيبت في ساقها أثناء انزلاقها على الجليد ونقلت إلى المستشفى وبعثت إليها بالزهور.. أما الثالثة فقد كانت ألمانية في الثلاثين من عمرها توطدت بيننا صداقة بريئة وأرجو أن تظل كذلك.

فتش عن المرأة

ولأنه خبير في عالم النساء، حمل التابعي المرأة مسؤولية الأحداث الجسام التي حلت بالعالم، وكتب تحت عنوان “فتش عن المرأة”: مكتبة التاريخ ينقصها كتاب عنوانه “فتش عن المرأة”، ولو حظيت المكتبة بهذا السفر النفيس لعرف العالم أن معظم الأحداث الجسام وقعت بسبب امرأة وأن معظم الثورات والانقلابات كان لأصبع المرأة فيه أكبر نصيب.

مع ذلك لم يكن التابعي يترك فرصة دون أن يكتب عن المرأة وحقوقها. يقول أبو المجد في كتابه: لا أحد يمكن أن ينفي عن التابعي أنه كانت له مغامراته الكثيرة كما كانت له قصص عاطفيه كثيرة، ولكن أكانت حياة التابعي كلها حب في حب ومغامرات في مغامرات؟ كل إنسان حر في حياته الشخصية ولكل إنسان حق في أن يتصرف شخصيا وفق رغباته وميوله، ولكن بالنسبة للتابعي لم يكن الأمر كذلك دائما وأبدا.. كان التابعي صحفيا عظيما وكاتبا عظيما قبل ان يكون مغامرا في دنيا الغرام.. لم تلهه قصص الغرام عن أداء واجبه الصحفي كأعظم ما يكون الأداء.

أما رفيق عمره فكري أباظة فيصفه في مجلة “المصور” قبل رحيله بشهور عام 1975 قائلا: مزيج من أمير وسيم ومشاغب سياسي ومغامر عاطفي.. كان يحمل قلما يفتح له الأبواب ويرفعه إلى آفاق يطل منها على دنيا واسعة تشغل المرأة فيها أوسع مكان.. وهو إذا ما غامر وشاغب وكتب وكره صار شخصية ذات أبعاد بعيدة وأصبح فتى الصحافة الأول.

فكري باشا أباظة

استراحة أمير

في عام 1963 كتب التابعي: “قال الخوارزمي إذا عارضك تيار النهر فسر معه وإلا أغرقك.. وكثيرون يعملون بقول الخوارزمي ولكني رفضت العمل بهذه الحكمة ومن هنا كثيرا ما عارضت تيار النهر وغرقت أو أوشكت على الغرق”.

وأضاف: “كان أحد الزملاء قد قال عني منذ نحو خمسة عشر عاما أنني أكتب لأعيش، ولم يكن ما قاله الزميل صحيحا يومئذ فقد كنت أعيش لأكتب وأعلن ما هو حق وصدق أو ما أعتقد أنه حق وصدق ولا أزال حتى اليوم أكتب وأعلن ما أعتقد أنه حق وصدق، ولكنني كما قال الزميل منذ نحو خمسة عشر عاما أصبحت الآن أكتب لأعيش، والإ لكنت رميت بالقلم وهجرت الكتابة لأنني تعبت، تعبت جدا، وأود أن استريح”. استراح التابعي.. ورحل.. لكن بعد ثلاثة عشر عاما من كتابة ذلك المقال.

جرافيك الغلاف: عبد الله محمد

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق