فن

«تسجيل دخول».. سنوات الثورة والحيرة وسطوة العالم الافتراضي

الثورة والأمل، ثم الهزيمة والإحباط، مواقع التواصل الاجتماعي، التناقض والحيرة، مرور الوقت والروتين الممل،.. كل تلك المشاعر واللحظات التي مر بها أغلب أبناء جيل ثورات الربيع العربي على مدى السنوات الماضية، حاولت مسرحية “تسجيل دخول” توظيفها كعناصر لعرض عبثي ساخر، ليس له بداية أو نهاية.

العرض يمكن وصفه بالكوميديا السوداء، فطوال العرض ستضحك كمشاهد من صميم قلبك، لكنك ستشعر، خاصة لو كنت منتميا إلى نفس جيل شخصيات العرض، بأنك تضحك على ما تفعله أو يفعله صديق لك، وما أن تضع قدمك خارج العرض، ربما تشعر بالحزن أو الغضب.

ديكور المسرح قسم إلى غرفة كبيرة، إلى اليمين باب المنزل وإلى اليسار ثلاجة ستستخدم طوال العرض كشاشة كومبيوتر يعرض عليها “فيسبوك” أو فيديو “لايف” لشخصيات العرض بشكل مستقل، لكن أهم عنصر في الديكور تمثل في تلك الساعة الكبيرة في خلفية المسرح التي تمضي بسرعة، في إشارة لمرور الوقت دون انجاز يذكر في حياة شخصيات العرض، كما يوحي شكلها الدائري بدورة الزمن الذي تدور فيه أحداث العرض بأكملها، في توقيت زمني يمتد على مدى السنوات السبع الماضية، فما أن نصل لنهاية حدث مهم كالشهور الأولى لثورة 25 يناير 2011، حتى تعود الساعة لحدث جديد مثل قفز الإخوان للحكم، وما أن ننتهي من التركيز على إحدى الشخصيات، حتى نعود للتركيز على الشخصيات ككل ونبدأ في التركيز على رواية شخصية جديدة.

ذلك الأسلوب في السرد، الناتج عن كتابة إسماعيل إبراهيم، وفادي سمير، مع ارتجالات الممثلين، استطاع  المخرج وصاحب الفكرة الأصلية، هاني عفيفي، تطويعه وتقديمه دون أن يقع المشاهد في الملل، سوى ذلك الملل التي تشعر به شخصيات العرض دراميا، وأيضا دون الوقوع في فخ التملق، أو التماهي مع متطلبات الرقابة المعتادة.

نجح العرض أيضا في الإفلات من الوقوع في فخ جلد الذات، أو الصوت العالي الصارخ، وانسابت أحداثه في سلاسة السهل الممتنع، ليشعر كل من يشاهده أنه جزء من أحداثه، ربما كان ينقصه فقط أن يفسح مجالا أوسع للتعمق في حياة شخصياته حتى لو أدى ذلك لزيادة وقت العرض قليلا.

العرض يبدو كمرآة لنمط الحياة الذي فرضته منصات التواصل الاجتماعي على كل من تعلق بها على نحو مبالغ يفضي إلى تواري الحياة الخاصة الواقعية بأكملها. كحال مسرح العبث لا توجد شخصية رئيسية، ربما نجد أن شخصية المهرج تقلل من عبثية المشهد قليلا، وهي تؤدي دور مشابه لواجهة وخوارزميات السوشيال ميديا، فهو الرابط بين الشخصيات وليس الرابط في نفس الوقت، يقدم لك شخصية من الحاضرين، كشخص تعرفه أنت كمشاهد شخصيا، لكن هو لا يعرفه ولا تعرفه أنت في نفس الوقت. أحمد السلكاوي، جسد الدور بأداء مميز خفيف الظل، استطاع توصيل فكرة المتحكم وغير المتحكم في وقت واحد، ذلك الذكاء الاصطناعي الذي يحاول أن يقنعك بأدميته وصدقه وقربه واخلاصه لك، والذي لا يعرفك ولا يهتم بمعرفتك في نفس الوقت.

السرد طوال العرض يتشابه مع أغلب طرق الكتابة التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة، يتم تبادل أسماء الشخصيات بشكل عشوائي فربما تجد أنثى تقوم بدور يحيى، وذكر يقوم بدور منة، لكن في كل دورة للدائرة التي سبق وتحدثنا عنها، نجد مجموعة من الكلمات المعبرة عن جوهر الشخصية الحقيقية الأصلية في بداية العرض.

من أكثر المنولوجات الفردية التي تعبر عن الشعور الجمعي للشباب كانت الكلمات التي قالتها شخصية عمرو: “أنا زمان كنت عايز حاجات كتير قوي، ببقى نفسي فيها واتعب عشانها، وما تجيش، فا اتعب أكتر واجري عشانها أكتر وأجيب أخري، وما تجيش، فاتعب، وحتى لو جت عمري ما حسيت بفرحة تساوي التعب اللي بتعبه عشان أي حاجة، دايما بتعب أكتر بكتير قوي من فرحتي بالحاجة.. بوهم نفسي إن انا حر.. حتى في الاختيار ببقى مضطر، باختار بين حاجتين تلاتة اربعة.. مش عايز منهم أي حاجة.. بس مضطر أختار.. حاليا انا مستنى، انا تقريبا استنيت كل حاجة في حياتي عشان ابقى مبسوط، استنيت الشغل، والفلوس، والأكل، استنيت التقدير، والإشارة، والطابور، استنيت التقدير والصحاب،.. دلوقتي أنا مستني أخلص.. عشان زهقت”

شخصية أخرى قليلة الظهور، لكنها محورية في وصف الزمان المحيط ووصف مرور الوقت بشكل أمثل، كانت شخصية “الدليفري”، التي جسدها أوسكار نجدي، فكلما حاول شخصيات العرض، الاتصال به يطرا احد الأحداث المهمة ليحول دون وصوله للأصدقاء الجائعين، فتارة نجده في بورسعيد ومقتل شهداء أولتراس الأهلي، وتارة أخرى نجده في اعتصام رابعة العدوية، وتمر السنوات عليه، وحجته الدائمة لتبرير عدم تمكنه من الوصول هي تعطله بسبب “غلق محطة السادات”.

تراوحت شخصيات العرض بين الفتاة التي تهتم بالموضة والأزياء، وأخرى تعتبر نفسها نسوية كلسان حال لما تتعرض له النساء في مجتمعنا، وأخر يهتم بكتابة الشعر، ولا تجمعهم سوى قائمة الأصدقاء على الفيسبوك وبعض اللقاءات القليلة، وغالبا ما تشهد نبذ أحد منهم.

ينتهي العرض دون أن يصل الطعام، ودون أن تصل أي شخصية لإنجاز يذكر، مع انتصار شخصية”السوشيال ميديا” او المهرج، الذي يبدأ في التحكم في جمهور العرض برفض خروج أحدهم قبل الانتهاء الرسمي من العرض.

شارك في العرض أيضا شادي الدالي، عمرو جمال، محمد الشافعي، منة حمدي، ندى نادر، هبة الكومي، وتصوير علاء الدين وشهاب الدين طاهر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: