منوعات

لماذا اختفت كل السير الشعبية وبقيت السيرة الهلالية؟

“كأنك ياأبو زيد، ماغزيت”، “الشعر مدينة خربانة، وكل شاعر وله هاتف”، “السيرة الهلالية نص شعبى إبداعي، كمياه النهر، نحن لا نشرب من النهر مرتين، كذلك شاعر السيرة، يروي النص وفقا لإحساسه بمدى تفاعل جمهوره”.. هذه شهادات بعض أبرز المشاركين في الملتقى الدولي الأول للتراث الثقافي، الذي استضافته جامعة القاهرة هذا الشهر.

لماذا السيرة الهلالية، دون غيرها؟ أين سيرة ذات الهمة؟ أين على الزيبق؟ أين عنترة بن شداد؟ أين الظاهر بيبرس؟ لماذا اختفت تلك السير، وبقيت السيرة الهلالية وحدها، ملكة متوجة على عرش السير الشعبية في العالم العربي، يرويها رواه السيرة ويستلهمها العديد من المبدعين في الرواية والمسرح والشعر؟

 تلك بعض التساؤلات التي طرحت خلال “الملتقى الدولي الأول للتراث الثقافي.. الأدب الشعبي والدراسات البينية”، الذي نظمه مركز دراسات التراث الشعبي، بجامعة القاهرة، بالتعاون مع المجلس الأعلى للثقافة.

تعبير عن الوجع

الدكتور خالد أبو الليل، مدير مركز دراسات التراث الشعبي، يقول في معرض إجابته على التساؤل حول استئثار السيرة الهلالية على اهتمامات المبدعين والجمهور عامة: السيرة الهلالية تتحدث عن إيجابيات وسلبيات العالم العربي “كأنك يا أبو زيد، ما غزيت”، وعلى حد وصفه، فالعالم العربي يهزم من الداخل وليس من الخارج، وينقل غزواته من مكان إلى مكان داخل العالم العربى ذاته، لذا فالسيرة الهلالية هي تعبير عن وجع المصريين وأوجاع العرب عامة. أما غيرها من السير الشعبية الأخرى، فإنها فقدت وظيفتها الاجتماعية، وبالتالي اختفت من الموروث الشفاهي الثقافى.

خالد أبو الليل

بدوره، يرى الدكتور سامى سليمان، أستاذ بقسم اللغة العربية، جامعة القاهرة أن ما ميز السيرة الهلالية هو مزجها البطولة الفردية بالبطولة الجماعية، فالوظيفة هي التي تحدد ما يبقى ويستخدمه الناس.

ويروي الشاعر والفنان التشكيلي محمد بغدادي، كيف استخدمت الإذاعة المصرية السيرة الهلالية لشحذ همم الشعب المصري في أعقاب هزيمة يونيو 1967، عندما استعانت براوي السيرة الهلالية، جابر أبو حسين، في حلقات متتالية من السيرة الهلالية تركز على تمجيد شأن البطل الفرد، لكنها لا تقلل من شأن العدو، ثم قام عبد الرحمن الأبنودي بتسجيل السيرة الهلالية نقلا عن جابر أبو حسين، وسيد الضوي.

محمد بغدادي

الحفاظ على النص

وينتقد بغدادي عملية تدوين النص الشعبي، التي يراها تجنيا على النص الذي ينبغي أن يكون في حالة صيرورة دائمة، لافتا إلى أن الشاعر الشعبي حين يستاء جمهور مستمعيه من مقطع معين، يلجأ إلى حذف أجزاء وإضافة أجزاء أخرى، بحكم استلهامه من المجتمع المحلي المحيط به. ويضيف بغدادي: السيرة الهلالية نص شعبي إبداعي، كمياه النهر، نحن لا نشرب من النهر مرتين، كذلك شاعر السيرة، يروي النص وفقا لإحساسه بمدى تفاعل جمهوره.

المعنى ذاته أكده مسعود شومان، الشاعر والباحث في المأثورات الشعبية، حيث يروي أنه حين التقى عبد العاطي نائل، أحد رواة السيرة الهلالية، في أبو تيج، سأله لماذا يختلف رواة السيرة في روايتها، رد قائلا: “الشعر مدينة خربانة، وكل شاعر وله هاتف، أي أن كل شاعر يروي السيرة على هواه، لذا تأتي النصوص مختلفة.

ويضيف إبراهيم حنفي: راوي السيرة يغير في أدائه تبعا للموقف، فهو يسير طوع خياله، ولا يستطيع أن يوقف خياله ، مادام قادرا على التأثير في الجمهور.

حلول سحرية

ويقول أحمد سراج، الكاتب المسرحي: الحكايات الشعبية تقدم عددا من الحلول السحرية لمستمعيها، وفي السيرة الهلالية تأتي الحلول في صورة حلم أو هاتف أو رؤية.

أحمد سراج

الباحثة الجزائرية راضية بو بكري ترى أن السيرة الشعبية تمتاز بقدرة التأثير في المتلقي من خلال صناعة “مخيال شعبي”، حسب وصفها، يجعل من رواية السيرة معادلا موضوعيا للتعبير عن طموحاته وأحلامه، والتعويض عن هزائمه وانتكاساته.

أدب الجنوب

وعن كيفية استلهام المبدعين من السيرة الهلالية والتراث الشعبي عامة، يقول دكتور خيري دومة، رئيس قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة: استلهام الأدب الشعبي لا يتم بقرار، فالعلاقة مع الأشياء تتم عبر نمطين، مباشر وغير مباشر، أو واعي وغير واعي، حيث تصل العناصر الشعبية إلى وعي الأديب دون قصد منه. ويضيف: أكثر ما يميز أدباء الجنوب في مصر أنهم استمعوا منذ الصغر إلى التراث الشعبي وتلقوه دون وعي منهم، لذا فهم أكثر استلهاما للتراث من غيرهم، فالتراث مكون أصيل لديهم يستدعوه دون مشقة ودون قصد.

ويرى مسعود شومان أن الأديب يستلهم من الموروث التراثي ما يخص ذاته، فالنص الفلكلوري الذي يستلهمه له علاقة مع نصه الذاتي. ويضرب مثلا ببيرم التونسي، حين استلهم الموال السباعي، وأطلق عليه الناس شاعر الشعب.

الباحثة الجزائرية زبيدة بو غواص تلفت إلى دور الموروث الشعبي في إثراء الحركة المسرحية في الوطن العربي ورفض المرجعية الغربية، وترى أن استخدام الموروث الشعبي في المسرح من شأنه دفع عملية التجريب الذي ينزع نحو التأصيل والتجديد في آن واحد.

ترسيخ الهوية

وتتساءل الباحثة المصرية منال فاروق: هل من الممكن أن يلعب الأدب الشعبي دورا في تطوير أنظمة الفكر داخل المجتمع؟ ويجيء الرد من الباحثة الجزائرية فاطمة سعدون: أن توظيف التراث الشعبي داخل النصوص الأدبية الحديثة من شأنه ترسيخ الهوية في مواجهة التحديات الاجتماعية والثقافية المرتبطة بعالم يسعى إلى دحض الخصوصيات وترسيخ قيم العولمة.

فاطمة السردي، الشاعرة والمذيعة بقناة النيل الثقافية أعربت عن قلقها من مقولة أن التراث الشعبي يجدد نفسه بنفسه، حيث ترى أن التراث بحاجة إلى الحماية، وتقترح أن يقدم لطلاب المدارس في محاولة للحفاظ عليه.

وأكد أكثر من مشارك في الملتقى على أهمية السعي للحفاظ على التراث الشعبي، من خلال جمع الموروث الشعبي الشفاهي بالإفادة من الوسائل التكنولوجية الحديثة، وتأسيس مكتبة إلكترونية تجمع الأعمال الأدبية التي استلهمت نصوصها من التراث الشعبي، وعقد مهرجان سنوي للمسرح الشعبي الذي يستلهم نصوصه من التراث.

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. الموضوع مهم جدا لانه تراثنا وواجب نحافظ عليه ..لكن عجبني فكرة تسجيل النقاش اللي دار حول هذا الموضوع لاننا فعلا محتاجين نسمع بعض و ننشر ثقافة الحوار اللي ممكن تساعدنا في ايجاد حلول لمشاكل فكرية كتير .. اما اللغة الراقية و الجذابة التي نقلت لنا الصورة فهي حقا ممتعة ..

    1. شكرا يا مها … بالفعل أحنا محتاجين لإشاعة ثقافة الحوار بيننا في كل المجالات

إغلاق