رؤى

انتقام القوة الخشنة.. وتهاوي حلم العالم أحادي القطبية

كتب: أندرو إيه ميتشتا

ترجمة وعرض: تامرالهلالي

قبل خمس سنوات فقط، بدا العالم وكأنه حلم ليبرالي دولي معولم. وعلى الرغم من أن الإرهاب “الجهادي” قام بشكل دوري باختبار مرونة الحكومات والمجتمعات في جميع أنحاء العالم، إلا أن الحدود المفتوحة والتجارة الحرة طالما وصفت على نطاق واسع بأنها في الطريق إلى الأمام.

في عالم أحادي القطبية ما بعد الحرب الباردة، ساد الاعتقاد لدى الكثيرين في الأوساط الأكاديمية والمراكز البحثية ووسائل الإعلام أننا بصدد “الأمة المعولمة الأولى” التي يمكن أن ترسم السياسة العالمية على صورتها، وأن حلم السلام والديمقراطية العالمية الذي حلم به الفليسوف الألماني كانط يحوم في الأفق.

وتصور هؤلاء أن من شأن تحديث الصين أن يمهد الطريق لإجراء تغيير منهجي في الحكم ، يساعدها على اتخاذ مكانها الصحيح في النظام العالمي الحر البازغ، باعتبارها صاحبة مصلحة أكيدة في ذلك. فالمفترض أن يؤدي فتح الأسواق الغربية للصادرات الصينية ، مع انفتاح الصين أمام صادرات التكنولوجيا والمعرفة الصناعية الغربية، إلى تحقيق هذا التحول، عبر تمكين الطبقة الوسطى الحديثة في الصين وسعيها للانفتاح والانضمام للعالم الحر بدلاً من التنافس معه.

رهان العولمة

في هذا السياق المتفائل، ساد أوروبا الاعتقاد بأنها باتت “مكتملة، حرة، وهادئة”، ففي عام 1990، كانت روسيا بوريس يلتسين قد شطبت  كمنافس جغرافي استراتيجي، وحتى مع وصول فلاديمير بوتين للحكم، فإن الوهم القائل بأن النظام العالمي الليبرالي الجديد سيكون بمثابة الدواء الناجع للمنافسة الجيوستراتيجية استمر بعد الحرب الروسية الجورجية عام 2008. كما أن النتائج المترتبة على استيلاء الروس على شبه جزيرة القرم في عام 2014، وما خلفته الحرب في شرق أوكرانيا حالا دون عودة الكثيرين من الأكاديميين والخبراء الروس إلى بلادهم، ما عزز الرهان الذي لا يرقى إليه الشك على نجاح العولمة وانتشار الليبرالية الغربية بعد انحسار الحرب الباردة و انتصار القوى الغربية وخفوت حدة التنافس مؤقتا بين القوى العظمى.

فلاديمير بوتين

وعلى مدى ما يقرب من ثلاثة عقود من الزمن، ساد الترويج لروايات بشرت بمستقبل تنتصر فيه المؤسسات في نهاية المطاف على القيود الثقافية القديمة، وتراجع مفهوم القوة الصارمة التي ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالقوة الاقتصادية الصناعية والجغرافيا والموارد الطبيعية والسكان، باعتباره يمثل نظرة عتيقة لفكرة الدولة القومية القوية التي يعتمد عليها أمن الشعوب وازدهارها. و طبقا لهذه الرؤية، كان من المفترض أن يتم التخلي تدريجيا عن أفكار سلبية تكرس لمفهوم الدول التي تقع داخل حدود يمكن الدفاع عنها، ليفسح المجال مع الوقت للدول التي تتنازل طواعية عن جزء من سيادتها إلى الكيانات عابرة القوميات والمنظمات فوق القومية.

فتح الأسواق

في عام 1994 بدا أن اتفاقية التعاون المشترك بين بلدان أمريكا الشمالية (NAFTA) تبشر بحلم الاقتصاد العالمي الجديد، فيما جرى تهميش المخاوف من عواقب يمكن أن تلحق الطبقة الوسطى جراء الاندماج بين أسواق عمل ذات أجور متدنية وأخرى عالية، مع انحسار أفكار الاقتصاد القومي باعتبارها لا تناسب حقبة التجارة الحرة الليبرالية الجديدة.

وفي أوروبا، استسلم القادة إلى إغراء تحويل الجماعة الأوروبية إلى ما يشبه الولايات المتحدة الأوروبية مبدئيا. و بعد معاهدة ماستريخت عام 1992، أعادت النخبة الأوروبية تسمية مشروعها بالاتحاد الأوروبي، وفي عام 1999 اعتمدت اليورو كعملة موحدة، وبعد معاهدة لشبونة عام 2007، بدأت تتطلع إلى سمات دولة فيدرالية من خلال زيادة صلاحيات معاهدة بروكسل وتزايد الدول الموقعة عليها باستمرار، مع استحداث مناصب تشبه منصب الرئيس ووزير الخارجية للاتحاد الأوروبي.

وفي بعض الأحيان، ذهب الخبراء بعيدا قائلين أن أوروبا قدمت طريقاً إلى الأمام بالنسبة للولايات المتحدة، بعد أن دشنت المستقبل لاقتصاد تتحكم فيه أفكار السوق الاجتماعية في نهاية المطاف. في نفس السياق، تم تشجيع الدراسات المتعلقة بدور “القوة الناعمة” باعتبارها المتغير الرئيسي في السياسة العالمية، وساهمت الثورة الرقمية في تسليط الضوء على التركيز على الديمقراطيات الغربية، التي يسودها على نحو متزايد تركيز الاهتمام بالحقوق على حساب المسؤوليات.

الاتحاد الأوروبي

صدمات متلاحقة

وحتى عندما اندلعت الحروب، مثلما حدث في البلقان في التسعينات أو في جورجيا في عام 2008، كانت غالباً ما توصف بكونها آخر موجة من عصر الإمبريالية القومية. وامتد ذلك المنطق إلى “الصدمة الوجيزة” التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي فشلت في الإقرار بحقيقة واقعة مفادها أن العالم “في الخارج” لا يزال مكانًا محفوفا بالمخاطر.

و مع تزايد حدة موجة العنف الإرهابي، ساد الاعتقاد في الغرب بأن مثل هذه الكيانات الإرهابية لا يمكن أن تسقط الدول الغربية، وأن هذه الأحداث شبيهة بنزلات البرد الشائعة، التي ينبغي تحملها في سبيل الحفاظ على نظام عالمي ليبرالي مترابط.

والأهم من ذلك، أن انتصار الغرب في الحرب الباردة كان بمثابة مقو ومهدئ للثقة الأيديولوجية، واعتبروه يعيد التأكيد على الفكرة القائلة بأن التاريخ بالفعل في صف العولمة. ويبين تقرير مركز بيو الأمريكي للأبحاث واستطلاعات الراي لعام 2017، أنه على الرغم من المخاوف الأخيرة بشأن التدهور الديمقراطي، فإن سكان ستة من أصل عشرة بلدان  ديمقراطية، وهي نسبة مرتفعة في فترة ما بعد الحرب، لم يشككوا في مدى سلامة العديد من الديمقراطيات الناشئة أو حتى استقرارها.

على نفس الصعيد، فشلت الاضطرابات السياسية الداخلية التي هزت أقدم ديمقراطيات الغرب في أوروبا والولايات المتحدة على مدى العقد الأخير في تنبيه زعماء العديد من هذه البلدان إلى حقيقة أن استمرار الهجرة الجماعية والعمل على بلقنة الدول الغربية قد قوضت المرونة الوطنية عبر تقليص العملية السياسية وشلها في كثير من الأحيان.

 وعلى مدى ما يقرب من ثلاثة عقود، كانت النظريات حول “بناء الأمة” في الخارج تزدهر في الولايات المتحدة، في حين أن أمريكا كانت في نفس الوقت تتفكك من الداخل من خلال تبني سياسات الهوية المصحوبة بالتصعيد السريع في تفكيك التصنيع.

انتكاسة الهيمنة

في الوقت نفسه، استمرت قوتان عظمتان، الصين وروسيا – أحدهما صاعدة، والأخرى تتعثر – في النظر إلى العالم من خلال مفاهيم واستراتيجيات  توازن القوى العالمية في عالم لا يهيمن عليه أحد. وعلى مدى عقود، نشطت الصين في اكتساح السوق العالمية، وتلاعبت بعملتها، وأجبرت الشركات الأمريكية والأوروبية على تحويل الملكية الفكرية كشرط مسبق لدخول سوقها، فيما تعافت روسيا بدورها من زمن الاضطرابات في عهد يلتسين من خلال إعادة تأميم قطاع الطاقة وتعظيم الإفادة من وفرة النفط والغاز كمورد استراتيجي يمكن التسلح به لتحقيق مكاسب سياسية.

اليوم، لا يشبه العالم الصورة المأمولة المتفائلة لنظام عالمي ليبرالي، كما ساد الاعتقاد في العقود التي أعقبت الحرب الباردة. فالصين الأكثر ثراءً والأكثر تمدد جغرافيًا تتعامل على نحو أكثر جرأة لبسط نفوذها في آسيا وإفريقيا وأستراليا وأميركا الجنوبية، وأوروبا على نحو متزايد في الآونة الأخيرة.

كما أن ضم روسيا لشبه جزيرة القرم أفضى إلى تحطيم أسس بناء النظام الأمني القائم على القواعد في الاتحاد الأوروبي. في الوقت نفسه تتخلص تركيا أردوغان من إرث أتاتورك، فيما تشتعل النيران في الشرق الأوسط، مع إصرار إيران على فرض هيمنة إقليمية تعزز نفوذها. وفي المقابل تكافح أوروبا للتعامل مع الهجرة الجماعية من الشرق الأوسط وإفريقيا وأماكن أخرى، والحفاظ على ما تبقى من أرضية سياسية تتقلص سريعا، وينشغل الاتحاد الأوروبي بالحديث عن منظمة “ذات مستويين” باعتبارها الطريق الوحيد الممكن إلى الأمام.

رجب طيب أردوغان

وفي منطقة غرب البلقان، يتزايد عدم الاستقرار السياسي، ليبدو العالم مختلفًا تمامًا عما بدا عليه قبل خمس سنوات فقط.

لحظة عابرة

الحقيقة الواقعية هي أن حسابات القوة الخشنة لم تختف أبدا من العالم، وأن المنافسة الجيوستراتيجية تراجعت إلى الخلف خطوة واحدة فقط  أثناء عملية إعادة توزيع الطاقة العالمية في ظل لحظة عابرة أحادية القطبية بدت خلالها هيمنة أمريكا على المشهد العالمي. لقد انقضت هذه اللحظة، وقفزت إلى الواجهة اعتبارات القوة الصارمة، بما في ذلك الفوارق في القوة العسكرية، وأصبحت تلك الحسابات في قلب السياسة العالمية.

وعلى الرغم من واقعية القول إن القوة، وليست القواعد والمعايير، هي أكثر ما تتطلع إليه الدول، وإن القدرة على التأثير في سلوك الآخرين تستند إلى أسس القوة الاقتصادية والعسكرية، فإن الفكرة القائلة إن الأعراف الدولية التي لا تتمتع بسلطة مهيمنة قادرة على فرضها لا تزال لديها الكثير من السلطة المتبقية. وإذا ما تم إقصاء الولايات المتحدة من مركز صدارة القوة العالمية، فعندئذ، وعلى خلاف الحقب السابقة من الهيمنة البريطانية أو الفرنسية أو الإسبانية، ستشكل القيم الجديدة المهيمنة ملامح العالم الذي نعيش فيه جميعًا، وليس ذلك العالم الذي تزدهر فيه فرضيات الديمقراطية الليبرالية.

رمال متحركة

إن ما يموج به عالم السياسة اليوم من رمال متحركة، لا سيما الانقسام والتفكك التدريجي للإطار المؤسسي الذي ربط الغرب ككتلة جامعة لما يقرب من 70 عاماً، غالباً ما يستخف به محللو السياسة ويرونه مجرد خلل مؤقت لن يستمر طويلا، وسرعان ما يعود الوضع الطبيعي الجديد لعالم تحكمه القواعد، لكن الواقع مختلف تماما، فالتغير الذي طرا على توزيع الطاقة في العالم والتحدي الذي يواجه مساعي الهيمنة الأمريكية على العالم، والذي عززه تزايد القوة الاقتصادية والعسكرية للصين والتأكيد الجيوإستراتيجي على نية روسيا في استعادة وضعها كقوة عظمى، يعني إعادة العالم إلى أساسيات القوة والتنافس مجددا للسيطرة على بلدان العالم. لقد انتهى عصر الليبرالية العالمية، وحان الوقت للاستيقاظ، وسيظهر الوقت ما إذا كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها باستطاعتهم التكيف سريعا مع هذا الواقع الجديد من أجل محاولة الردع.

المحتوى مترجم

تعريف بالكاتب: أندرو إيه ميتشتا، عميد كلية الدراسات الدولية والأمنية في مركز جورج سي مارشال الأوروبي للدراسات الأمنية.

أندرو إيه ميتشتا

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: