منوعات

الطريق إلى الديمقراطية (5) الاحتلال يسقط الدستور

استفاقت الحركة الوطنية المصرية من غفلتها التي استنامت إليها بعض الوقت أملاً في “توفيق” الذي خدع الجميع، فيما كان على اتصال دائم بالقنصل البريطاني، وهو بعد أمير يتظاهر بالتودد إلى أقطاب الأمة وزعمائها. وحين توالت صدمات الخديوي الجديد أحست الحركة الوطنية بضرورة الاحتشاد وتنظيم الصفوف مجدداً، فاجتمع الباشوات الوطنيون سراً في حلوان يوم 20  نوفمبر سنة 1879، وانتهى الاجتماع بقيام أول حزب سياسي في تاريخ مصر، وأصدر الحزب برنامجه في بيان صدر ووزع سراً بالعربية والفرنسية، وطبعت منه عشرون ألف نسخة، وكان بمثابة إعلان مقاومة للتوجه الاستبدادي للخديوي توفيق ورئيس وزرائه رياض.

الخديوي توفيق

حدد البيان أهداف الحزب وبرنامجه: (يقوم الحزب لإنقاذ مصر من الهاوية السحيقة التي سقطت فيها تحت وطأة الربا والاستبداد. لقد استولى السماسرة والوسطاء والمغامرون على أكثر من ستين مليون جنيه من دين يبلغ تسعين مليون جنيه، ترغم مصر على سداده. وإن الحزب يؤكد أن مصر تريد أن تسدد الدين وتستطيع هذا، ولكن بشرط أن تتركها الدول الأجنبية حرة في تحقيق الإصلاحات العاجلة التي تحتاجها. إن فرض حكومات دخيلة على مصر يقف عقبة أمام أي إصلاح، وأن الحكومة القائمة لا صلة لها بمصر، ولا تمت لها بنسب، وقد فرضت على مصر من الخارج ولابد أن تذهب. وإن حل المسألة المالية يمكن أن يتحقق بتوحيد جميع الديون بفائدة 4% وأن تكون الأمة هي الضامنة، ويمكن أن تقوم مراقبة دولية خاصة ولكن مؤقتة، للإشراف على تحصيل فوائد الدين وأقساطه ولكن بدون أي تدخل في شئون البلاد).

وسارع شريف باشا حين تولى الوزارة إلى تحقيق مطالب الأمة، وأهمها تأليف مجلس نيابي كامل السلطة، على مثال المجالس النيابية الأوروبية، فرفع إلي الخديوي توفيق في 4 أكتوبر سنة 1881 تقريراً بإجابة مطالب الأمة في هذا الصدد، واتبع في تحقيقه خطة تدل على الحكمة وسداد الرأي ، ذلك أنه دعا إلي إجراء انتخابات عامة، طبقا للائحة مجلس شورى النواب القديم المؤسس في عهد الخديوي إسماعيل على أن تعرض الوزارة على المجلس المنتخب التعديلات التي ترى إدخالها على نظام المجلس، ليقرر ما يراه من التعديل في نظامه، حتى ينهض إلي مستوى المجالس النيابية الصحيحة.

الخديوي اسماعيل

وتم انتخاب مجلس جديد للنواب في ديسمبر 1881م، وافتتح الخديوي المجلس في 26 ديسمبر سنة 1881، وأخذ المجلس يتولى أعماله، فاجتمع يوم 29 ديسمبر سنة 1881 ( 8 صفر سنة 1299 هـ)، وكان السؤال المطروح على أعضائه هو: هل يسير المجلس على أحكام اللائحة الأساسية القديمة التي انتخب على أساسها، أو ينتظر وضع اللائحة الجديدة ( الدستور)، وتقرر بعد النقاش أن يسير المجلس على أحكام اللائحة القديمة إلى أن تقرر اللائحة الجديدة، وانتخب المجلس لجنة للنظر في اللائحة الجديدة التي اعتزمت الوزارة وضعها وتقديمها للمجلس لاعتمادها، وسميت بلجنة اللائحة (الدستور).

في اليوم الثاني من شهر يناير سنة 1882 عرض شريف باشا على المجلس مشروع القانون الأساسي للمجلس النيابي، كي يبحثه، ويقرر ما يراه فيه، أي أنه جعل من المجلس جمعية تأسيسية تملك وضع الدستور، وحوى المشروع القواعد الرئيسية للنظم الدستورية الحديثة، كتقرير مسئولية الوزارة أمام مجلس النواب، وتخويله حق تقرير الميزانية، والرقابة على أعمال الحكومة، وإلزامها بعدم فرض أي ضريبة أو إصدار أي قانون أو لائحة إلا بعد تصديق مجلس النواب.

ولما عرض شريف باشا مشروع القانون الأساسي على المجلس ألقى خطبة، ذكر فيها أنه في وضع هذا المشروع إنما ينفذ الخطة التي رآها منذ ثلاث سنوات في عهد الخديوي إسماعيل، ثم ذكر رأيه في القانون الأساسي القديم لمجلس شورى النواب، وأنه لا يلائم حالة البلاد، وأن هذا ما دعاه إلي وضع المشروع الجديد ( وهو مقتبس من دستور سنة 1879)، وألمح إلي أنه كان هناك رأي بعدم إطلاق سلطة المجلس طفرة واحدة، ولكن ثقته بكفاءة النواب جعلته يميل إلي تخويل المجلس سلطته التامة، مع احترام تعهدات الحكومة المالية المترتبة على اتفاقاتها مع الدول، أو على قانون التصفية، مؤملاً مع الزمن أن تتخلص البلاد من قيود هذه الاتفاقات.

شريف باشا

وتمت إحالة مشروع الدستور إلى اللجنة الدستورية المشكلة من المجلس، والتي باشرت النظر في مواده، وتوالت اجتماعاتها لهذا الغرض، وقد أقرت معظم مواد المشروع مع تعديلات يسيرة، فوزع شريف باشا على الوزراء المشروع مع ملاحظات اللجنة الدستورية، وكاد الأمر يتم بالاتفاق بين الحكومة والمجلس، لولا الأزمة السياسية التي نشبت بسبب تدخل فرنسا وانجلترا في وضع الدستور، وانتهت بسقوط وزارة شريف باشا. وحين بدا أن الحكومة ومجلس النواب أوشكا على الاتفاق على الدستور الجديد، تقدم وكيلا إنجلترا وفرنسا السياسيان إلي الخديوي بمذكرة من دولتيهما تتضمن اتفاقهما على تأييد سلطة الخديوي عند أي صعوبات من شأنها عرقلة مجرى الأعمال العامة في مصر، وأن الحوادث الأخيرة بالديار المصرية، وأخصها صدور المرسوم الخديوي بعقد مجلس النواب، قد هيأت الفرصة للحكومتين لاتفاقهما على منع ما عساه أن تستهدف له حكومة الخديوي من الأخطار.

أثارت هذه المذكرة سخط الأمة، واعتبرها الزعماء والنواب تدخلاً من الدول الأوروبية في شؤون مصر الداخلية، واعتداء على استقلالها وتحريضاً للخديوي على مقاومة الأمة، وذهبت أفكار الناس مذاهب شتى في الباعث على إرسال تلك المذكرة، وتبين أن غرض الدولتين خلق أسباب غير مشروعة للعبث بالدستور قبل أن يتم وضعه، فقد أعقب المذكرة اعتداء آخر، حيث تدخلت الدولتان مباشرة في صياغة الدستور حيث طلبتا عدم النص على حق مجلس النواب في تقرير الميزانية، وقد رأت الأمة أن مثل هذا الطلب يعد تدخلاً سافراً غير مقبول في شأنٍ خاص وداخلي لا يجوز لأي من الدول الأجنبية التدخل فيه، وارتأى شريف باشا درءاً للأزمة السياسية أن لا يبت مجلس النواب قراره النهائي في المادة المتعلقة بالميزانية، ويرجئها إلي حين تنجلي الغمة، حتى يتفادى التدخل المسلح من جانب إنجلترا وفرنسا، وطلب من العرابيين ألا يتعجلوا البت فيها، وأن يمهلوه حتى يتدبر في هذه المسألة ويعالجها بالتريث ومفاوضة الدولتين في شأنها.

رفض العرابيون وتشبثوا برأيهم ورفضوا التأجيل، وأقروا مادة الميزانية فوراً، كما وضعتها لجنة الدستور، فاستقالت وزارة شريف في 3 فبراير سنة 1882، وشُكّلت وزارة أخرى برئاسة محمود سامي البارودي باشا، وهي التي صدر في عهدها دستور 1882 بعد خمسة أيام فقط من استقالة وزارة شريف باشا.

محمود سامي البارودي

أدركت القوي الاستعمارية الأوروبية التي كانت تريد السيطرة علي مصر وعلى قناة السويس، أن الوقت يسير في صالح القوي الشعبية الممثلة في مجلس النواب الذي دخل في مواجهة سافرة مع رموز التدخل الأجنبي في مصر، وصار هدفها الأول أن تقضي على مجلس شورى النواب وقد بدا كشوكة في ظهر بريطانيا، وحين حاصرت الأساطيل البريطانية السواحل المصرية، ومع أول طلقة في معركة احتلال مصر، لم تكن التحصينات المصرية على شاطئ الإسكندرية هي الهدف، بل كان الدستور هو الهدف الأول، وكانت الحياة النيابية الناشئة هي الهدف الثاني، وحين سقطت مصر تحت الاحتلال في سنة 1882 سقطت في الوقت نفسه أول وأهم التجارب الدستورية في تاريخها.

الوسوم

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

إغلاق