فن

صلاح عناني: أعمالي تفتح الحاضر على المستقبل وتنتصر للغالبية المهمشة

تميز الدكتور صلاح عناني بتحويل المهمشين إلى أبطال في لوحاته منذ بداية رحلته مع الفن التشكيلي التي بدأها فى أواخر السبعينات. لوحاته تشخيصية تعبيرية تشبه مبدعها بكل ما تحمله من ضجيج وثورة بحد تعبيره، تحمل نصاً بصرياً من خلال قصة أو موقف أو مشهد محدد يصوغه تشكيلياً بآلية بها كم كبير من المبالغة فى التكوين والتعبير والسخرية والدعابة، هى آلية يمزح بها مع شخصياته بل يخوض فى الوقت ذاته مغامرة مع متلقى أعماله.

عناني في حواره هنا مع “أصوات” يأخذنا إلى عالمه الفني بكل ثرائه وثورته.

 لتكن البداية من تعاملك مع المسطح الأبيض، هل تخوض تحدياً مع اللوحة؟

 اكبر شجار أخوضه مع هذا الوسيط، اللوحة التى لا انتصر عليها لا اعتبرها ناجحة، لابد أن يكون فيها إضافة في التشكيل عن سابقتها، بل لابد أن تفاجئني كل فترة. هناك خلل نلحظه أحياناً، بمعنى أن فنانا لديه وصفة لون وأشكال وموضوعات ومن ثم يقدم وصفة متواصلة، هذا ليس بفن، بل يعكس الفرق بين الفنان الاعتيادى والمميز. من المهم أن يخلق الفنانون الكبار طرقاً للفنانين الأحدث سناً ويفتحوا لهم أفقاً جديدا للتعبير.

 المبالغة فى اللوحة أحد الأساليب الفنية التى تميز تجربتك.. ما الذي يغريك بهذا الأسلوب؟

هذا هو الأسلوب الذى أتميز به، فالمدرسة التعبيرية تختلف عن الكاريكاتير. أبالغ فى الأنف والنظرة والعين، عندما تشاهدين موقفاً صامتاً فى الموالد دون الأستماع للصوت تجدين فن الإشارة والتعبير بالعين والرمش والحاجب والأصابع، لغة الجسم. المصريون يحبون الحياة الجماعية المضغوطة المكثفة، وهذه هي الرؤية التي يزداد شغفي بها. لدينا كم مفردات تعبيرية خاصة بنا كمصريين، ولكي أظهر خفة الروح المصرية لابد أن أجري مبالغات تشكيلية وأمزح بها، المبالغة خاصية جميلة تعطينا فرصة للتعبير أكثر عن هذا الوجود. الفنان المتميز ليس من يتحكم فى اللوحة ولكنه يعطي اللوحة الفرصة لكى تتفاعل معه.

الموظف

 تعمل على كتاب عن الشخصية المصرية، ما الأبعاد التي يطرحها منتجك الجديد؟

 اللحظة الراهنة لا تسمح باستقبال كتاب جديد لأن المجتمع يُعاد تشكيليه وأنا حاليا أطبق نظريات على المجتمع، فمنذ 25 عاماً وأنا مشغول بهموم الشخصية المصرية التي لم نفهمها بعد، بمعنى أننا لا نضعها في إطار معين بل في شبه معادلات، ولم أستقر بعد على القطع والشكل الذى سينزل به الكتاب.

 هل يزعجك أقتباس البعض لقطات ومشاهد ساخرة من بعض لوحاتك التي لاقت رواجاً كبيراً؟

لوحتي “100 عام سينما” و”100 عام تنوير” ذاع صيتهما، خرج منهما تشكيليين كثيرين اقتبسوا بعض التفاصيل واللقطات الحية، لكن في النهاية العمل المتكامل يبقى والمفكك يفنى. لوحاتي تبقى في الضمير الجمعي المصري، مثل العلم والنشيد، كنت أغضب في البداية لكن حالياً لم أعد اهتم على اعتبار إني أقدم قفزات كبيرة، وأترك ما بدا لي في فترة ما ثوريا وأصبح الآن اعتياديا. لا أحب إعادة انتاج فني حتى لو كان يبيع، شيطاني الفني في الاستوديو يخالفني دائماً، كلما أردت تقديم عمل مشابه للمطلوب يخدعني ويذهب بي لمنطقة أخرى تعجبني لأن بها ابتكار، فأترك اللوحات دون بيعها، خاصة أن احتياجاتي بسيطة، أسير على قدمي كثيراً وأفضل الحياة البعيدة عن التكلف. الجميل أن بلدي أعطتني الكثير وتم اقتناء أعمالي في بداياتي الفنية، فالفن أعطاني ما يجعلني أعيش بشكل كريم ولا أحتاج لأحد.

100 سنة سينما

 لا نراك فى الفاعليات الفنية فهل تعيش فى برج عاجي أم تفضل العزلة؟

لست منعزلاً، أصدقائي من البسطاء والمثقفين بمختلف مجالاتهم لكن لا التقيهم بقاعات العرض، نلتقي بعدة أماكن بوسط البلد ونعرف أخبار المعارض وغيرها من عالم النميمة، حتى أن أحد لوحاتي التي تم اقتنائها بأحد أماكن وسط المدينة بعنوان “النميمة”. فكرة الذهاب لقاعة عرض كنت أقوم بها قديما على سبيل رد الجميل، حالياً أجد المعارض كثيرة ومملة، وعندما يظهر معرض له أهميته أراه. كذلك علينا ألا نغفل الوسائط الحديثة والعرض الفوري على وسائل التواصل الاجتماعي وندوات ولقطات الفيديو. معظم العارضين قمت بالتدريس لهم على مدار ثلاثين عاماً فكيف أكون منعزلاً وقد رأيت تجاربهم المبكرة. في مصر من المستحيل أن ينعزل أي شخص، فبلدنا لا تسمح بالبرج العاجي، ستجدين من يخترق عزلتك، أمشي على قدمي وسط الشارع وركنت سيارتي منذ 25 عاماً، فالفنان جزء من الشارع، والبرج العاجي هو ألا يلوث المبدع عقله ووجدانه بالأفكار السيئة، وأن يحاول الحفاظ على وجدانه نقياً وروحه حيةً وألا يدخل في اشتباكات ونميمة، ويبتعد عن الشللية لخطورتها. في وقت سابق كنت جزءا من شلة ولفظتها عندما استشعرت أنها خطر ينتج عدوى، بمعنى أن حجم تأثير الآخرين في الفرد يكون أكثر من تأثيره في نفسه، وهذا خطر على الفنان الذي لابد أن يبتعد حتى يتجدد. في الشلة يرددون جميعاً نفس المصطلح ويستخدموا نفس الألوان والأشكال دون تغيير أو تجدد، التجدد يصنعه الفنان عن طريق علاقته بالشارع، أصدقائي 40 عاماً في الغورية، أنزل الموالد وأعرف ناسها، معظم “الموالدجية” عملوا معي بالتنورة وتجولت بهم دول العالم، وعندما تم إنتاج فيلم عن التنورة بعنوان “الألوان السبعة” لم يذكرني أحد. هنا أشير إلى أن فكرة التعالي والطناش عادة مصرية تزداد نمواً عندما يمر المجتمع بفترات اليأس.

 أربعة عقود لك مع الفن. هل يمكنك أن تلخص مشوارك مع اللوحة والتمثال؟

 أسست مصدر نبع للفن في مصر يرتوي منه الناس، وهذا النبع لم يقترب منه أحد قبلي، أخذت الحياة المصرية البسيطة بدأب 40 عاماً من البؤر الخلفية والحواري والمهمشين وضعتهم في صدارة المشهد المصري. حتى عندما رسمت 100 سنة سينما، و100 سنة تنوير، صورت المثقفين والممثلين ناس بسيطة، نعم هم يشبهون توفيق الحكيم وأم كلثوم وعبد الحليم، لكنهم في اللوحات ناس بسيطة. لوحاتي ليست شيك، وهذه الرؤية لم تكن موجودة في مصر. انتصر للغالبية المهمشة، خرجت أفلام من لوحاتي، وأصبح المهمشين أبطالها. اللوحات مصدر للرؤية الفكرية والثقافية، ما زالت أمارس هذا الدور، أحاول أن أسبق نفسي. أعظم شيئ هو انتصار الفنان على نفسه وليس على الحركة التشكيلية والفنانين، دور الفن أن يفاجئ الفنان نفسه وألا يعيد نفس الوصفة المعتادة، فعندما يفاجئ المبدع نفسه ويقفز بفنه يجعل من يقلدونه في مستوى، ويطير هو. أنا أفضل الطيران، هناك من يرى في الطيران برج عاجي، لكن الطائر يرى من منظور مختلف. أنا في الواقع أرى من منظورين، منظور النملة، أي البؤساء والفقراء، لأني أسير في الشارع، ومنظور عين الطائر التي ترى المخيلة الكلية، تاريخ الأمة وروحها وهذا موضوع مهم ربما يمد الأجيال القادمة في المستقبل بأفكار مهمة تنهل منها، فالفنان الموهوب يفتح الزمن على بعضه، الماضى على الحاضر على المستقبل، هناك لوحات أقوم بتوقيعها بتاريخ العام القادم أو بعد القادم لأني أشعر ان بها نقلة نوعية وهذه أجمل شيء.

دنجل

محطة مصر

البلكونه

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: