فن

علي الشريف.. قيراطان من طين مصر

رغم أدواره القصيرة في أكثر من مائة وسبعين عمل فني، إلا أنه ترك في كل عمل بصمة لا تتكرر، لم يكن اللافت في علي الشريف ملامحه الغليظة وصوته الأجش فقط؛ بل أداؤه الذي ينساب عفويا عميقا يتصل في تفاصيله بكل عناصر العمل الفني، يتفاعل معها في تناغم؛ فيكمل ويضيف ويتجاوز حدود المألوف.

الصدق والعفوية هي النهج الذي سار عليه الشريف في حياته، لم يحد عن مبادئه ولم يتغير ولم يمد عينيه إلى شيء، استقامة في الروح انعكست على كل فعل صغر أم كبر، كان بحق استثناء بالغ الروعة والرقي على المستويات كافة، كنز مخبوء من الرقة والتضحية والإخلاص، قلب يسع الدنيا ولا يأبه بما فات لأنه يحمل يقينه كاملا أينما حل، وهبه الله غنى نفس لم يعرف الفاقة أبدا في أحلك الظروف.

أعظم أدوار على الشريف لا تتجاوز عدة مشاهد في كل فيلم، القصة الأروع هي رحلة حياة هذا المناضل اليساري النبيل الذي قضى مبكرا ست سنوات من عمره في معتقل الواحات ذاق فيها من صنوف العذاب ما يجل عن الحصر. ذلك الشاب العشريني الطالب في كلية الهندسة جامعة القاهرة، المسكون بمعاناة الناس وأحلامهم، المؤمن بوحدة أمته وقدرتها على المواجهة، يترك أبواب المستقبل المشرعة على أحلام هي قيد التحقق؛ لينخرط في العمل السياسي؛ ليكون عضوا بارزا في أحد التنظيمات اليسارية، ثم متهما بقلب نظام الحكم، ثم أسيرا للعتمة والنوافذ المغلقة لليال سوداء طويلة هي أطول من أن تُحصى.. لكن نفس الشريف وهمته العالية كانت أكبر من كل ذلك، روحه عصية على الانكسار، قلب هو الأمل مكتملا فلا يخالطه قنوط، حتى أنك لتخاله هازئا من نوائب تنهد لها الجبال.

في دور دياب في فيلم الارض1970، إلى جوار العملاق المليجي

“دياب” الأرض ليس دورا اختاره له المخرج يوسف شاهين، بل إن الشخصية رسمت على صورة الشريف قبل البدء في إنتاج الفيلم بسنوات، أثناء تلك السنوات الحالكة في معتقل الواحات كتب السينارست حسن فؤاد سيناريو رواية “الأرض” لعبد الرحمن الشرقاوي، بينما كان الرفاق يقدمون عروضا مسرحية لنعمان عاشور وصلاح عبد الصبور. في تلك الأيام “قيراطان من طين مصر استويا رجلا” هكذا قال حسن فؤاد عن الشريف لـ “شاهين” عندما كانا في انتظار بطلنا الذي ما إن أطل حتى استقبله “شاهين” مرحبا: أهلا دياب.

لم يصدق أحد أن هذه كانت إطلالة الشريف الأولى، أداؤه لا يمكن مقارنته بأحد، في وجود العظيم “المليجي” الحديث عن أداء الآخرين لا يتخطى حدود الاستحسان، لكن الشريف لم يمثل الدور، لقد تنفسه بعمق كأنه نسمة رطيبة من هواء مصر العليل.. معاناة ذلك الفلاح المعدم حين تتجسد لا يجب أن يسبقها حضور الدروس في المعهد أو حتى الاستماع باهتمام إلى ملاحظات كبار الفنانين.. تجسيد تلك المعاناة.. رسم ذلك الشقاء وهذا الحرمان وذاك الشوق العارم للطين الندي لا يحتاج إلا أن تكون منذ البدء مولانا الشريف ليس أكثر.

في دور رزق في فيلم “على من نطلق الرصاص”1975.

أدوار الشريف، على قصرها، تنوء بحمولة إنسانية وفنية باذخة، هو لم يعط تلك الأدوار اهتماما زائدا، كان يؤديها بعفوية وبساطة مبهرة؛ لأنه رآها في الحقيقة كثيرا وتأملها بعمق وخبر صدقها الإنساني ومحنتها الكبرى في عالم لا يعرف الرحمة.. بكري في “الإنسان يعيش مرة واحدة” هو الشريف بشحمه ولحمه الذي حاول طوال الوقت الهروب من عذاباته إلى حياة جديدة يزرع فيها الود أينما حل، وهو أيضا “شمشون” في جانبه المضيء الذي يتعاطف مع البطل المقهور، يعتبره ابنا له ويورثه ماله، لكنها تركة القهر والحزن المقيم الذي لا ينتهي في “حب في الزنزانة”.

أما الشيخ أحمد في عصفور “شاهين” فقد كان هو الشريف الشيوعي المتدين المثقف الذي لا يترك فرضا، لكنه يقرأ سارتر و كانط ويقدر الديالكتيك ويبكى عبد الناصر يوم وفاته بحرقة، برغم أنه سُجن وعُذب في عهده.. وفي “على من نطلق الرصاص” كان “رزق” ذلك الشاهد على نحر جيل بأكمله أراد أن يتصدى بصدره العاري لرماح الفساد المسمومة في زمن الانفتاح الاستهلاكي وعصر القطط السمان.

قبيل وفاته عام1987، عن عمر ناهز الثالثة والخمسين

كان الشريف مثقفا عضويا حقيقيا لا غش فيه وفق معيار مفكرنا الأمين محمد عودة، مناضلا يشتبك بواقعه أينما حل.. في المسرح يسمع لكل ذي شكوى ويعمل على حل مشكلات زملائه، كذلك في الحي الذي كان يسكنه شابا في ميت عقبة، وفي الحي الذي قطنه بعد زواجه، في بنك الإسكندرية في تلك الفترة القصيرة التي عملها استجابة لطلب والد زوجته أن يكون صاحب وظيفة، بعد أن حالت ظروف الاعتقال دون إكمال الشريف لدراسة الهندسة؛ فتحول إلى كلية التجارة ونال البكالوريوس في المحاسبة، وفي منزله بين أبنائه الستة وزوجته العظيمة التي خبرت حقيقة جوهره النادر؛ فكانت له نعم المعين وخير السند، في كل مكان كان “علي” يحل به كانت روح الود والمحبة تظلل الجميع. لا عجب وهو من نسل الطيبين الأطهار، فهو شريف من آل بيت الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، وقد تعجّب من التزامه ذات يوم أحد معارفه، وهاله أن يكون بهذا التقى والورع والحرص على أداء الفرائض على الوجه الأكمل وهو من أبناء الوسط الفني المعروف بتحرره وانفلات أفراده؟ فجاءه رد الشريف مفحما: إن غرني عفو خالقي ورحمته؛ فإني والله أستحي من جدي -رسول الله- أن أضيع فرضا أو أن أقارف ذنبا؛ فاللهم اشملني بعفوك.

المؤسف أن علي الشريف ظل محروما من حقوقه السياسية منذ خروجه من المعتقل إلى قبيل وفاته؛ لم يستطع الإدلاء بصوته في أي استحقاق انتخابي، ولم يستطع الانضمام لأي حزب لممارسة العمل السياسي الذي ظل شغوفا به حتى رحيله؛ لكنه استعاض عن ذلك كله بالتواجد الدائم بين الناس، بين من ظل مؤمنا طوال حياته بحقهم في الحرية والعدل والعيش الكريم.

أكثر من ثلاثة عقود مرت على تلك الليلة التي رحل فيها الشريف إلى جوار ربه راضيا مرضيا. كان قد سهر طوال الليل عاكفا على كتاب عن مأساة كربلاء، واستغرقت روحه في تفاصيل ذلك اليوم الحزين، بكى حتى انفطر قلبه حزنا، غالب دموعه وقام لصلاة الصبح ثم أيقظ زوجته وأوصاها وعرَّفها بما له وما عليه، ثم نطق الشهادتين وأسلم الروح في سلام.

روح الثائر النبيل كانت حاضرة في ميدان التحرير يوم تنحي مبارك في فبراير 2011، نجله البكر حسن فؤاد الذي أسماه على اسم صديقه السيناريست الذي اكتشف موهبته كان أحد ثوار الميدان، كانت الجموع الغاضبة تومئ لقافلة الشهداء بينما كان الشريف يضم الميدان بما حوى بحنان وابتسامة لا تعرف الغياب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: