منوعات

الإعلام الأمريكي.. الكل غارق في فخ الاستقطاب السياسي

التنافس الإعلامي المحموم في الولايات المتحدة الأمريكية الذي كشفت عنه الانتخابات الرئاسية الأخيرة في عام 2016، ما يزال محل دراسات مكثفة تسعى لتحري أسباب حالة الاستقطاب السياسي غير المسبوق التي بدت واضحة في متابعات الإعلام لأخبار الحملات الانتخابية لمرشحي الحزبين الجمهوري والديمقراطي، والتي تخطت كل الخطوط المتعارف عليها في أية انتخابات سابقة.

دراسة بحثية موسعة تم الإعلان عن نتائجها أخيرا عكفت على تتبع أنماط مشاركة البيانات والمعلومات في منصات التواصل الاجتماعي خلال فترة الحملات الانتخابية منذ بداياتها الأولى وحتى إعلان فوز ترامب في السباق المحموم إلى المكتب البيضاوي في البيت الأبيض. كشفت الدراسة أن الاستقطاب السياسي خلال المعركة الانتخابية كان أكثر شيوعًا بين المحافظين عنه لدى الليبراليين، وأنحت الدراسة باللائمة على الأحزاب والقوى اليمينية المحافظة في الضرر البالغ الذي لحق بنزاهة وشفافية المعلومات خلال الانتخابات الرئاسية جراء المبالغة والأكاذيب التي تصدرت وسائل الإعلام اليمينية، وبدت بمثابة العدوى في انتشارها الواسع عبر مختلف المنصات الإعلامية ومجمل الخطاب السائد في المجتمع عامة.

دونالد ترامب

الدراسة التي جرت بالمشاركة بين دورية كولومبيا وعلماء في مركز بيركمان كلاين للإنترنت والمجتمع في جامعة هارفارد، ومركز MIT Center for Civic Media (معهد ماساتشوستس للميديا)، شملت مراجعة أكثر من 1.25 مليون مقالة أو مواد منشورة خلال الفترة بين 1 أبريل 2015 وحتى يوم إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

تباين المواقف

خلص الباحثون إلى أن القصص التي جرى تداولها من الديمقراطيين مؤيدي هيلاري كلينتون عبر وسائل التواصل الاجتماعي اتسمت بالتنوع في المصادر الإعلامية التي تنقل عنها بما يعكس رؤية مختلف الأطياف السياسية، بما في ذلك مصادر يمين الوسط مثل صحيفة “وول ستريت جورنال”، والشبكات الإخبارية واسعة الانتشار مثل التايمز والبوست، والمواقع الليبرالية الحزبية مثل هافنغتون بوستThe Huffington Post وذا دايلي بيست The Daily Beast.

على النقيض من ذلك، تجمع أنصار دونالد ترامب حول شبكة “بريتابارت” الإخبارية اليمينية واسعة الانتشار، التي يديرها ستيفن بانون، القومي اليميني المتشدد الذي اختاره ترامب مستشارا للشؤون الاستراتيجية، وتنحى مطلع العام 2018 بعد خلافه معه لاحقا، ولم يخرج ما تتداوله حملة الجمهوريين عن المواقع الإخبارية المشابهة التي تتبنى نفس التوجه الأيديولوجي، مثل ذي دايلي كولر The Daily Caller، وانفو وورز Infowars، فيما أسقطوا تماما من حساباتهم المنصات الإعلامية ذات التوجهات المغايرة، بل إنه حتى قناة فوكس نيوز المصنفة تقليديا كمنصة إعلامية محافظة، تم إسقاطها من دائرة تفضيلات مناصري ترامب عندما وجهت بعض الانتقادات له أثناء الانتخابات التمهيدية، ولم يتم إدراجها لديهم إلا بعد تحالفها لاحقا مع حملة ترامب.

هيمنة يمينية

وحسب نتائج الدراسة، فإن هذا النمط من “الاستقطاب غير المتماثل” أفضى إلى آثار ضارة عبر هيمنة طرح المواقع الإخبارية اليمينية بقيادة برايتبات على المشهد الإعلامي، ما دفع حتى وسائل الإعلام التقليدية إلى التركيز على قضايا ترامب المفضلة، مثل الهجرة والمخاوف المفرطة من الجريمة والإرهاب، وفي المقابل تم تقديم كلينتون بشكل أساسي عبر التركيز على التغطية الفضائحية على شاكلة استخدامها لخادم بريد إلكتروني خاص وتحميلها مسؤولية الهجوم على القنصلية الأمريكية في بنغازي .

واعتبر فريق الدراسة أنه من الخطأ تجاهل هذه القصص و التعامل معها على أنها مجرد “أخبار مزيفة”، نظرا لما تتمتع به تلك المنصات الإعلامية من مزيج قوي ومتماسك يجمع الحقائق مع أكاذيب مألوفة متكررة ويتم الإلحاح عليها في منطق تغلب عليه نزعات جنون العظمة والتصلب في الرأي، عبر شبكة واسعة تدعم بعضها بعضاً.

ورغم ما لفت إليه فريق البحث من أن استخدام المعلومات المغلوطة من قبل وسائل الإعلام الحزبية ليس جديدًا أو محصورا في الإعلام اليميني فقط، إلا أنهم اعتبروا أن حدة الهجوم على الصحافة وموقف الرئيس الأمريكي الصريح ضدها يعد ملمحا جديدا في هذا السياق.

ولم تعف الدراسة الصحافة التقليدية من المسؤولية عن هيمنة الإعلام اليميني على المشهد، وذلك عبر تحيزها المتطرف لقوى اليسار، رغم حقيقة أن معظم العاملين في الصحافة والإعلام ذوي نزعة ليبرالية. ورأى الباحثون المشاركون في الدراسة أن نسبة عالية من بين الذين يشاركون قصصًا من مواقع يمينية مثل بريتابارت، ويروجون لها على منصات التواصل الاجتماعي لديهم انتماءات سياسية مغايرة، إلا أنهم في النهاية يخضعون لهيمنة آلة الإعلام اليميني.

تحيزات غالبة

و يرى مراقبون و خبراء إعلاميون، ومنهم الكاتب تيموثي بي كارني الذي يعمل لصحيفة “ذي واشنطن اكسامينر”، أن تحيز وسائل الإعلام للقيم الليبرالية على حساب الموضوعية يبدو جليا ومؤكدا، ما يسهم في النيل من الثقة في جودة الصحافة لدى جمهور القراء والمشاهدين، ويلحق بالتالي ضررا بالغا بالممارسة الديمقراطية السليمة.

تيموثي بي كارني

ودلل كارني على رأيه بالإشارة إلى العديد من التحيزات السائدة في وسائل الإعلام الأمريكية في الفترة الأخيرة، خاصة الشبكات الإخبارية التي يبدو انحيازها لافتا لتبني سرد يساري في تغطياتها، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية. ويضيف كارني: الحقيقة أن المحافظين والمنتمين لليمين لا يختلقون هذا التحيز، فهو يبدو واضحا بطرق عديدة، بما في ذلك حركة تنقلات الصحفيين والإعلاميين بين الصحف والشبكات الإخبارية المختلفة، وعلى سبيل المثال، أصبح بيل كيلر محررًا في صحيفة التايمز بعد سنوات من شهرته ككاتب عمود في صحيفة نيويورك تايمز يتبنى مواقف ليبرالية إلى حد كبير.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق