فن

محمود مرسي.. وهج الحضور وتفرد الأداء

عندما تكون الموهبة أقوى من أي مقاومة لها لدرجة أنها في وقت إنكارها من قبل صاحبها، لا تتراجع بل تكبر وتكبر؛ حتى إذا كتب الله لها الخروج من بئر الرفض والإنكار خرجت عاتية طاغية لا يستطيع الفنان حيالها سوى أن يسلم نفسه المتعبة لتجلياتها الثرية؛ فإذا بها تتوهج ضد كل عوامل الزمن والفرص المهدرة.

تلك موهبة صهرتها تجارب العمر منذ البدايات الأولى التي عانى فيها فناننا آلام تمزق أسرته بانفصال أمه عن أبيه، وهو بعد طفل في السادسة، إلى معاناة القسوة والتربص والعنصرية في المدارس الإيطالية بالإسكندرية في فترة حكم الفاشي؛ حيث تحول كثير من الإيطاليين في المدينة الكوزموبوليتانية إلى صور مصغرة من “موسوليني”..إلى محنة العيش في بيت تتحكم فيه زوجة أب نزعت من قلبها الرحمة، إلى فاجعة ضياع ثروة الأب في مضاربات بورصة القطن وإصابته بالشلل، وهو المحامي العلم ونقيب المحامين بالإسكندرية.

الموهبة الفذة حولت آلام وأحزان الفتى السكندري إلى مخزون إبداعي هائل تبدّى بعد ذلك في أدوار ملهمة كان أداء “مرسي” الصامت فيها أبلغ ألف مرة من أقوى العبارات. تلك الزرقة الداكنة في العينين كيف أصبحت ناقلا أمينا لتلك المشاعر الإنسانية التي تعتمل في نفس البطل؛ فيصاغ الغضب أو الرضا أو الخوف كما تنقش الحروف في وعي المتلقي فلا يستطيع التفاتا، وهو في أسر حضور طاغ لممثل عارض موهبته لنحو عقد ونصف رغم إجماع كل من عرفوه على أنه خلق ليكون ممثلا، لكن ذلك كان إنضاجا لشيء شديد التفرد جاوز حدود الموهبة ليقترب من الهيمنة الكاملة على نحو يصعب تصديقه.

تلك السنوات التي قضاها العملاق في قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة الإسكندرية كيف أثرت البناء الفكري المكين لشخصية الفنان؟ سنوات التدريس الخمس التي قضاها بعد ذلك في مدرسة ثانوية بمدينته الساحرة.. هل أطفأت ذلك الحنين الجارف نحو الفن الذي خلق له؟ شاءت الأقدار للشاب النابه الذي يجيد ثلاث لغات أن يرث عن أبيه بيتا قديما في أحد أحياء الإسكندرية العتيقة؛ فيبيعه ويجد في يده مبلغا لا بأس به؛ فيقرر في لحظة حاسمة الاستقالة من التدريس والتوجه إلى فرنسا لدراسة الإخراج.

في باريس قرب نهاية عقد الأربعينات من القرن الماضي يجد محمود نفسه طالبا بمعهد الدراسات السينمائية العليا في قسم الإخراج، مستغرقا في الدراسة غير مكترث بأي شيء، لا ينبهه لمرور السنوات في الدراسة الجادة سوى نفاد ما معه من مال، ما يضطره إلى العمل بالقسم العربي بالإذاعة الفرنسية؛ ليمضي في دراسته وفي حضوره المنتظم للأعمال السينمائية والمسرحية التي تعرض في عاصمة النور.. إلا أن قيام ثورة يوليو 1952 يعكر صفو حياته وتتغير المعاملة بتنامي المد الثوري وتهديده لمصالح دول النهب وعلى رأسها فرنسا، ما يضطر معه “مرسي” إلى المغادرة إلى “لندن” للعمل بوظيفة مذيع نشرة بهيئة الإذاعة البريطانية.

ومع بدء العدوان الثلاثي على مصر قرب نهاية عام 1956 اتخذ محمود مرسي قراره بالاستقالة من الهيئة، رافضا استمراره في كيان يخدم دولة تشن عدوانا على بلاده؛ ولم يكتف بتقديم استقالته بل خاطب كل زملائه المصريين مقنعا إياهم بضرورة تقديم استقالة جماعية؛ إذ أنه من العار الاستمرار في العمل في ظل هذا العدوان المجرم.. فيستجيب له الزملاء وينتهي الأمر بعودة الجميع إلى مصر، وكان “مرسي” قد قرر فور عودته الانضمام للمقاومة الشعبية في القناة.

رفض الشاب الثلاثيني المتاجرة بذلك الموقف؛ لكن الأمر لم يكن ليخفى بعد أن تداولت الخبر وكالات الأنباء الدولية.. فصدر القرار بتعيين “محمود” مخرجا بالبرنامج الثاني بالإذاعة.. فأحيا مواتا دام لسنوات، وقدم عددا من الاعمال الإذاعية الفريدة بالغة الروعة، وفي إحدى السهرات الإذاعية التي كان يخرجها التقى بسيدة المسرح العربي سميحة أيوب، وظلا لعام ونصف العام يتبادلان نظرات الإعجاب والعبارات القصيرة، بسبب خجل محمود الشديد.. ثم تزوج الفنانان زواجا لم يدم طويلا رغم العاطفة القوية، كانت اسباب الخلاف واهية؛ لكن الأقدار شاءت أن ينفصل الثنائي الرائع ليقضي فناننا بقية حياته راهبا في محراب الفن.

 يأتي العام 1962، و”مرسي” على مشارف الأربعين، ما زال يعاند موهبته، وفي لحظة فارقة أخرى يستجيب محمود لإلحاح المخرج نيازي مصطفى لتمثيل دور في فيلم” أنا الهارب” من بطولة فريد شوقي.. لم يتصور أحد أن هذا الأداء الفذ بالغ العمق والتمكن، هو العمل السينمائي الأول للمبدع الذي بدأ عملاقا، لكن تفرد الأداء لشخصية الشرير في الفيلم تسبب في أسر” مرسي” في أدوار الشر لفترة ليست بالقصيرة.. في العام التالي يشارك بطلنا سيدة الشاشة العربية فاتن حمامه بطولة فيلم “الباب المفتوح” من إخراج “بركات” وقصة الدكتورة لطيفة الزيات، في دور الأستاذ الجامعي مدعي الفضيلة الذي يحمل قيما مغايرة، ثم فيلم “الليلة الأخيرة” من إخراج كمال الشيخ، في دور مركب لرجل يوهم أخت زوجته أنها زوجته لمدة خمسة عشر عاما فقدت فيها الذاكرة؛ ليستولي على ميراثها.. وعندما تستعيد ذاكرتها يتهمها بالجنون.

وفي عام 1965، يقدم الفنان محمود مرسي فيلما من إخراج  فاروق عجرمة هو ” العنب المر” في دور” ناشد” الإقطاعي الذي يعاني من انحراف ابنه وخوفه على مستقبل قريبته التي تقع في غرام أحد مخدوميه الذي يكتشف ” ناشد” أنه لص.

في عام النكسة 1967 كان “مرسي” يعمل مخرجا بالمسرح القومي؛ وكان للهزيمة وقع مدمر على نفسية الفنان الذي بقي لفترة يرتدي ملابس رثة و” صندلا” ولا يحلق ذقنه.. ولا يكف عن طرح الأسئلة عمن تسبب في تلك الكارثة، لكن الفنان المتقد الحضور قدم خلال هذا العام الكئيب ثلاثة أعمال بلغ فيها أداؤه ذروة لا تدرك.. “ثمن الحرية” من إخراج نور الدمرداش في دور الحكمدار الإنجليزي “بيكر باشا”، و”الليالي الطويلة” إخراج أحمد ضياء الدين، و”السمان والخريف” وهو أحد أهم الأعمال في تاريخ السينما المصرية عن قصة نجيب محفوظ وإخراج حسام الدين مصطفى.

  ونأتي على ذكر الشخصية التي مازالت حاضرة في أذهان الكثيرين رغم مرور قرابة النصف قرن، وهي شخصية “عتريس” في فيلم “شيء من الخوف” عن قصة ثروت أباظة ومن إخراج حسين كمال، والذي قرر الرئيس عبد الناصر السماح بعرضه رغم ادعاءات حاولت وصم الفيلم بأنه يحمل إسقاطا سياسيا يتهم نظام الحكم بأنه مجرد تشكيل عصابي ينهب البلاد وينكل بالشعب.

يحمل عقد السبعينات من القرن الماضي لـ “مرسي” مزيدا من فرص الإبداع والتألق، بداية من رائعة علي عبد الخالق “أغنية على الممر” عام1972، وهو الفيلم الذي يجسد صمود مجموعة من الجنود المصريين في أحد المواقع الحيوية في سيناء عقب الهزيمة وإصرارهم على الدفاع عن الموقع حتى آخر رجل فيهم.. كان أداء ” مرسي” معبرا عن قدرة الشعب المصري على تحقيق الانتصار واستيلاده من رحم الهزيمة.. ثم دوره في “ليل وقضبان” من إخراج أشرف فهمي في عام النصر.. وقد بلغ “مرسي” بأدائه دور مأمور السجن المعقد نفسيا الذي يمارس الاضطهاد على الكل حتى زوجته- مبلغا من الروعة والإتقان والعمق قلما تجد له نظير.

في العام التالي يؤدي “مرسي” باقتدار دور رئيس التحرير الفاسد والمهزوم نفسيا بسبب تخليه عن مبادئه في فيلم “أبناء الصمت” الذي احتل مكانه ضمن أفضل 100 عمل سينمائي مصري.. وفي عام 1977، يخوض “محمود مرسي” مع المخرج سعيد مرزوق تجربته السينمائية الأولى في “زوجتي والكلب”، بأداء تميز بالتعبير الصامت عن اضطراب الحالة النفسية للبطل في معظم مشاهد الفيلم، في ما يعد نموذجا لتدريس الأداء في معاهد التمثيل العربية. كما قدم “مرسي” في العام نفسه دورا رئيسا في فيلم تونسي من انتاج هولندي للمخرج رضا الباهي يتناول قضية الغزو الثقافي لقرية تونسية تعاني من انهيار القيم الناظمة للمجتمع أمام هجمة شرسة للثقافة الدخيلة.

تتوالى الأعمال الفنية الخالدة للفنان الكبير، بعد أن دخل عالم الدراما التليفزيونية بالاشتراك في مسلسل “زينب والعرش” عام1979، وهو علامة في تاريخ الدراما المصرية  ومسلسل “رحلة السيد أبو العلا البشري” في عام 1986، الذي لاقى نجاحا كبيرا، وكان قد سبقه بمسلسل لم يحظ برواج جماهيري رغم روعته وما يحمل من قيمة إنسانية رفيعة وأداء إعجازي من “مرسي” وعدد من فريق العمل، هو مسلسل “الرجل والحصان” إنتاج 1982، ويستمر التألق في الأعمال الدرامية بتقديم الجزء الثاني من رحلة البشري، ومسلسل “العائلة” في عام1994، الذي كان صرخة مدوية في مواجهة الإرهاب والتطرف، وعمل درامي آخر بعنوان “الثعلب فات” ثم آخر مسلسلاته الذي حمل عنوان “بنات أفكاري”.

كانت للفنان الكبير مواقف كثيرة وآراء تسببت في كثير من الحملات الصحفية ضده، ومنها إصراره على عدم تلقي جوائز عن أعماله التمثيلية، إلا أنه رضخ عام 2000، ونال جائزة الدولة التقديرية عن مجمل أعماله، كما قبل بجائزة من وزارة الثقافة تقديرا لما أداه من خدمات جليلة للفن من خلال تدريسه لمادة التمثيل بالمعهد العالي للفنون المسرحية الذي لم ينقطع عن العمل فيه لعقود.

وكان الرحيل أثناء العمل في مسلسل “وهج الصيف” عام 2004، في مدينة الإسكندرية.. مدينته التي عشقها طوال حياته وكان ثراها مرقدا له بعد سنوات طويلة من الإبداع والتألق.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: