رؤى

خالد التوزاني: التصوف الأخلاقي سبيلنا للتخلص من الإرهاب

ساهمت أعمال الباحث المغربي خالد التوزاني في تقديم رؤية منصفة للتصوف الإسلامي، عبر كتاباته المميزة ومؤلفاته العديدة التي تركز على تبيان روح التصوف ومكنونه الروحي بعيدا عن ممارسات شاذة وأفكار مشوهة لفرق ضالة يحسبها البعض على التصوف.

التوزاني ابن مدينة فاس، العاصمة العلمية والروحية للمملكة المغربية، حصل على دكتوراه الدولة في الآداب والعلوم الإنسانية من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 2013، ومن أشهر مؤلفاته “جماليات العجيب في الكتابات الصوفية: رحلة ماء الموائد لأبي سالم العياشي (ت1090هـ) أنموذجا”، الصادر عام 2015، والذي احتفت به الأوساط الثقافية والدينية في العديد من البلدان الإسلامية لما يمثله من اجتهاد منهجي ومعرفي في سبر أغوار الكتابات الصوفية وتجلية مكنوناتها. الكتاب يتناول بالشرح والدراسة الرحلة الصوفية المسماة “ماء الموائد” لصاحبها الرحالة المتصوف المشهور أبي سالم العياشي (ت 1090هـ).

كما صدر له في عام 2017 كتاب “التصوف الإسلامي: نحو رؤية وسطية”، الذي يستعرض ما يذخر به التصوف من مخزون معرفي وثقافي وأخلاقي يؤهله للإسهام بفعالية في بناء الحضارة الإنسانية المعاصرة، عبر منهج العِرفان الصُّوفي الذي يركز على إصلاح الباطن ليفيض على الظاهر بالخير والنقاء.

التوزاني يكشف في هذا الحوار مع “أصوات” أوجه التشوه التي لحقت بمفهوم التصوف وإمكانات تقويمها حتى تستعيد هذه المدرسة الراسخة في الفكر الإسلامي زخمها في التأكيد على قيم الإسلام السمحة في مواجهة نزعات تطرف وعنف مسلح سادت المشهد في العقود الأخيرة. وهنا نص الحوار.

ترى الصوفية البديل الأمثل لنزعات التطرف التي لحقت بالإسلام، لماذا؟

التَّصوُّف ليس مجرد نزعة روحانية في الأديان، وإنما يؤسس تيارا لحوار الثقافات وترسيخ السلام ومحاربة التطرف عبر رؤية إصلاحية تكتسب أبعادا سياسية في كثير من الأحيان، وهذه الرؤية حاضرة في توجهات الطرق الصوفية الكبرى عبر العالم، فالسياسة باسم المقدس للقفز على السلطة باتت الحل الأسهل أمام العديد من السياسيين، لكن الشعوب سرعان ما تكتشف مكر اللعبة السياسية، عندما لا يفي السياسي بالوعود ويخون رسالة الدين السامية في نشر الأخلاق وتحقيق العدل والمساواة والتنمية. هنا يمثل التصوف الأخلاقي بديلا حقيقيا للتيارات الدينية التي تنهل من المقدس مشروعية برنامجها السياسي والإصلاحي، فالتصوف هو المحبة لكل الخلق وترك الشقاق والافتراق وزرع محاسن الأخلاق وفضائل القيم في النفوس، وهذا ما نستمده من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ويوافق القرآن والسنة.

البعض اتهم الصوفية بإشاعة الجهل في المجتمع وترويج سلوكيات خاطئة كالإيمان بالكرامات وغيرها؟

طغى على بعض الممارسات الصوفية قدر من الغلو أو التطرف والانحراف عن منهج الكتاب والسنة وتحكيم شهوات النفس مثل حب الجاه وحب الظهور الذي هو قاصم الظهور حسب الصوفية، ما أفضى بهذه التيارات إلى الابتعاد عن النهج الإسلامي السديد والاقتراب من مذاهب فلسفية وعقائد أخرى لا تستند إلى شريعة الله وتستمد أصولها وتطبيقاتها من خليط متنوع لأفكار وتصورات تخرق المألوف من الدين والعرف والذوق، سعيا إلى لفت الانتباه بافتعال الكرامات وادعاء الصلاح. والتصوف لا يكون مكونا من مكونات الدين، إلا إذا التزم أصحابه بمقام الإِحسان الذي ورد في الحديث الشريف: “الإِحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإِن لم تكن تراه فإِنه يراك”.

والنظرة المنصفة للتصوف تتطلب غربلته وتصفيته، ليخرج للناس طاهرا مضيئا مداويا لأسقام النفس ومعالجا لأمراض العصر، بما يعزز إسهامه في واقع المسلمين، خاصة في الجانب العقدي والأخلاقي، الأمر الذي يستوجب وجود قيادة صوفية مؤهّلة لحمل رسالة التنوير وإصلاح القلوب والعقول، قيادة حقيقية وليست شكلية أو صورية فقط.

وماذا يتعين على التيار الصوفي عمله للنهوض بهذه المهمة؟

التيار الصوفي لن يتطور إلا بإحياء العلوم، خاصة علم إصلاح القلوب، وهذا يقتضي العودة إلى منابع الإيمان في القرآن والسنة، وليس في أقوال وأعمال صوفية اختلط فيها الحابل بالنابل، وباتت ساحة للادعاء والتدليس على الناس، والكذب باسم المقدس.

في التصوف ما ليس من الدين، أو على الأقل فهمٌ مخالف لظاهر النصوص، ما يفرض ضرورة إعادة تقويم التصوف وتصحيحه، وهو ما أنجزت بعضه في كتابي: “التصوف الإسلامي نحو رؤية وسطية”، لتخليص التصوف مما علق به من إضافات في العقيدة وطقوس في العبادات ومراجعة نظرتنا إليه، وخاصة تلك المظاهر التي كانت لها آثار سلبية واضحة على العلاقة بين العبد وربه، أو بين الإنسان وأخيه الإنسان، لأن صلة الإنسان بالله، لا تحتاج لأي واسطة بشرية.

وحتى يكون التصوف جاهزا لمهمته بأن يكون بديلا للجماعات الراديكالية المنتمية للإسلام، عليه أن يبدأ ثورة روحية وأخلاقية حقيقية، ليصبح السلوك مطابقا للمعتقد. لا شك أن ازدواجية الخطاب اليوم من أخطر المشاكل التي تواجه التيارات الدينية والسياسية، وحتى الثقافية والفكرية، ولا سبيل لإعادة المصداقية لتلك الخطابات إلا بتصحيح المسار، وهذا أمر صعب جداً، مع قيادات لا تستطيع التنازل عن المكاسب وترك المناصب والشهرة والجاه والمال والسلطة، فتلك أشياء تبحث عنها النفوس الباحثة عن الظهور والتملك والسيطرة، وهذه سمات لا تصلح للقيادة الحقيقية، ولنا في سيرة الأنبياء خير شاهد على ضرورة الفناء في خدمة البشرية والصبر والاحتساب والبذل والعطاء، وهي أخلاق الصوفية كما وردت في الكثير من الأدبيات التقليدية، ولكن عندما نخرج إلى الواقع ونشاهد المتصوفة فإننا نصاب بالصدمة بسبب الازدواجية في الشخصية، حيث لا يطابق الكلام حال الشخص، وهذه وضعية تؤخر جاهزية التصوف للدور المنوط به.

وكيف ترى واقع مدارس الصوفية في عالمنا المعاصر؟

هناك عدة مدارس صوفية في العالم العربي، لها صلة بالبيئة المحلية وخصوصيات العصر الذي يعيش فيه المتصوف، ولذلك كثيرا ما نجد الاختلاف واضحا في طقوس الصوفية ومعتقداتهم، من صوفي لآخر، ومن بيئة معينة لأخرى، تصل إلى درجة الكلام عن التصوف منسوبا إلى بلاد ما، مثل “التصوف الفارسي”، أو “التصوف الإفريقي” أو “التصوف الأنجلوساكسوني”، علما أن هذه التسميات لا يجوز إطلاقها من الناحية العلمية، وأن الأقرب للصواب يقتضي القول: التصوف في بلاد فارس، والتصوف في إفريقيا، والتصوف في الغرب الإسلامي، أو التصوف في العالم الغربي عامة،.. وغير ذلك.

 كما نجد التصوف أيضا منسوبا لحقل معرفي معين أو مجال ثقافي وتداولي مثل لتصوف الفلسفي، والتصوف السني، والتصوف الطرقي، وغير ذلك. هذا الأمر يدل على وجود “ثابت” هو التصوف الإسلامي، يتعايش مع “متغير” هو البيئة التي يتنفس هواءها، سواء كانت البيئة بالمعنى الجغرافي أو حتى الفكري، فالمفاهيم الصوفية تتغير تبعا لتجارب أصحابها في الزمان والمكان، على الرغم من وجود أصول واحدة تؤسس لذلك الثابت الذي هو كنه التصوف وجوهره، أي القرآن والسنة ، وهو الذي ينبغي أن يظل صامدا أمام كل تعديل أو تحويل، وإلا أدى إلى الانحرافات والبدع والضلالات.

وأفضل مدرسة صوفية هي التي تلتزم الكتاب والسنة، وبالطبع جميع الطرق الصوفية في العالم تدعي أنها ملتزمة بالكتاب والسنة، وهو ما لا نجده في المشهد الراهن مع ما أصاب الممارسة الصوفية من خلل، وأفضل ما قد يجده المرء هو بعض الصالحين الذين يلتزمون الكتاب والسنة وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم على قلتهم يصعب معرفتهم على الحقيقة، فالله وحده أعلم بالمهتدين.

وما السبيل إلى تخلص مجتمعاتنا من بذور التطرف والإرهاب؟

ما نراه اليوم من مشاهد دموية وأجساد تنفجر طوعاً واختياراً طلباً للجنّة والتقرب إلى الله دليل على خطورة التطرف الديني والإرهاب باسم المقدس، فسلاحهم “الجسد” و”الحسد”، وهو سلاح يسهل امتلاكه والتحكّم فيه، وقد تزايد حجم الظاهرة الإرهابية، بسبب ارتباطها في الغالب بمبررات دينية وعقدية وطائفية.

المؤسف والخطير أنَّ المستهدف بهذا العنف هو المجتمع برمّته، سواء المجتمع العربي أو غير العربي، وللقضاء على هذه التنظيمات المتطرفة، لابد من إقامة المواثيق الإنسانية والاجتماعية لإرساء نوع من الأمان الديني، الذي يضمن حقوق المستضعفين والأقليات عبر العالم، من خلال نظام قانوني مُلزمٍ للجميع يضمن حرية التدين، وتدبير المصالح الدينية والدنيوية وفق معايير الانتفاع المشترك والتوزيع العادل للثروات، وقوانين فرض الاحترام وتمكين الإنسان من تعليم جيّد وصحّة واستمتاع ببعض المباحات، في سياق التوازن بين الروح والجسد، وأن تكون فرص النجاح والترقي وفق قاعدة الاستحقاق وبذل الجهد والتضحية والعطاء، وغيرها من قيم العصر التي تنتعش في البيئات المتقدمة والمجتمعات المتحضّرة، فالتطرف ينمو في الظروف المزرية التي تقيد الحدود ولا تمنح الحقوق. والتنظيمات الإرهابية المسلحة هي مرحلة متقدمة من هذا التطرف الذي يبدأ اجتماعياً واقتصادياً لينتهي سياسياً ودينياً، فالحروب المسماة زوراً بالحروب الدينية ما هي إلاًّ حروب أنظمة ومصالح تركب على المطالب الاجتماعية للمحرومين، وتجنّدهم لخدمة مصالحها، وإذاً فالقضاء على التفاوتات الاجتماعية هو السبيل الأنجع لمحو ظاهرة التطرف، فضلا عن سن القوانين والمواثيق وتحقيق العدالة.

أيّ حُضور للتصوّف في السّياق العالمي المعاصِر؟

لم يكن التصوف مجرد اتجاه ديني أو فلسفي معزول عن السياق المجتمعي، وإنما شكّل خزانا مهما من القيم والأخلاق، ورافدا من روافد الحضارة الإنسانية، وقد سعى المتصوفة عبر تاريخهم الطويل للتواصل مع الآخر، بدافع إنساني أولاً يتمثل في نشر المحبة والسلام والتكامل بين الحضارات، ثم بدافع ديني يتمثل في تبليغ رسالة الإسلام في الدعوة إلى التعايش ونبذ العنف والتطرف، ولذلك نجح التصوف في تواصله مع الحضارة الغربية، إذْ لم ينظر إليها باعتبارها عدواً أو أرضَ حرب، وإنما استفاد من مؤهلاتها وإمكاناتها الحضارية والعلمية، وبالمقابل حاول ترميم النقص لديها، بالتركيز على الجانب الروحي، وهو مظهر من مظاهر الحوار المثمر والمفيد.

اليوم نجد الكثير من المسلمين في العالم الأنجلوساكسوني والفرانكفوني دخلوا الإسلام من بوابة التصوف، متأثرين بخصوصيات الحياة الصوفية التي تعلي قيم الوسطية والاعتدال والحوار والتسامح وقبول الاختلاف ونبذ التطرف والعنف، مما أسهم في ترسيخ التجربة الصوفية وتعميقها، وأيضا نقلها من المحلية إلى العالمية، كعولمة روحية تليق بحضارة العصر، وتُنقذ ماء الوجه، عندما تُسَوِّدُ الحروب وَجْهَ البشرية.

ما هو القادم بالنسبة لك من جهة الكتابات؟

حاليا أعمل على إنجاز عدد من الدراسات العلمية في حوار الثقافات وتعايش الأديان وفي التنظير الأدبي وفي مجال النقد الثقافي وتحليل الخطابات، كما أعمل على إعادة تقويم التصوف بإحياء قيم النهوض فيه، وبعث الحياة لجملة من الأخلاق والفضائل في هذا الخزّان من القيم، خاصة وأن العالم اليوم يتطلع لمن يقترح البديل للتيارات التقليدية التي فشلت في إبداع الحلول لواقع معقد وصعب.

كيف تقيم تجربة المغرب في محاربة الإرهاب؟

الجهود التي بذلها المغرب في هذا الصدد كانت كبيرة جدا، واستمرت لعدة سنوات، سواء السياسة الوقائية التي اعتمدت على التربية والتوعية بمخاطر التطرف، أو عبر السياسة العلاجية بالتصدي الحازم لكل مظاهر التطرف، لأن الإرهاب لا يأتي دفعة واحدة، ولكنه ينمو عبر مستويات متدرجة من الظهور، وينتعش في البيئات الفقيرة خاصة، ولذلك أطلق المغرب عدة مشاريع اقتصادية ذات أبعاد اجتماعية للحد من التفاوتات الاجتماعية وتحقيق عدالة مجالية في توزيع الثروات ونشر التنمية وتحسين جودة الخدمات العامة، فضلا عن الاهتمام بالتربية والتعليم وإصلاح المناهج والمقررات، ما كان له نتائج إيجابية في القضاء على ظاهرة التطرف والإرهاب، بل أصبح المغرب نموذجا عالميا في تصدير أنظمة الأمن والحماية من الانحراف الديني والطائفي، وتجربته اليوم تعرف اهتماما عالميا، حيث يستفيد من هذا النموذج عدد من دول إفريقيا وأوروبا ودول المشرق العربي.

الوسوم

أحمد الجدي

باحث في شئون الإسلام السياسي

مقالات ذات صلة

إغلاق