ثقافة

مدحت صفوت: ابن رشد كان فقيهًا يزدري الجماهير

في يناير 2017 شارك الباحث مدحت صفوت  في ندوة عن مناقشة كتاب «فصل المقال» لابن رشد بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، وكانت الروائية سلوى بكر تدير اللقاء، شهد اللقاء شدًا وجذبًا مع الجمهور، بعدها بشهور اقترحت عليّه سلوى بكر أن يكتب كتابًا عن الموضوع  ضمن سلسلة التراث الحضاري التي ترأس تحريرها، وبالفعل انتهى صفوت  من تجهيز الكتاب الذي شمل دراسة ومقال ابن رشد الشهير في نوفمبر 2017، وصدر الكتاب عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في سبتمبر 2018، تحت عنوان «صوت الغزالي وقِرطاس ابن رشد»، ملحق به دراسة ابن رشد الشهيرة «فصل المقال».

في هذا الحوار مع الكاتب نستجلي المزيد عن الكتاب وأهم ما تناوله من قضايا وأفكار.

هل  مشروعك النقدي يتبنى رأي أبي حامد الغزالي في ابن رشد؟

مشروعي الكليّ في قراءة ابن رشد، يرى أنه لا تناقض جذري بين الغزالي وقاضي قضاة قرطبة، فكلاهما كهنوتي مارس الكهنوت عمليًا وأسس له نظريًا، وكلاهما  يزدري الجمهور و”العوام” بتعبير الغزالي، ولا مانع لديهما أن يمارسا التضليل على الناس انطلاقًا من تصور يرى عقول الجماهير في مرتبة أقل.

هل من مزيد من التوضيح؟

في كتاب «فصل المقال» قسّم ابن رشد الناسَ إلى أصناف ثلاثة، هم: الجمهور والجدليون وأهل البرهان، واعتبر أن لكل فئة طرائق معرفة، وقد جاء الترتيب رأسيًا بحيث احتل البرهانيون قمة الترتيب في القدرة على امتلاك المعرفة والفهم “الصحيح” للظواهر وللنصوص وللشريعة، ونبّه ابن رشد على البرهانيين من إفشاء تأويلاتهم البرهانية للجمهور أو الجدليين، مشددًا على ضرورة بقاء هذه المعرفة متداولة فقط في نطاق الفلاسفة، وحذر من الإفشاء بقوله “أفضى ذلك بالمُصرَّح له والمُصرِّح إلى الكفر”، أي أن تداول المعرفة لديه ينتهي إلى الكفر.

يتقاطع التصور السابق مع تصور الغزالي الذي قسم الناس إلى صنفين: عوام وخواص، وخصّ العوام بالمعرفة الهامشية وعدم الدراية بما يرونه من أمور معقدة، واقتصرت المعرفة عند أبي حامد على طائفة “العرفانيين”، وهي سمة كهنوتية تختزل المعرفة في طائفة بعينها وتمنعها عن بقية الناس، وهي أيضًا نقطة تلاقي بين أبي الوليد وأبي حامد.

وتمكينًا لكهنوتية ابن رشد يذهب إلى تكفير من يجتهد ويخطئ من غير أهل البرهان، سواء كان من الجمهور أو الجدليين، فأهل البرهان وحدهم من لهم حق الخطأ وحال ذلك لهم أجر الاجتهاد، فيما يرزح غيرهم تحت مسميين «إما آثم وإما كافر» بقول ابن رشد.

كتابك يرى أن هذا التقسيم الرشدي هو تصور أرسطو في أصله؟

نعم، فأرسطو يقسم طرائق المعرفة ومسالك الاستدلال إلى ثلاثة سبل، طرائق وعظية خطابية تساوي الجمهور عند ابن رشد، وطرائق جدلية، وثالثة برهانية، وهو معروف في التراث العربي قبل ابن رشد، نجدها عند ابن تومرت في مؤلفه “أعز ما يطلب”.

الغزالي في معتقده، يرتب السائلين على ثلاث رتب: مسترشد يسأل عن الحكم والدليل، ومستفت يسأل عن الحكم، ومناظر وهو المكافئ الجدلي عند قاضي قرطبة. وهي رؤية تبدو متجانسة ومنطقية، وتحترم ما يعرف فيما بعد في العلوم الإنسانية بالتخصص، لكن ومع الفحص الدقيق والمتأني لرؤية ابن رشد تتكشف البنى الكهنوتية المستترة وراء التقسيم وتحديد العلائق بين الأصناف والمعرفة.

لكن ابن رشد لا يعلن أنه تصور أرسطي، وإنما يدعي أنه تقسيم شرعي للبشر، استنادا إلى الآية “ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن”، ما يعني أن القدرات العقلية وآليات المعرفة منح ربانية وأقدار إلهية، لا دخل للناس فيها، فمقدورك أن تكون جمهورا أو جدليًا أو برهانيًا، وهو تصور غيبي ينسف منطلقات ابن رشد العقلانية.

فكرة احتكار المعرفة قديمة وكانت موجودة من قبل؟

نعم، هي الرؤية ذاتها لأفلاطون الذي أحاط الفلسفة بأسوار الحماية، وعزلها عن الفضاء العام انقلابًا على أستاذه سقراط الذي كان يمارس التفلسف، وظلت الفلسفة وفق هذا التصور حبيسة أهلها ودارسيها والمشتغلين بها، لنصبح أمام كهنوت جديد، كهنوت فلسفي، ما يعني انتقال الكهنوت من رجال الدين إلى الفلاسفة. بيد أن الممارسة الديمقراطية تقتضي نشر المعارف وإتاحة تداول المعلومات والأفكار والتصورات والرؤى.

ومن ثمّ وجّه ابن رشد لومًا على الغزالي لنشره مسائل ليست هينة بين العوام أو الجمهور، ويصعب على الناس تقبلها من وجهة نظره، على الرغم من إيمان الغزالي بواجب “إلجام العوام عن علم الكلام”. فالناس في تفكير الرجلين لا يفقهون هذه القضايا الكلية وغير مهيئين لتقبل الفكر المجرد ولا طرائق البرهان، باعتبار أن الفلاسفة القدامى لم يكونوا يفصحون عن وجهات نظرهم ولا يكشفون عن تصوراتهم للجمهور وعلى الملأ إلا بلغة تميل إلى الرمز، كما قلنا، ومع هذا الموقف التراتبي، يقع الرجلان في التناقض، بطرح بعض المسائل العقلية على الجمهور.

هل ترى أن ابن رشد والغزالي مارسا التضليل على الجمهور؟

نعم، هذا ما حدث، مارسا التضليل وكانا يعتقدان في ضرورة “الضحك على العوام”، فرغم إيمان الرجلين بتجريد الذات الإلهية، وأنها غير مجسدة، فإنهما تصورا أن الجماهير لا يمكن أن تتقبل فكرة التجريد ولا تستوعبها العقول، فخالفا إيمانهما ورأيهما الشخصي بأن أفصحا بأن الله نور، استنادًا إلى آية المشكاة، وهو تجسيد يرفضه الرجلان، لكنهما يتفقان في إباحة أن يظل الجمهور على إيمانهم ومعتقدهم ولو رأوه خطأ، المهم أن يظلوا تحت السيطرة منعًا للبلبلة والحيرة بين الناس، وعدم التداخل بين التأويلات أو المراتب المتباينة للمعرفة والفهم، وانطلاقًا من رؤية الغزالي نفسه صاحب مفهوم “المضنون به على غير أهله” في مجال المعرفة، وهو الذي يكثر الاستشهاد بأقوال مثل “لا تعلقوا الدّر في أعناق الخنازير” شارحًا المثل بأنه “إفشاء المعرفة لغير أهلها”. وهي رؤية أرسطية بالأساس توصي بعدم إشراك الجمهور في المسائل العقلية لتغليبهم العاطفة على العقل.

يتفق الغزالي وابن رشد في فكرة التراتبية وإن اختلفا في تفاصيل الترتيب، لكن المبدأ واحد والغاية واحدة، بالتالي لا يعد ما سبق اتفاقًا فحسب، بل إننا نعده تلبسًا رُشديًا بالرؤية الغزالية، وهي حالة ناتجة من سيطرة شبحية الغزالي، مرة بالإيماءة كما هو واضح في ترتيب الناس، ومرة بالحضور الطاغي، إلى أن يغدو الصوت صوت الغزالي، والكتابة لابن رشد.

الفارق بين الكهنوتين هو السلطة القائمة في النموذجين، فعند الغزالي السلطة للعرفان، فيما يستقوي ابن رشد بـ”البرهان”، وصحيح أن الأولى حدسية باطنية والأخرى عقلانية منطقية، لكنهما يتفقان في الاقتصار على فئة دون بقية الناس، المحرومين من حق المعرفة وحق تداول التأويل “البرهاني”، ما يعني تأسيس كهنوت إسلامي ووجود من يعرف الأسرار المقدسة ومن لا يعرفها.

ألا تخشى بلبلة بين الناس بمناقشة قضايا معقدة؟

من قال إن المعرفة ومناقشة القضايا تحدث بلبلة، السلفيون مثلًا طرحوا على الناس خلال العقود الأربعة الأخيرة مسائل كأسماء الله وصفاته واختلاف الفرق حولها، ومع ذلك ينتشر التيار السلفي يومًا بعد آخر، والسلفية أسست أيضًا كهنوتها الخاص، ويمكن الإشارة إليه بأهل الحل والعقد. ورجال السلطة الدينية سواء كانوا عرفانيين أو برهانييين أو أهل الحل والعقد، هم وحدهم أصحاب الحق “الشرعي” في فهم النصوص الدينية، وتأويلها التأويل الحق والصحيح، و”البرهانيون الرشديون” هم “المختارون، المنتخبون، المحفوظون، وهم مميزون أو مثقلون بمهمة خاصة، نيابة عن الإله، ولما فيه مصلحة العالم” ويبدو الفرد “العادي” في هذه الحالة منفذًا لإرادة الرب ووكلائه، كما يستحيل مفعولًا به وفق القدرة الإلهية، وأشكالها المتباينة والمتعددة.

الخوف على فكر الجمهور أو العوام وإيمانهم، محرك رئيسي لرؤية الغزالي وابن رشد، فكلاهما ينطلق من الحرص على إيمان العوام فلا يدخلهم في استقراءات برهانية أو عرفانية، ومن الأجدر لمصلحتهم حسب رؤية “الرشدية الغزالية” ألا يعرفوا عن التأويل الحق شيئًا، وهو حرص نابع من ممارسة الوصاية على وعي الناس وإيمانهم، حرص كهنوتي يشير بقوة إلى الدور الذي يمنحه الفقيه والفيلسوف لنفسيها، بوصفهما حارسي الإيمان الصحيح، وهو دور “رعاة” يطرح بالضرورة الدور المقابل للجمهور “الرعية” و”الخراف” بالتعبير الإنجيلي، هذه عملية تنتهي برعاية الراعي الإلهي الذي يتولى كل نعاجه وكل واحدة منها، كأنهما، الغزالي وابن رشد، يمنحان أنفسهما ومعهم االعرفانين والبرهانين حق الرعاية الإلهية.

تشدد على السياق المنتج للأفكار، ماذا عن سياق ابن رشد الحضاري؟

هذا لبّ مشروعي عن أبي الوليد، رده إلى سياقه التاريخي والثقافي والإحاطة برؤيته وفلسفته، أولًا في إطار زمنه وسياقه التاريخي بالقرن السادس الهجري، ثم نقد ابن رُشدٍ والرُشديةِ، أو حتى نقضهما وتقويضهما على النحو الذي يسمح بتجاوزهما وتخطيهما، وتقديم رؤية راهنة تكون بالتبعية ابنةً للسياق الحضاري والثقافي الذي نعيش فيه.

وهذا الرد ينتهي بنا إلى القول بأن ابن رشد فقهي في جوهره وليس فيلسوفًا، يمكن القول فقيه أكثر تقبلًا للمعرفة الفلسفية، مهمته الرئيسية استخدام البرهان لتبرير الإيمان وليست مساءلة هذا الإيمان ما أسمية “بعقلنة الإيمان” أي كيف أبرر إيماني عقليًا؟ ويبدأ ابن رشد من الإجابة في حين تبدأ الفلسفة من السؤال، ففي فصل المقال ينطلق من الإقرار بالربوبية والوحي والنبوات والجزاء الآخروي، دون أن يسأل عن حقيقة واحدة منها، ويرى أن من ينكر واحدة منها كافر، على الرغم من استحالة ثبوت مسألة الوحي إمبريقيًا أو برهانيًا، هنا يستدعي الفلسفة للتبرير وليس للاستدلال، أي أن السؤال عنده كيف يكون إيماني مبررًا عقليًا؟ وهي منهجية فقهيه مهمته توضيح الإيمان وتثبيته، في حين يبدأ الفيلسوف من المساءلة وإعادة التفكير في المسلمات السابقة.

كيف كان يمكن الاستفادة من ابن رشد؟

كان ابن رشد فعلًا في سياقه التاريخي، إذا قورن بالغزالي مثلًا، وكان لابد من البناء على ما أنتج هو وسابقيه بالنقد والتجاوز، لكن الإشكالية الرئيسية هي تحميل التراث بأكثر مما يحتمل، الجميع، تنويريون وسلفيون، يتعامل مع التراث ليقدم الأخير لنا “روشتة” تنويرية لحل مشكلاتنا، أو ليرسم لنا طريق الخلاص الفكري من الأزمات التي تتلاحق علينا.

هنا تعامل الرشديون مع ابن رشد بوصفه «وثنًا» غير قابل للنقد أو المراجعة من قريب أو من بعيد، من أبرزهم عابد الجابري ومراد وهبة وعاطف العراقي، بدأوا بأسئلة ابن رشد، وليست أسئلتهم الراهنة، والسؤال يصنع الإجابة، والصياغة السليمة للسؤال نصف الإجابة، جاء ذلك استمرارًا لسؤال النهضة العربية المفروض من خارج السياق، فسؤال لماذا تقدم الغرب وتخلف العرب؟ سؤال مفروض من خارج الذات العربية، والصياغة التي تخصني: كيف نتقدم؟

إذن كتابك تمرد على الرشدية؟

بالأحرى تمرد على “توثين” ابن رشد و”تصنيمه”، وتمرد أيضًا على العقلية المنشغلة بالثنائيات، والسياق الثقافي القائم على الازدواج والثنائيات، هو نظام ميتافيزيقي في أصله، فطالما يوجد الأبيض لابد من الأسود، وثمة أفضلية لأحد الحدين داخل السياق التقليدي، ولأننا نعيش سياقات تقليدية، حلّ أبو حامد الغزالي في مواجهة ابن رشد، وهي ثنائية غير دقيقة، فالرجلان لا يتناقضان في جوهر موقفهما، وإن بدا تناقضًا واختلافًا شكليًا كما أوضحنا. فكما استدعى الأشعريون الغزالي واجه التنويرين هذا الاستدعاء ببعث ابن رشد، وهي سمة لازمت مشاريع التنوير العربي، في الخمسينيات والستينيات استدعى العرب المعتزلة واعتبروها فرقة تقدمية تدافع عن العدالة الاجتماعية، وتقنع الشيوعيون بأبي ذر الغفاري “الشيوعي الأول في التاريخ” وفق وجهة نظرهم، وذهب الماديون إلى اعتبار ابن خلدون مفسرًا ماديًا للتاريخ، وغير ذلك.

فتحول التراث إلى قناع للمثقف العربي يمرر منه رجعيته أو تنويره، فعابد الجابري ينحو للتراث الرشدي كمطية إيديولوجية يمرر من خلالها تصورات غربية ومنتج فكري واجتماعي أوروبي، مثالًا على ذلك أن يتقول بأن ابن رشد أول من دعا إلى فصل الدين عن الدولة، وذلك من خلال افتراض الجابري أن ابن رشد سمّى كتابه المعروف بـ”الضروري في السياسة” بـ”الضروري في العلم المدني”، استنادًا إلى فقد أصل الكتاب وبقاء النسخة المترجمة إلى العبرية، واستثمارًا لما تسقطه كلمة “مدني” من دلالات حديثة اكتسبها المفهوم عبر القرنين الأخيرين. وعلى الرغم من أن مفردة مدني دلت في مخطوط الضروري في السياسة على المعارف التي من شأنها أن يعلمها الإنسان ويعملها، أي العملية، فإن الجابري يفرط في استخدام “مدني” كمحاولة لتقويل ابن رشد أن ميدان السياسة “الحكم” منفصل تمامًا عن ميدان الشرع والدين، وهي رؤية بعيدة تمامًا عن سياقات العصر، ومتأخرة زمنيًا عن ابن رشد.

الغرض الرئيس هنا هو امتطاء ابن رشد إيديولوجيًّا، وتحويله إلى قناع يتحدث بلسان المفكر العربي المعاصر، وكي يمكن للمعاصر تمرير خطابه عبر قوة الأسلاف وما يتمتعون به من رأسمال رمزي وسطوة ثقافية. هنا يعود المثقف العربي إلى التراث في عملية أسميها بـ«إرادة العودة» هي إجراء ارتدادي للحصول على صك المشروعية، كخطوة مربكة يلجأ إليها التنويريون العرب.

في مسار السير نحو الأمام تتراجع الرؤى التنويرية خطوة إلى الوراء، تبحث عن أب شرعي للخطاب الوافد، عن جذر يمكن من خلاله تمرير المنتج الجديد، عن قناع يمرر من خلاله التنويري خطابه “الغريب” عن السياق السائد، استحضار صوت ماضوي يحمل عبء تحقيق النهضة المرجوة.

لماذا يلجأ المثقف إلى هذا القناع؟

هناك أسباب شتى، منها أن المثقف العربي التنويري في أغلب عناصره جبان لا يستطيع أن يواجه الأفكار الرجعية على نحو مباشر، ولا يملك القدرة على الدفاع عن تصوره الحديث والوافد بوصفه نتاجًا لتطور الزمن، وأن الفكر العربي لم يتطرق إليه من قبل، هنا لا يكتسب الإجراء الفكري الحديث معنى أو مصداقية إلا بقدر ما يكون متطابقًا مع الماضي وخطاباته.

من ناحية ثانية، هو إجراء استقوائي أيضًا أمام أفكار الآخر المتفوق في الكثير من المجالات، عبر استدعاء الأسلاف وخطاباتهم، باعتبارهم –نقصد الأسلاف- الموتى الأحياء فينا بتعبير عابد الجابري.

من ناحية ثالثة، سلطوية ابن رشد، فمشروعه الفكري أصلًا مشروع السلطة، ولولا علاقة أبي الوليد بالسلطة السياسية لما كان هناك ابن رشد، وهي سمة تلازم المشروع الفلسفي العربي برمته، الارتباط بالسلطة وقت ازدهاره، وحين رفعت الأخيرة يدها عن الفلاسفة انطفأ وتراجع.

والرشديون لديهم نزعات استبدادية وميول تجاه السلطات السياسية، بالتالي برر ابن رشد لهم علاقتهم بالسلطة، وهو ما نجده عند مراد وهبة مثلًا الذي يتهم المثقفين المعارضين للسلطة الحاكمة بـ«الخيانة» والعراقي أيضًا كان أحد مثقفي السلطة، فيما انتهى الجابري منغلقًا وانغلاقيًا، وقبلها علاقته بحزب البعث، وهناك رشديون اعتبروا ملك السعودية الراحل عبد الله بن عبد العزيز ملك الاستنارة، إنهم السلطويون مبررو الاستبداد باسم التنوير.

أخيرًا.. ماذا عن إجابتك الخاصة بالراهن؟         

أنا لا أقدم إجابات، لكني مهموم بتقديم الأسئلة، حول حقيقة كهنوتية ابن رشد، وسبب استدعائه، وأي حديث يبدو إجابات، هي إجابات مؤقتة وغير نهائية، وقابلة للمراجعة والمساءلة، فور الانتهاء منها، إن استمرار طرح الأسئلة هو الإشارة على وجودنا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق