منوعات

اللهم نجنا من الشيخ عبد العال

في سبعينات القرن الماضي بثت الإذاعة المصرية مسلسلًا يحمل عنوان “المماليك” كانت أحداثه تدور حول الاستعدادات المصرية لخوض معركة فاصلة مع التتار، وتلكم كانت معركة عين جالوت الشهيرة التي جرت في الخامس والعشرين من رمضان من العام الهجري 658 الموافق 3 سبتمبر 1260 ميلادي.

في ذلك المسلسل وضع مؤلفه الأديب الراحل عبد الرحمن فهمي يده على ثغرة من تلك الثغرات التي ينفذ منها العدو لجسد الوطن.

قدم المؤلف شخصية الشيخ “عبد العال” الذي كان مضرب المثل في الطهر والعفاف والتقوى والورع والزهد في متاع الحياة الدنيا، حتى أنه غادر العمران ولجأ إلى كهف في الصحراء ليعبد الله بعيدًا عن مشاغل الحياة.

أخلاق الشيخ عبد العال السامية ذاع أمرها بين الناس فذهبوا إلي كهفه  طلبًا لبركته. كان عبد العال يقابل زائريه أو مريديه بوجه عبوس، فهو لا يريد الشهرة ولا يطمع في أي مكسب من مكاسب الدنيا الفانية، ثم تغلبه طيبة قلبه فيرق لزائريه ويبش في وجوههم ويحادثهم حديث الأب الحنون العارف العالم الخبير، وفي لحظة هو يعرفها جيدًا لأنه تدرب على اقتناصها، وهى تلك اللحظة التي يدرك فيها أنه تمكن من قلوب زائريه، يبدأ في بث رسالته الحقيقية.

 كان يحاور ويناور حتى يقود مجرى الحديث ليصل إلى شاطئ خطر التتار الذي يقترب من مصر بعد اكتساح التتر لبغداد وفلسطين وسوريا.

كان يقول لزائريه بصوت تخنقه دموع الخوف: “آه من أولئك التتر، إنهم أكثر من عدد حبات الأرز في حقول الصين، وأكثر من عدد حبات الرمل في صحراء العرب، وأقسى من الصخور وأصلب من الحديد”. يقول الشيخ جملته هذه، ثم ينخرط في نوبة بكاء عنيفة تلقي بالرعب في قلوب المحيطين به.

مع تقدم أحداث المسلسل سنعرف أن الشيخ ليس شيخًا، إنه محض جاسوس، جاسوس فكري، أو جاسوس روحي، هذا إن جازت التسمية. رسالته الحقيقية هي بث الخوف في قلوب المصريين وبث الإحباط ونشر الهزيمة فوق قلوبهم.

معنى الرسالة: لا تحاربوا، لا تقاوموا، لا تحلموا بأي نصر كان، الهزيمة هي قدركم الذي لا مهرب منه.

اثنان من أولاد البلد الذين لا تنطلي عليهم حيل الجواسيس، شكا في حقيقة الشيخ المزعوم، فراحا يرقبانه ليل نهار، حتى ضبطاه متلبسًا بعقد لقاء ليلي مع قائد من قادة التتر، أثنى خلاله القائد التتري على الجهد الذي يبذله عبد العال في إشاعة الهزيمة بين المصريين.

ثم لقن المصريون عبد العال درسًا لا ينسى، عندما حشدوا العالمين العربي والإسلامي تحت قيادة السلطان قطز وهزموا التتار هزيمة لم تقم لهم قائمة بعدها.

شخصية عبد العال من الشخصيات العابرة للأزمنة والأمكنة، كأنها فيروس يستوطن الهواء فإن تمكن من جسد أمة فتك به، تلك الشخصية تعيش بيننا الآن، إنهم أولئك الذين يهولون من قدرات العدو ويضعفون من قدراتنا ويتحدثون دائمًا عن الهزيمة كأن الليل العربي لن يعرف النهار أبدًا، هو ليل سرمدي لا نهاية له.

وبفعل تقدم قوى الشر البشري وتمكنها من أدواتها صنعت جناحًا أضافيًا لتلك الشخصية. إنه الجناح المتهور الذي يريد إنهاء كل الملفات الآن الآن وليس بعد خمس دقائق، إنه الجناح الذي يحلق بفكره في فراغ الخيال الرحب صانعًا بطولات من ورق ومتحديًا الكون كله وهو يعلم أنه لا يملك من أدوات وآليات التحدي شيئًا.

ذلك الجناح الإضافي هو مثل عبد العال وإن اختلفت الصور وطبيعة المهمة. جناح يهول من قوة العدو لكي يقضي على كل عزم على المقاومة، وجناح يهون من قوة العدو لكي يدفع الأمة إلى مواجهة لم تستعد لها. في أيامنا هذه يجب أن ننبت لأنفسنا عينًا ثالثة لكي نرى المشهد من مختلف زواياه حتى لا نقع فريسة خداع عبد العال وفريقه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: