منوعات

إسماعيل مظهر.. التنويري سابق «العصور»

“حرر فكرك من كل التقاليد، والأساطير الموروثة، حتى لا تجد صعوبة ما في رفض رأي من الآراء أو مذهب من المذاهب اطمأنت إليه نفسك وسكن إليه عقلك، إذا انكشف لك من الحقائق ما يناقضه”

تصدرت تلك العبارة، أغلفة مجلة “العصور”، التي أصدرها إسماعيل مظهر، (1891-1962)، في سبتمبر 1927، وأعادت نشرها “دار زويل” عام 1998 بدعم من صندوق التنمية الثقافية، التابع لوزارة الثقافة المصرية، بتقديم دكتور إمام عبد الفتاح، الذى حرص على تناول مسيرة إسماعيل مظهر باعتباره أحد أعلام النهضة الثقافية الحديثة في مصر، والعالم العربي أجمع.

مجلة العصور، واحدة من أبرز مجلات التنوير في النصف الأول من القرن العشرين، أصدرها إسماعيل مظهر عام 1927 على نفقته الخاصة، حتى توقفت عن الصدور في يونيه 1930 نتيجة إفلاسه بعد أن أنفق كل ما يملك على تلك المجلة التي بلغ شغفه بها مداه.

في العلم والدين

ضمت مجلة العصور العديد من الموضوعات المتعلقة بالعلم والدين، والعلاقة بينهما، إلى جانب كتابات تهتم بالتعريف بأعلام الفلسفة، فضلا عن الكتابات ذات الطابع السياسي والأدبي.

وقت أن أعلن حسن البنا تأسيس جماعة الاخوان المسلمين عام 1928، كانت مجلة العصور تطرح في أعدادها مقالات متنوعة تتناول قضايا الدين على نحو مختلف. يقول إمام عبد الفتاح: “في مجال الدين، تجد مقالات منوعة، عن ديانات شتى، منها الديانات المنزلة، اليهودية والمسيحية والإسلام، ومنها البابية، ومنها إشكالات دينية، مثل الإلحاد، وهل صلب اليهود المسيح؟، والأديان وهل تصبح شرائع أدبية، والعقل والايمان، وعلاقة الانسان بالله، والوازعين الديني والأدبي، وحديث فيلسوف عن الايمان والإلحاد … إلخ”.

إمام عبد الفتاح

ويضيف إمام عبد الفتاح: وفى الفلسفة، تجد تعريفا ببعض أعلام الفلسفة، بندكيت اسبنوزا، ورينيه ديكارت، ومكيافيللي، إلى جانب موضوعات فلسفية أخرى مثل فلسفة التاريخ وقصة الفلسفة ومبادئ الفلسفة الحديثة وحرية الفكر والثقافة والأخلاق، فضلا عن الكتابات الأدبية المتنوعة، من قصة وشعر ونقد أدبي وأدباء وشعراء عرب قدماء ومحدثون. وفى مجال السياسة تجد كتابات عن الديمقراطية وعصبة الأمم والقانون الدولي … إلخ.

ولد إسماعيل مظهر في القاهرة عام 1891 لأسرة ثرية ذات أصول تركية، فهو حفيد إسماعيل محمد باشا، وكان لخاله أحمد لطفى السيد أثرا بالغا في تبنيه الفكر الليبرالي، وحرص إسماعيل مظهر بعد وفاة لطفى السيد على جمع كتاباته وإعادة نشرها في كتاب.

يصفه أبنه جلال، قائلا: “ولد ومعلقة ذهبيه في فمه، كما يقول المثل، غير أنه لطيب عنصره وعلو همته، أبى أن يكون من أصحاب الفراغ واللهو”، ويضيف: كان يقول لي “خير لي أن أكون عبدا أطالب بحريتي، من أن أكون حرا لا أساوي العبيد”، ويتابع: “لقد دعا إلى حرية الفكر، بأسمى معانيها”.

في الصحافة والترجمة

برز إسماعيل مظهر في ثلاثة مجالات على التوازي: العلوم، والصحافة، والترجمة، وسافر إلى إنجلترا على نفقته الخاصة، ودرس بجامعتي لندن وأكسفورد خلال الفترة من (1908-1914)، شغف خلالها بالثورة التي أحدثها تشارلز دارون (1809-1882) في علم الأحياء، ما جعله يعكف على ترجمة كتاب دارون “أصل الأنواع وتطورها بالانتخاب الطبيعي”، وقدم لها بمقدمة طويلة تناول فيها الجذور الأولى لفكرة التطور، ابتداء من حكماء بابل وأشور ومصر، وصولا إلى الفيلسوف الإنجليزي هيربرت سبنسر(1830-1903).

كما عكف على إصدار العديد من الدراسات في علم الحياة، لعل أبرزها تلك الدراسة بعنوان “ملقى السبيل في مذهب النشوء والارتقاء، وأثره في الانقلاب الفكري الحديث”، تلك الدراسة التي جاءت ردا على المذهب المادي عند “شبلي شميل”، ورسالة جمال الدين الأفغاني “الرد على الدهريين”.

 أسهم مظهر إسهاما بارزا في مجال الصحافة منذ كان شابا يافعا، فأصدر جريدة الشعب عام 1909، وكان له العديد من الكتابات في جريدة “اللواء”، وفي عام 1919 أشرف على إصدار جريدة “المنبر” لمدة ستة أشهر، أنتقل بعدها إلى الكتابة في مجلة “المقتطف” التي كان يصدرها صديقه يعقوب صروف، والتي كلف لاحقا برئاسة تحريرها عام 1945. كما شارك بسلسة من المقالات في مجلة “الرسالة” التي أسسها أحمد حسن الزيات، وصدر العدد الأول منها عام 1933، إلى جانب تأسيسه مجلة العصور.

المعاجم والموسوعات

برز مظهر أيضا في مجال المعاجم والموسوعات، فأصدر عام 1951 “قاموس الجمل والعبارات الاصطلاحية” وبعد ثلاث سنوات أصدر “قاموس النهضة” فى مجلدين عام 1954، ثم “معجم مظهر الإنسيكلوبيدي”، ومعجم “الثدييات”.

شارك إسماعيل مظهر عام 1930 في تأسيس المجمع المصري العلمي للثقافة العلمية، مع عدد من أصدقائه، منهم على أدهم، وأحمد زكى، وسلامة موسى، وآخرون. أما أخر المناصب التي شغلها، فكانت رئاسة تحرير “الموسوعة العربية الميسرة” منذ عام 1959 حتى وفاته عام 1962.

تعددت إصدارات إسماعيل مظهر من الكتب المتنوعة، ومنها “بداءة عصر البطالمة”، “وثبة الشرق”، “في النقد الأدبي”، “في الأدب والحياة”، “تاريخ الفكر العربي في نشوئه وتطوره”، “معضلات المدنية الحديثة”، “مصر في قيصرية الإسكندر المقدوني”، “عصر الاشتراكية، الرسالة الأولى من رسائل الفكر الحر”، “الدين في ظل الشيوعية، من رسائل الفكر الحر”، “قصة الطوفان وتطورها في ثلاث مدنيات قديمة”، “المرأة في عصر الديمقراطية”، “فلسفة اللذة والألم”، “تأثر الثقافة العربية، بالثقافة اليونانية”.

أما الكتب المترجمة، فإلى جانب كتاب دارون “أصل الأنواع”، أصدر أيضا “الضحية” لرابندرانات طاغور، “بين الدين والعلم” لأندرو ديسكون وايت، “حياة الروح فى ضوء العلم” لإدموند وسينوت، “سير ملهمة من الشرق والغرب” لصمويل نيسنسون، ووليام دي وايت، “مهاتما غاندي، سيرته كما كتبها هو”.

نضاله السياسي

لم يكتف مظهر بجهده الواسع في إثراء الثقافة المصرية والعربية والتعريف بعيون المعارف في الثقافة العالمية، بل أنه خاض أيضا بكل طاقته معركة النضال السياسي لتحرير الوطن والمواطنين من أغلال الاستعمار والقهر والجهل، والانتصار لحقوق الفئات المهمشة، مثل الفلاحين والعمال والمرأة.

شارك مظهر الزعيم الوطني مصطفى كامل في نضاله السياسي، كما دعا إلى “تأسيس حزب اجتماعي، يكون أساس الإصلاح فيه الفلاح”،  وتضمنت مبادئ هذا الحزب التي نشرت بمجلة العصور في أكتوبر 1929 العديد من الخطوات الداعمة للفلاح المصري، منها: “قيام الحكومة بإصلاح أراضيها البور وتوزيعها على صغار المزارعين”، و”سن قوانين للتحكيم بين أصحاب الأطيان والمؤجرين”، و”حماية العمال والفلاحين بقوانين تحدد أجور وساعات العمل وتحتم على أصحاب المزارع والمصانع بناء بيوت صحية للعمال” و”تنظيم نقابات واتحادات وفقا للطوائف، ومركزية للعمال والفلاحين في جميع الصناعات والدوائر الإقليمية”، “تحديد الملكية الزرعية”، “المساوة بين الرجل والمرأة في الحقوق السياسية والاجتماعية” … ألخ، وغيرها من مبادئ داعمة للفلاحين والعمال والنساء، ما يعد من البرامج الحزبية المتقدمة للغاية آن ذاك.

مصطفى كامل

وتجدر الإشارة هنا إلى كتابه “المرأة في عصر الديمقراطية، بحث حر في تأييد حقوق المرأة”، والذي يعد من الكتب الرائدة والمبكرة في مجال حقوق المرأة في مصر. وأكد في افتتاحية الكتاب على دور المرأة في تطور المجتمع الإنساني منذ نشأته الأولى، ودورها البارز في اكتشاف الزراعة، التي كانت بمثابة البذرة الأولى نحو بناء الحضارة والمدنية. واختتم مظهر كتابه بقوله: “ينبغي لنا إذا أردنا أن نضرب بسهم في هذه الحياة الجديدة أن نتحرر من التقاليد ومن الأفكار العتيقة التي أصابها الانحلال والفساد، وأن نتحرر من الآثار التي ورثناها عن أزمان خالية”.

المفارقة هنا، أن تلك الصيحة التي أطلقها إسماعيل مظهر في كتابه مناديا بتحرير المرأة في النصف الأول من القرن العشرين، تبدو أكثر تقدما من أفكار ومقولات لا تزال تجادل في حقوق المرأة ودورها ونحن نشرف على نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫5 تعليقات

إغلاق