منوعات

الثورة الروسية تلقننا دروسا عن الشرق الأوسط.. ما أشبه الليلة بالبارحة!

مائة عام انقضت على اندلاع الثورة البلشيفية في روسيا، لكنها تبقى نموذجا اقتفت أثره – طوعا أو كرها – جميع الثورات الشعبية التي اجتاحت العالم على وجه العموم، ومنطقة الشرق الأوسط في بداية العقد الحالي على وجه الخصوص.

الكاتب البريطاني روبرت فيسك، يرسم في مقالة بصحيفة Independent، بعنوان What the Russian Revolution can teach us about the Middle East today، خطا يمتد عبر الزمان من نهاية عام 1917 إلى نهاية عام 2017، وعبر المكان من متحف الجيش في باريس Musee de L’Armee إلى ميادين الثورة والصراعات المسلحة في الشرق الأوسط.

روبرت فيسك

المتحف الباريسي – كما يراه فيسك –  يلقي بظلال سوداوية على “الصحوة” التي تدور رحاها في الشرق الأوسط، عبر ما يحتويه من ملصقات وصور فوتوغرافية ووثائق تؤكد محاولات المناشفة (الحكومة الروسية المؤقتة)، ثم البلاشفة، وضع العالم الإسلامي ضمن قوائم تدمير وقتل عائلة رومانوف.

تتقارب الخطوط التي يرسمها الكاتب أحيانا، وتتباعد أحيانا أخرى، بين الثورة البلشيفية التي غيرت وجه العالم، وثورة 25 يناير في مصر. فالإطاحة بمبارك تعيد إلى الأذهان مشهد الإطاحة بالقيصر، وفترة حكم الإخوان لا تختلف كثيرا عن فترة حكم المناشفة المؤقتة. لكن من يتصدر المشهد في مصر يختلف كثيرا عن لينين أو ستالين إبان حكمهما روسيا، والحرب التي يخوضها الجيش المصري في سيناء لا تتشابه مع حرب ’البيض‘ ضد ’الحمر‘ في روسيا. إلا أن الخطوط تعود فتتقارب بدرجة أكبر بين الثورتين في مشهد الإطاحة بالملك فاروق، وفترة الحكم المؤقتة التي تولاها محمد نجيب، ثم اقتحام عبد الناصر للمشهد السياسي.

على عكس الحالة المصرية، تمثل الحالة السورية، حسب فيسك، “توازيا مثيرا للقلق” يعرض لإمكانية تحول الثورات بسلاسة مذهلة إلى حرب أهلية. فرغم أن أعداد القتلى في سوريا لا تداني ملايين الروس الذين دفعوا أرواحهم ثمنا للصراع الذي دارت رحاه بعد عام 1917، لكن تبقى هناك بعض الملامح التي يتقاسمها كلا الصراعين. لم يتوقع السوريون، مثلما لم يتوقع الروس عام 1917، أن الحرب ستنقلب عليهم في غضون وقت قصير.

كما أن مشهد تدخل الدول الأجنبية (روسيا إلى جانب نظام الأسد في مقابل أمريكا وبريطانيا إلى جانب الجيش السوري الحر) دون أن تخوض قواتها غمار معركة حقيقية؛ إذ تركت مهمة الموت للسوريين، يكاد يبلغ حد التماثل مع مجريات الأحداث في روسيا عام 1917، عندما قررت دول أجنبية أن تضطلع بمهمة تحديد الفريق المنتصر في الحرب. وصلت القوات البريطانية إلى مدينة مورمانسك لدعم الروس “البيض” (الذين تحولوا بعد ذلك إلى “الخضر” أو المسلمين)، ومن المثير أن “البيض” أقاموا عواصمهم الصغيرة حيثما ذهبوا، تماما مثلما أقامت “داعش” عواصمها في الرقة (وفي الموصل في العراق).

ربما لا تصل الخطوط التي يمدها الكاتب بين العقد الثاني من القرن العشرين والعقد الثاني من القرن الحادي والعشرين حد التطابق، لكن حملات الشيطنة التي شنها البلاشفة ضد الروس “البيض”، التي تعرضها الملصقات المناهضة للدين والرأسمالية في متحف الجيش بباريس، لا تختلف في كثير عن الحرب ضد الإرهاب التي يعتقد الأسد وروسيا (وحزب الله والإيرانيون) أنهم يخوضونها اليوم في سوريا.

من المفارقات التي يوردها الكاتب أن المتحف يعرض أيضا رسوما مرعبة لعمليات القتل الجماعي، وجلد الرجال العرايا، واقتياد النساء إلى حفلات اغتصاب جماعي تتطابق مع مشاهد المحاكمات التي أقامها تنظيم داعش. يعرض المتحف أيضا أوراقا نقدية فئة عشرة روبلات من مفوضية القوقاز مطبوعة باللغة الروسية على أحد وجهيها، وباللغات الأرمينية والجورجية والأذرية (التي كانت تكتب بحروف عربية) على الوجه الآخر.

ومن المعروضات المثيرة إلى درجة كبيرة ملصق كبير باللغة التتارية التركية (مطبوع عام 1919 بالحروف العربية وباللغة السيريلية) يصور مجموعة من الفرسان يقودون فرقة محاربين، ويرفعون علما أحمر مرسوما عليه هلالا ونجمة، ومكتوبا عليه “إلى الرفاق المسلمين: إن أعداء العمال يقوضون حريتكم، ويمكنكم وحدكم الدفاع عن أراضيكم، وتستطيع القوات الروسية فقط أن تمنحكم… جبالكم… الانضمام إلى فرق الخيالة المسلمة… كل ذلك تحت النجمة الحمراء”.

لا يوضح العرض التاريخي بالمتحف موقف المسلمين من وجود هلالهم تحت النجمة الحمراء البلشيفية، لكنه يعرض صورا فوتوغرافية لسكان إحدى القرى المسلمة في شرق الأناضول تقدم فروض الإجلال للثورة الروسية السابقة التي اندلعت عام 1905، ولقطة لممرضة الصليب الأحمر، نينو دجوردجادز، تمتطي جملا.

لكن التاريخ أثبت – كما يشير الكاتب – أن الجمهوريات الإسلامية التي انضمت إلى الاتحاد السوفيتي لم تتمتع بالحرية الموعودة، وأن القوة السوفيتية أنزلت بها أبشع صنوف التطهير العرقي والديني، وأجرت عليها أقسى عمليات القتل والإعدام، كسائر جمهوريات الاتحاد السوفيتي التي خلفت الإمبراطورية الروسية؛ حيث وجد الشيوعيون أن المسيحية تعبر عن ثوابتهم أكثر من الإسلام لأن “يسوع ابن نجار من الطبقة العاملة، بينما ينتمي محمد إلى الطبقة البرجوازية”.

واليوم، تمارس روسيا عمليات قتل موسعة ضد المقاتلين المسلمين (الإرهابيين) في سوريا، الذين تعود أصولهم بلا شك إلى الفرسان التتار الذين كانوا يحملون العلم الأحمر قبل قرابة مائة عام من الزمان.

ما أشبه الليلة بالبارحة، وما أشبه الحرب على الإرهاب والدور الروسي والغربي اليوم به قبل مائة عام.

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق