ثقافة

شعاع من بعيد.. في ذكرى الأستاذ العميد

الدكتور طه حسين له معي قصة، أعتقد أن الكثير من أبناء جيلي يشاركونني فيها وإن إختلفت في بعض وقائعها، ففي منتصف ستينيات القرن الماضي، وأظن أنه عام 1965 استضاف التلفزيون العربي، وكان بالمناسبة هو الاسم الرسمي للتلفزيون المصري، عددا وافرا من الأدباء والكتاب الكبار ليكونوا في حضرة عميد الأدب العربي .

كان من هؤلاء الكبار، ولكم أن تتوقفوا عند تلك الشخصيات، أسماء مثل المفكر الكبير محمود أمين العالم، وصاحب نوبل نجيب محفوظ، ويوسف السباعي رئيس المجلس الأعلى للثقافة والآداب والعلوم، ويوسف إدريس عبقري القصة العربية القصيرة، ولويس عوض عميد النقاد العرب، والفيلسوف زكي نجيب محمود، وزميله الكبير عبد الرحمن بدوي، وعدد آخر من المفكرين والأدباء، فضلا عن منظم اللقاء الأستاذ أنيس منصور، وذلك في إطار برنامج شهير للغاية كان اسمه “نجمك المفضل” تقدمه الإعلامية ذائعة الصيت وقتها، الأستاذة ليلى رستم.

اللقاء كان حدثا ثقافيا تاريخيا نادرا، لا تضيع ذكراه وبعض تفاصيله عن ذاكرة كل من شاهده، وكنت من حسن الحظ واحداً من هؤلاء. لكن ما أقصده هو التوقف عند طه حسين، ليس المفكر أو الأديب العميد، ولكن كنت أشاهده بعين وقلب الصبي الذي لم يغادر بعد سنوات المرحلة الإعدادية، كنت أتفحص معالم الوجه النبيل، ونبرات الصوت المميز الهادئ الرصين، وردود الفعل على مايسمع من هؤلاء الكبار، وإجاباته المُكثفة العميقة على تساؤلاتهم التي لا تقل عُمقاً عما يقول الأستاذ العميد.

وقتها أحسست وأيقنت أن هذا الرجل الكبير، هو “أبي” بكل معنى الكلمة، فقد لمست فيه حناناً فياضاً، وهدوء آثراً، وعلماً شاملاً، وقبل ذلك كله، سلاماً مع النفس يتجسد في كل كلمة وفعل. لم يكن هذا هو الشعور الأول لي تجاه الأستاذ العميد، بل هو الشعور التالي، أو قل الحاسم تجاه طه حسين، فقد عشقت صوته ورسخت دروسه في قلبي وعقلي منذ سنوات الطفولة، وأظن أن أبناء جيلي أيضاً يشاركونني فيما أقول، فقد نشأت في بيت من بيوت الطبقة الوسطى، اعتادت يومياً وبانتظام سماع “حديث الصباح” الذي يأتي في أعقاب صلاة الفجر كل يوم من البرنامج العام لإذاعة القاهرة.

كان الدكتور طه حسين له يوم يطلُ به على مستمعيه، وأظنه يوم الأربعاء من كل أسبوع، ليحادثهم في موضوعات شتى تتراوح بين النقد الأدبي، أو عرض لعدد من قضايا الفكر والأخلاق، أو الإطلال على بعض جوانب الفلسفة الحديثة والقديمة، أو التوقف عند تاريخ الشعوب وأبطال التاريخ.

أحاديث قيمة وأفكار عميقة، تأتي بصوت العميد بلغة عربية فصحى شديدة العذوبة والبساطة والجمال، وأظن أن عدداً وافراً من كتب الدكتور طه صدرت بعد ذلك لتضم تلك الدرر، أذكر منها كتبه: حديث الأربعاء، خواطر، كلمات، أحاديث، قادة الفكر، مرآة الضمير الحديث، كتب ومؤلفون.

غير أن الدكتور طه لم يكن الفارس الوحيد في أحاديث الصباح الإذاعية اليومية، فقد شاركه عمالقة كبار أمثال الأستاذ عباس محمود العقاد، الشيخ أحمد حسن الباقوري أول وزير للأوقاف في عهد ثورة يوليو، الأستاذ محمد شفيق غربال مؤسس مدرسة التاريخ العربية والمصرية الحديثة، الدكتور سليمان حزين مؤسس جامعة أسيوط وأستاذ الجغرافيا الكبير، الشيخ أمين الخولي أستاذ الفلسفة والفقه الإسلاميين، الدكتورة عائشة عبد الرحمن “بنت الشاطئ” أستاذة الفقه والتشريع صاحبة المؤلف العظيم “سيدات بيت النبوة”، .. وغيرهم.

عمالقة كبار بالمعنى الدقيق للكلمة، فقد جمعوا بين عمق الفكرة والقدرة على التعبير بلغة عربية جميلة وفصيحة، فضلاً عن تجربة إنسانية ثرية لكل منهم. غير أن، وهذا ما أريد أن أقوله، أن الأستاذ العميد احتل في قلب ووجدان الصبي الصغير المكانة المفضلة والأثيرة التي لا ينازعها أحد من هؤلاء الكبار، كلٍ له مقامه وقيمته التي لا يدركها إلا كل من قرأ لهم وأطلّ على بعض من شاطئ علمهم، لكن طه حسين كان بالنسبة لي هو الأمل والرجاء الذي أنتظره في يوم حديثه، كانت الفكرة النيرة والصوت الهادئ العميق والرقيق في آن واحد، مدخله في احتلال القلوب وامتلاك العقول، لا ينازعه في جمال الصوت سوى الأستاذ العقاد، لكن أفكاره العميقة والمُكثفة ولغته الفُصحىّ الصارمة كانت حائلاً في تلك السن من إدراك الكثير مما كان يقصد.

بقي طه حسين هو صاحب السبق في امتلاك ناصية القلب والعقل معاً، كان الصوت حينها، صوته النبيل، هو السفير المُعتمد لدى القلب والعقل، حتى يوم رؤيته على شاشة التلفزيون العربي المصري، فيحتل آنذاك، بالصوت والصورة، مكانة “الأب”.. الأب المثقف الحنون، مُبتسم الوجه، سهل العبارة، قوي الحُجة.

 مرت السنوات، وقبل أن يغادر الدنيا شاهدت صورته في ختام رئاسته للاجتماع الأخير لمجمع الخالدين، مجمع اللغة العربية، الذي يضم في عضويته عمالقة اللغة العربية وأساتذتها الكبار من مختلف الدول العربية والناطقين بالضاد من شتى أنحاء العالم.

شاهدت جسده النحيل النبيل محمولاً على كرسيه إلى سيارته الذاهبة إلى منزله، فيلا “رامتان” بمنطقة الهرم بقلب القاهرة، ليرسخ الحزن في قلبي، ويملأ الدمع عيني، فالعقل الذي لم يتوقف عن خوض “معارك العدل والعلم والثقافة والفكر والتنوير وحق الفقراء في الحياة طوال سنوات عمره المديد” ها هو جسده النبيل يخذله ولا يساعده على مواصلة حربه المقدسة.. وبدت كلماته الوداعية لوطنه حزينة ومؤثرة، فقد قال في منتصف عام 1973 وخلال حوار مع الناقد الكبير الأستاذ غالي شكري، رحمه الله، إنه يودعنا “بكثير من الألم وقليل من الأمل”، لنسمع بعد ذلك ببضعة شهور خبر وفاته، وانتقاله إلى رحمة الله، في الثامن والعشرين من شهر أكتوبر 1973، كان الوقت، وقت حرب أكتوبر، وغداة توقف العمليات العسكرية وتحقيق أول انتصار عسكري عربي في التاريخ الحديث على جيش ادعى قادته وأجهزته الإعلامية الكاذبة في إسرائيل ودول الغرب، أنه “الجيش الذي لا يقهر”.

حينها رثاه صديقه الكبير توفيق الحكيم بكلمات بليغة ورائعة: ” لقد فارقت جسده الحياة بعد أن فارق اليأس روح مصر، وعبر جيشها من الهزيمة إلى النصر”.

نقلا عن صفحة الكاتب على “فيسبوك”

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق