ثقافة

السرقات الأدبية.. الاتهامات تلاحق الجميع من المازني إلى العبودي

«هناك صفحات من رواية ابن الطبيعة علقت بذاكرتي، لعمق الأثر الذي تركته هذه الرواية في نفسي، فجرى بها القلم وأنا أحسبها لي، ومن شاء أن يصدق فليصدق، ومن شاء أن يحسبني مجنونًا فإن له ذلك».

هكذا جاء اعتراف الكاتب إبراهيم عبد القادر المازني، في واقعة تعد الأولى من نوعها وأظنها الأخيرة، بأن صفحات كاملة من روايته الشهيرة “إبراهيم الكاتب” مسروقة، وذلك عبر مقالة له في مجلة «الرسالة» بتاريخ 2/8/193، في سياق رده على مقالة نشرتها مجلة «الحديث» التي تصدر في حلب، أكدت أن المازني سرق فصلاً كاملاً من رواية «ابن الطبيعة».

واليوم تتجدد الاتهامات بالسرقات الأدبية بشكل مستمر في مصر، وتحفل صفحات التواصل الاجتماعي بالعديد من الروايات حول هذ السرقات، كان آخرها ما أشار إليه  المترجم والشاعر محمد عيد إبراهيم، متهمًا الروائي المصري أدهم العبودي الذي أصدر رواية (حارس العشق الإلهي)، التي صدرت في عدة طبعات، بنقل عشرين رباعية من رباعيات جلال الدين الرومي، سبق أن ترجمها عيد، وذلك دون أن يشير العبودي إلى اسم المترجم مطلقاً، لتظهر تلك الرباعيات وكأنها من نسيج الرواية وليست من كد مترجم، كما أن المؤلف نثر معاني بعض الرباعيات الأخرى التي سبق ترجمتها ضمن نسيج الرواية دون أدنى تغيير يذكر.

ولفت عيد إلى أن الرباعيات محل الاتهام بالسرقة سبق أن نُشرت في طبعة منفصلة عام 1993 عن دار الأحمدي بالقاهرة، كما نُشرت كاملة في آخر ترجمة له لرواية مورل مفروي (بنت مولانا) التي صدرت في طبعتين عن دار نينوى (2007/ 2014)، والكتابان متوفران بصورة رقمية (PDF) في شبكة الإنترنت.

قواعد حاكمة

الكاتب إبراهيم رمضان يعلق على هذه القضية بالتأكيد على أن قوانين الملكية الفكرية تعتبر المترجم مؤلفاً موازياً وله نفس حقوق المؤلف الأدبية والمادية، وقد تسقط حقوق المترجم المادية بعد وفاته بخمسين سنة لتصبح مشاعاً لكن تبقى حقوقه الأدبية ومن ابسطها الإشارة لاسمه، أما لو تم النقل عن ترجمة محددة فيبقى أن نشير للكاتب والمترجم، لأنهم شركاء في النص المنقول، ويجب أن نشير للمترجم الذي نقلنا منه، ولو كان مجهولاً نشير إنها ترجمة مجهولة المترجم ومصدرها كذا.

أما الشاعرة آلاء فودة، فاستعرضت ما تضمنه بروتوكول كتابة البحث العلمي في أمريكا، حيث درست هناك، وقالت هناك نوعان من التعدي على الحقوق الفكرية للمؤلف، الأول هو انتهاك الملكية الفكرية «copyright violation»، بأن يتم ذكر اسم المؤلف في التذييل بدون أخذ رأيه، وهذا في وجهة نظرهم تعدٍ يتم المحاسبة عليه. والثاني هو الاقتباس دون ذكر اسم المؤلف «plagiarism»، ويتم التعامل معه على أنه سرقة وكذب والعقوبة عليه أشد.

وتضيف أن القانون يجرم حتى نشر المؤلف مقطع من بحث قديم له، استعان به في بحث جديد دون الإشارة إلى ذلك «self plagiarism»، ويلزم الباحث أن يكتب أنه مقتبس من بحثه المنشور في كذا بتاريخ كذا.

تأصيل تاريخي

الدكتور زين عبد الهادي رئيس دار الكتب والوثائق المصرية سابقا، يلفت إلى أن حقوق الملكية الفكرية ظهرت مع ظهور المطبعة عام ١٤١٣، وربما يمكن العودة إلى ما قبل ذلك مع النساخ والوراقين للمخطوطات التي كانت تذيل باسم كاتبها، لكن في العصر الحديث ومع انتشار المطابع وتعدد المؤلفين، ظهرت الحاجه لحمايتها، ما يفسر تسميتها بالملكية الفكرية في مقابل الملكية المادية.

ويضيف: إن للورثة وللمؤلف ذاته الحق في الحصول على ملكية العمل الابداعي سواء كان كتابا أو فيلما أو اسطوانة صوتية أو لحنا أو لوحة تشكيلية أو نوتة موسيقية أو براءة اختراع، وغير ذلك من المنتجات ذات العلاقة بالابداع واعتمادها كلية على الجهد العقلي. وفي حالة الكتب فهي تورث لمدد تتراوح بين ٧٥ ومائة عام، بحيث يستفيدون من نشرها وترويجها، ولكل دولة قانونها الخاص الذي تحدد فيه عدد سنوات هذه الحقوق.

وتشمل هذه الحقوق، التأليف والترجمة، وفي حالة الكتب بلغات أجنبية فإن المترجم يحتفظ بنفس حقوق المؤلف، اعتبارا من العام الذي قام فيه بالترجمة ولنفس عدد سنوات التأليف، وفقا لقوانين كل دولة، حتى لو كان الكتاب تراثيا سقطت عنه حقوق الملكية الفكرية، إلا أن الترجمة الجديدة للعمل لصاحبها حقوقه الفكرية أيضا ومع تعدد المترجمين في طبعات مختلفة، فلكل مترجم حق ملكية الترجمة للسنوات التي نص عليها القانون.

وقائع متكررة

في نفس السياق نفسه، لم تنته بعد أزمة الروائي المصري ضياء الدين خليفة، مع الكاتبة المغربية فاطمة غزالي، التي اتهمها بسرقة روايته كاملة ولم تغير فيها سوى العنوان، من «حورس» إلى «الفرعون المتمرد». ولفت خليفة إلى أن مساندة المشهد الثقافي المصري، ووقوفة إلى جانبه لم يتجاوز النشر الإعلامي، صحيح أن “الفرعون المتمرد” تم اعدامها، لكن حتى هذه اللحظة لم يتحصل على حقوقه.

وفي جانب أخر نشر الكاتب الصحفي أشرف عبد الشافي، تحقيقا مطولا حول مذكرات نجيب الريحاني، التي قام بتحقيقها أخيرا الكاتب والشاعر شعبان يوسف، واعتبر عبد الشافي أن النشر الأخير جرى خلاله تشويه السيرة الذاتية  للريحاني عبر إسقاط العديد من الحوادث التي تناولها في مذكراته الأصلية التي كتبها بديع خيري وسبق نشرها عبر دار الهلال.

الكثير من الوقائع المشابهة تردد صداها في المشهد الثقافي المصري في السنوات الأخيرة، لعل أشهرها رواية «أرض الإله» للروائي أحمد مراد، بعدما اتهمه الكاتب أحمد سعد الدين، مؤلف كتاب «فرعون ذو الأوتاد»، بأنه نقل أجزاء من كتابه الأخير، مؤكدًا أنه الوحيد الذي انفرد بالحديث عن مسار خروج بني إسرائيل من مصر، وموقع العبور والغرق، وهو ما ذكره بكتابه تفصيليًا، من خلال بحث ميداني استغرق عامين كاملين لوضع الفصل الخامس منفردًا، مشيرًا إلى أنه بحث بنفسه ﻹثبات حقيقة تلك الأحداث.

وتظل اتهامات السرقات الأدبية، مستمرة استمرار الأدب نفسه، وهناك عشرات الوقائع التي تستحق الدراسة والسرد تؤكد أن هذه الظاهرة لم يسلم منها حتى كبار الكتاب فى عالمنا العربي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق