مدونة أصوات

من يوميات طبيب مصري في «جوبا» (1)

خرجنا محبطين من عيادة جوبا فلابد من تسلمنا العمل رسميا فى السفارة لأن الخارجية المصرية والصندوق الإفريقى سيتعاملون معنا هنا من خلال السفارة، ولابد من الاستفسار منهم عن عدة أشياء خاصة بعملنا وأمورنا المادية وقد قيل لنا قبيل السفر أن بعضا أو أحدا من أعضاء السفارة سيكونون فى استقبالنا لدى وصولنا إلى مطار جوبا، ولم يحدث ذلك ونحن مسافرون غدا من جوبا إلى (بور) على متن طائرة هليكوبتر، فما العمل؟

سرنا هائمين باتجاه الشمس الغاربة التي تتهيأ للانسحاب رويدا رويدا، نسأل عن مكان السفارة المصرية فى (جوبا) متجاهلين أنه من الخطورة الشديدة السير هكذا فى شوارع المدينة الخرساء الخالية إلا من السيارات الفارهة المارقة بسرعات جنونية بجوارنا، وزجاجات الخمر الفارغة على اختلاف أشكالها وألوانها ملقاة بإهمال على جوانب الطرقات، وبعض الفقراء شبه العرايا المنتشرين على أرصفة الطرقات بأسمال بالية تغطي ما تيسر من أجسادهم النحيلة.

لا مواصلات عامة تقلنا إلى حيث نريد، وحتى لو أتيح لنا استيقاف أحد من المارة فلا تسعفنا لغتنا العربية أو الإنجليزية للتفاهم معه، فيبدى ضيقه وضجره ويتركنا مزمجرا إلى أن التقينا من يتحدث الإنجليزية بطلاقة ووصف لنا مكان السفارة، كانت على بعد نحو كيلومترين من وصفه لنا، ذهبنا إلى مقر السفارة لنجده غارقا فى الظلام الدامس، دون حتى شمعة يتيمة تشير إلى أن هنا حياة.

في الظلام تجولنا حول أسواره العالية التى تحيط مساحته الشاسعة مترامية الأطراف، يتوسطها مبنى لا يشغل عشر تلك المساحة، وحين وصلنا إلى البوابة الحديدية المصمتة العالية لم نجد جرسا ندق عليه ليسمعنا من بالداخل، طرقنا البوابة نحن الخمسة بأيدينا ليخرج لنا موظف أمن البوابة بكشاف صغير فى إحدى يديه يستطلع بنوره الخافت وجوهنا وحين خمن أننا مصريون رحب بنا بلهجته الصعيدية قائلا: يامرحب يامرحب، وأتى لنا بمقاعد وأكرم ضيافتنا. وحين سألناه عمن بالسفاره ليسلمنا العمل لأننا مسافرون غدا لمدينة ( بور)، قال : لا أحد بالسفارة سواي وبعض العمال، وحين رأى إصرارنا على مقابلة أى مسئول بالسفارة تركنا لدقائق ليجرى بضعة اتصالات هاتفية، بعدها عاد إلينا مستبشرا بقوله إن المسئولين بالسفارة من السفير إلى المدير الإداري ” شوقي ش.” سيكونون هنا خلال أقل من نصف ساعة فشكرناه على موقفه الرجولي معنا.

تلقى موظف الأمن بالسفارة تعليمات هاتفية بأن يفتح لنا صالة الانتظار الملحقة بمكتب السفير المصرى فى جوبا إضافة إلى تعليمات بتشغيل المولد الكهربائي الخاص بالسفارة، تبدد ظلام السفارة في لحظات، جلسنا نحن الخمسة فى انتظار القادمين ولم يمض من الوقت أكثر من نصف ساعة حتى سمعنا صوت سيارة تزمجر خارج مكتب السفير ويخرج منها شاب بملابس كاجوال فى الثلاثينيات من عمره قدم نفسه لنا بصفته نائب السفير، ترك المقاعد وجلس بطريقة شبابية مرحة على مكتب خشبى فى الصالة وتساءل مبتسما: ماالمشكلة؟

ما أن بدأنا فى الحديث حتى سمعنا صوت أكثر من سيارة فارهة تتوقف أمام المكتب ويدخل بضعة أشخاص قبل أن يهم موظف السفارة بالإسراع لفتح مكتب السفير ليدخل، هو ضخم الجثة عريض المنكبين ببذلته الأنيقة وقامته الفارعة وبنيته القوية صامتا بملامح محايدة التعبير، يجلس خلف مكتب يشغل حيزا غير قليل من مساحة الغرفة، ويدخل من خلفه عدد آخر مفتولي العضلات من أعضاء السفارة ونحن الخمسة من خلفهم.
وقف بالباب شخص عرفنا فيما بعد أنه المدير الإداري بالسفارة الأستاذ “شوقي س.” الذي سبق أن أبلغنا هاتفيا قبل ساعات ألا نأتي إلى السفارة إلا صباح الاثنين للنظر في أمورنا الإدارية، رغم علمه بأننا سنسافر صباح غد الأحد لمقر عملنا في العيادة الطبية بمدينة (بور).

جلسنا على مقاعد أنيقة دون أن ننبس ببنت شفة، ساد صمت قصير لزج للحظات قبل أن يتحدث السيد أيمن الجمال سفير مصر في جوبا مرحبا بنا ومهنئا بسلامة الوصول من القاهرة ومعرفا بأعضاء السفارة عضوا عضوا، أعقب ذلك بقوله المفاجئ باقتضاب: ما المشكلة؟ تحدث أكبرنا سنا الدكتور أشرف. ق. قائلا بديبلوماسية بددت بعضا من الاحتقان الذى لاحظناه على وجوههم: لم يكن في تصورنا مجيء سعادتك وكل العاملين بالسفارة، خاصة بعد أن علمنا أن اليوم السبت هو نهاية أسبوع العمل وغدا الأحد هو يوم العطلة الرسمية في جنوب السودان، وهذا فى حد ذاته كفيل بحل أية مشكلة، فقط ما كنا نريده أن تعلم السفارة بوجودنا وأن تسلمنا العمل رسميا وأن تقرر شئوننا الإدارية قبل سفرنا باكر لمدينة (بور) حسب تعليمات المسئولين فى وزارة الخارجية والصندوق الأفريقى لنا فى القاهرة لأنه من الصعب أن نسافر إلى ( بور) ونأتى مرة أخرى إلى ( جوبا) العاصمة فقد كان فى تصورنا أن يقابلنا أى موظف بالسفارة لأننا نجهل البلد وظروفه وهو مالم يحدث.

رد السفير باقتضاب: لم تخبرنا الخارجية بشيء عنكم. تدخلت بدوري في النقاش قائلا: ليسمح لى معالى السفير بالقول أن السيد مساعد وزير الخارجية لدول حوض النيل قد أجرى اتصالا هاتفيا بالسفارة هنا فى آخر اجتماعه بنا لتحديد خطة عملنا،
رد السفير على الفور: نعم نعم الاتصال كان معي لكنه -أى الاتصال- ليس DOCUMENTED قالها بالإنجليزية، ويعنى بها أنه ليس أمرا كتابيا. رددت: معالى السفير مثل هذا الاتصال وبهذا المستوى أمر DOCUMENTED
-قلتها بالإنجليزية- وواصلت حينما لاحظت بعض الوجوم على وجهه: وعموما وجود سعادتك معنا الآن أمر لم يكن فى تصورنا مطلقا فقد كان أقصى تصوراتنا أن يحل الأستاذ “شوقى” تلك المسألة، نظر السفير إلى الأستاذ “شوقى.ش” الواقف بالباب وقال له: نفذ التعليمات الإدارية يا شوقي من الآن.

رد الأستاذ شوقي قائلا: حاضر يا أفندم، ويعتبروا أنفسهم تسلموا العمل من لحظة وصولهم مطار جوبا، فقط يأتون مع المجموعة الأخرى المسافرة لتشغيل عيادة (أكون) صباح الاثنين. عقب الدكتور أشرف على كلام الأستاذ شوقي قائلا: ولكن يا أستاذ شوقي تعليمات القاهرة لنا نحن مجموعة ( بور) أن نسافر صباح الأحد أما مجموعة (أكون) فهم يعلمون مسبقا أنهم سيسافرون الثلاثاء ناهيك عن أننا نقيم بفندق على حسابنا الخاص بتكلفة باهظة.

رد السفير منهيا الأمر: لا حل إلا ما قاله شوقي لأن غدا الأحد إجازة رسمية ويومين مش ها تفرق كتير يا دكتور. قلنا جميعا: لا مشكلة ننتظر ليوم الاثنين ونسافر الثلاثاء على أن تخطر السفارة الخارجية بالقاهرة بهذا الأمر كي لا يلومنا أحد هناك.
هم السفير بالقيام وتبعه الجالسون وأعطى تعليماته لأعضاء السفارة بتوصيلنا بسياراتهم الخاصة فقد تأخر الوقت ليلا إلى فندق (صحاري) وما أن وصلنا حتى وجدنا بقية الشلة في انتظارنا فى بهو الفندق المظلم مع (أبو جاد) اللبناني بقهقهاته المتعالية التي تثير الصخب فى جو محتبس الأنفاس.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: