منوعات

الطريق إلى الديمقراطية (4) التآمر على الدستور

في 26 يونيو سنة 1879 تم خلع الخديوي إسماعيل، وتولى حكم مصر بعده ابنه محمد توفيق باشا، كانت برقيتان سلطانيتان من الأستانة قد أبرقتا إلى القاهرة، واحدة إلى الخديوي إسماعيل بصفته الخديوي السابق تخبره بتنحيته وتعيين نجله مكانه، والأخرى تخبر توفيق بتعيينه خديوي جديد على مصر.

كان الطلب الوحيد الذي أبداه إسماعيل لنجله حين ذهب إليه مع رئيس النظار شريف باشا بعد أن أخذ يد ابنه ورفعها إلى شفتيه وقبلها قائلاً: أحييك بصفتك أفندينا، ثم قبله على وجنتيه وقال: “أتعشم ألا تنسى أنني والدك”، وغلبه التأثر فذهب إلى جناحه الخاص على الفور.

جاءت أول نصيحة من القنصل البريطاني إلى الخديوي الجديد بإبعاد أخويه الأميرين حسن وحسين المعروفين بحماسهما لوالدهما فقرر توفيق نفيهما على الفور، وكان هذا أول قرار يتخذه الخديوي الجديد.

في البداية لم تشك الدوائر الوطنية المطالبة بالدستور للحظة في أن الخديوي الجديد سوف يصمد ويحقق ما بدأه والده في أخريات أيامه، كانت الحركة الوطنية مستبشرة بالخديوي توفيق الذي كان وثيق الصلة بكل أقطاب الحركة، وكان تلميذاً شديد الولاء لأستاذه جمال الدين الأفغاني، وهو الذي استقال من رئاسة النظارة ليتولى شريف باشا مكانه استجابة لمطالب الدوائر الوطنية.

الخديوي توفيق

بداية مبشرة

حين جلس توفيق على العرش استقال شريف باشا من رئاسة النظارة اتباعا للمألوف عند تغيير ولي الأمر، وعهد إليه الخديوي توفيق تأليف الوزارة على نفس المبادئ التي تسلم الحكم على أساسها في عهد أبيه، وجاء في خطاب التكليف: (ولعلمي أن الحكومة الخديوية يلزم أن تكون شورية ونظارها مسئولين فإني اتخذت هذه القاعدة للحكومة مسلكاً لا أتحول عنه، فعلينا تأييد مجلس شورى النواب وتوسيع قوانينه لكي يكون له الاقتدار في تنقيح القوانين وتصحيح الموازين وغيرها من الأمور المتعلقة بها).

كان مشروع الدستور ومشروع قانون الانتخاب اللذان أنجزتهما وزارة شريف باشا قد تمت مناقشتهما في مجلس شورى النواب، وصادق المجلس عليهما مع بعض التعديلات، ثم توقفت الأمور عند هذا الحد حين بدأت وقائع خلع الخديوي إسماعيل. وحين أعاد الخديوي الجديد تكليف شريف باشا برئاسة الوزارة بادر الأخير برفع المشروعين بخطاب إلى الديوان يعيد فيه تأكيد المبادئ التي اتفق عليها الجميع قال فيه:

(مهر دار جناب خديوي سعادة تلو أفندم حضرتلو)

شريف باشا

“لما كانت الشورى هي الأساس الأول لكل حكومة متمدينة لما يترتب عليها من المزايا الجمة للبلاد، وكان مجلس النواب الذي تأسس بهذه الغاية منذ عدة سنوات مضت لم تحصل منه الفائدة المطلوبة لعدم حصوله على كل الامتيازات المتحصلة عليها النواب في البلاد الأخرى، ولعدم وجود قاعدة للانتخاب بطريقة مستقلة، وبما أن مسئولية النظار تستوجب وجود هيئة حرة تكون تلك المسئولية لديها بالمعنى الحقيقي، لهذا اشتعل مجلس النظار بهذه المسألة المهمة ووضع لائحة أساسية (دستور) تشتمل على حقوق النواب وواجباتهم ولائحة أخرى للانتخاب وأرسلهما لمجلس النواب مدة انعقاده وتصدق عليهما بعد أن أجرى عليهما بعض التعديلات، وحيث إنه بالاطلاع على هاتين اللائحتين وجدتا مطابقتين لأفكار الحضرة العلية الخديوية التي جل أمانيها هي تأييد الشورى وإعلاء مقدارها حسبما اقتضته الإرادة السنية، فاقتضى تحرير هذا لسعادتكم ومعه اللائحة الأساسية ولائحة الانتخاب اللتين استقر عليهما الرأي أخيرا بأمل عرضهما على الأعتاب، ومتى وافق يصدر الأمر بذلك بالتصديق عليهما لأجل طبعهما ونشرهما وإجراء العمل على مقتضاها”.

أفندم

رئيس مجلس النظار (محمد شريف)

استقالة الوزارة

لم يكن الخديوي توفيق ليرضى عن نزعة شريف الدستورية، ولم يكن إبقاؤه إياه في الوزارة عند ولايته العرش إلا لتمر الأيام الأولى من حكمه في هدوء وطمأنينة، فلما انقضت تلك الفترة، ظهر الخلاف بينهما مبكراً على نظام الحكم، وتأخر رد السراي على مذكرة شريف باشا، وحينما استعجل الأمر لم يتلق جوابا، وحين عاود الاستعجال جاءه الرد بأن الخديوي يرى تأجيل التصديق على اللائحتين، وعرف شريف باشا أن القنصل البريطاني كان دائم التردد على الخديوي وأنه طلب إليه رفض التصديق وأنه امتثل للأمر.

قدم شريف باشا استقالة وزارته في أغسطس سنة 1879، وكان الوزراء قد تعاهدوا ورئيسهم على أنه إذا لم يجب طلبهم فالوزارة تستقيل ولا يقبل أعضاؤها الاشتراك في وزارة أخرى تتألف على غير هذا الأساس، وقد بر الوزراء بعهدهم ما عدا محمود سامي باشا البارودي ومصطفى فهمي باشا، فإنهما رضيا بالاشتراك في الوزارة التي تولى الخديوي رئاستها، ثم في وزارة رياض باشا.

مصطفى فهمي باشا، محمود سافمي البارودي باشا

صدم الرأي العام لاستقالة شريف المبكرة، وجاءت الصدمة التالية حين عرف الرأي العام أن الخديوي توفيق سيتولى بنفسه رئاسة النظارة، وكانت هذه بدعة في نظام الحكم ورجوعاً به إلي الوراء، لأن القاعدة المتبعة منذ تأليف مجلس النظار في أغسطس سنة 1878 أن يكون للوزارة رئيس يتولى اختيار أعضائها ويرأس جلسات (مجلس النظار)، فتشكيل الوزارة الجديدة من غير رئيس كان يشير إلى ميول الخديوي توفيق الاستبدادية ورغبته في الرجوع إلي طريقة إسماعيل القديمة من تعيينه وزراء لا تتألف منهم هيئة مستقلة بل يكونون سكرتيرين خصوصيين له.

نزعة استبدادية

جاءت أول إشارة على توجه الخديوي الجديد حين اجتمع مجلس شورى النواب بجلسة 16 رجب سنة 1296 هـ الموافق 6 يوليو سنة 1879 برئاسة مصطفى بك فهمي وتليت إفادة وزارة الداخلية، ومضمونها أن النظر في اللائحتين (الدستور وقانون الانتخاب) يقتضي زمناً طويلاً، ولذلك ترى الترخيص لحضرات الأعضاء بالتوجه إلى بلادهم، وبعد تاريخه ينظر فيما يلزم، وكانت تلك آخر جلسة تعقد في الدور الثالث من الهيئة النيابية الثالثة.

وفجع الرأي العام مرة أخرى حين صدر في اليوم التالي قرار بطرد جمال الدين الأفغاني من مصر على أن يتم ذلك خلال أربع وعشرين ساعة، وشنت الصحف الحكومية حملة ضارية على «الأفغاني الأفاق» وسمته «ضلال الدين»، وبدت نوايا الخديوي الجديد تتكشف للجميع.

لم تستمر وزارة توفيق باشا طويلا، وفي سبتمبر سنة 1879 استدعى الخديوي رياض باشا من أوروبا لكي يتولى رئاسة “مجلس النظار”، وكان هذا القرار يعني أن توفيق قرر المضي قدماً في التوجه الاستبدادي من جديد، فقد كان «رياضستون» كما يسميه الوطنيون قد غادر مصر خوفا من الخديوي إسماعيل، ليعمل هو ونوبار معاً في القسطنطينية وفي أوروبا للإطاحة به، وكان رياض استبدادياً عتيقاً فضلاً عن كونه رجل بريطانيا بعد نوبار، وقد وصفه القنصل الفرنسي “البارون دي رنج” بأنه عميل أكثر خسة من الأرمني (يقصد نوبار)، وكان يقول إنه عاد لكي يعمل مع الخديوي على تسليم مصر إلى بريطانيا.

حكمت وزارة رياض البلاد حكماً مطلقاً، وانحازت للنفوذ الأجنبي، وأعادت سلطات المراقبين الماليين البريطاني والفرنسي بأوسع مما كانت عليه، ومكنت الأوروبيين من التغلغل في كيان مصر الاقتصادي والمالي، وباعت حصة مصر في الأرباح السنوية لقناة السويس، وأصدرت قانون التصفية، وهو قانون فرضته الدول الأوروبية لتسوية علاقاتها بالدائنين، وأساءت إلى الموظفين المصريين أشد الإساءة، وعزلت الكثيرين منهم، وأسندت للأجانب المناصب الكبيرة، وخصتهم بالمرتبات الكبيرة والمزايا العديدة.

كان الهدف من وزارة رياض باشا واضحاً، وهو تصفية الحركة الوطنية المطالبة بالدستور، وقد بقيت البلاد في عهد وزارته محرومة من الحياة النيابية مدة سنتين متواليتين، لم يجتمع خلالها مجلس يمثل الأمة، ولا مجلس شورى النواب القديم الذي كان موجوداً من قبل، إلى أن قامت الثورة العرابية.

هبة عرابي

تحرك عرابي باشا على رأس الجند، وساروا إلي ميدان عابدين يوم الجمعة 9 سبتمبر سنة 1881 وكان أول مطلب لعرابي في ذلك اليوم المشهود عزل وزارة رياض باشا، وتشكيل مجلس النواب، وزيادة عديد الجيش، فاستقال رياض نزولاً على إرادة العرابيين، ونادى زعماء الثورة بتكليف محمد شريف باشا بتأليف الوزارة فاستجاب لهم الخديوي توفيق.

مصطفى رياض باشا

استدعى الخديوي توفيق شريف باشا، وكان وقتئذ بالإسكندرية، وعهد إليه تأليف الوزارة فتردد أياماً في قبول المهمة، إذ كان لا يرضى عن تدخل الجند في السياسة، وما يفضي إليه من سقوط هيبة الحكومة وقيام الفوضى في البلاد. كان شريف ورياض يختلفان في النزعة، فبينما رياض يقر التدخل الأجنبي والحكم الاستبدادي، فإن شريف يكره الاثنين معاً، ويرى وجوب إقامة الحكم الدستوري، ووضع حد لتدخل الدول والأجانب في شؤون مصر، ولكنه كان يريد الحكم الدستوري الصحيح، وكأي سياسي تقليدي كان يرفض تدخل العسكر في شؤون الحكم، ويعتبره عدوانا على الدستور، فقضى بضعة أيام متردداً في قبول الرئاسة، حتى واثقه العرابيون ألا يتدخل الجيش في شؤون الحكومة، وذهب زعماء الثورة من الضباط وعلى رأسهم عرابي ليشكروه على قبوله الوزارة في تلك الأوقات العصيبة ، فاغتنم الفرصة لينبههم إلي وجوب ابتعاد الجيش عن التدخل في السياسة، فأجاب على كلمة الشكر التي سمعها منهم بقوله: «في علمكم ما قاله الأقدمون: آفة الرئاسة ضعف السياسة، ولا حكومة إلا بقوة، ولا قوة إلا بانقياد الجنود انقياداً تاماً، وامتثالهم امتثالاً مطلقاً».

وكان مما قال: « كل حكومة عليها فرائض وواجبات، من أهمها صيانة الوطن، وحفظ الأمن العمومي فيه، وهذا وذاك لا يتأتيان إلا بإطاعة رجالها العسكريين، فترددي أولاً في قبول الرئاسة، ما كان إلا تجافياً عن تأسيس حكومة غير قوية تخيب بها الآمال، ويزيد معها الإشكال، فأكون عرضة للملامة بين أخواني في الوطن وبين الأجانب، وحيث أغاثتنا الألطاف الإلهية، وحصل عندي اليقين بانقيادكم، فقد زال الاضطراب من القلوب، ورتبت الهيئة الجديدة من رجال ذوي عفة واستقامة، فأوصيكم بملاحظة الدقة في الضبط والربط، لأنهما من أخص شؤون العسكرية وأساس قواها، واعرفوا أنكم مقلدون أشرف وظيفة وطنية، فقوموا بأداء واجباتها الشريفة، وعلي القيام بأداء كل ما يزيدكم فخراً وسؤدداً، وفقنا الله وإياكم».

ألف شريف باشا الوزارة في اليوم الرابع عشر من شهر سبتمبر سنة 1881، وكانت هذه ثالث وزارة يؤلفها، وتقلد رئاسة الوزارة إلى جانب الداخلية، وعهد بالحربية إلي محمود سامي باشا البارودي، لأنه كان موضع ثقة العرابيين، أما بقية الوزراء فهم: حيدر باشا للمالية، وإسماعيل أيوب باشا للأشغال، ومصطفى فهمي باشا للخارجية، ومحمد زكي باشا للمعارف والأوقاف، والعلامة قدري باشا للحقانية.

وبدا أن مصر على موعد مع تاريخ جديد.

الوسوم

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

إغلاق