الحدث

دير الأنبا صمويل.. الجماعة الوطنية هي الحل

مسارات خاطئة: الحزن الطائفي، الضغط على الكنيسة، العزلة، الهجرة

درس يناير: الاندماج في جماعة وطنية واحدة

تتشكل الدولة في صورة جماعات متنوعة؛ تتعدد عرقيًا وثقافيًا ودينيًا. هذا التنوع الذي يفترض أن يضفي الثراء على بوتقة الثقافة الوطنية، قد تؤدي عوامل كثيرة، محلية وخارجية، إلى تفجيره وتحويله إلى مصدر إثارة وقلق.

وبالقدر الذي تسمح به التناقضات الداخلية في المجتمع، وعدم تحقيق مصالح الأفراد والجماعات، يمكن أن تنشأ أزمة وشرخ في الهوية والمواطنية الكاملة لهذه الجماعات التي تتحول إلى مجرد طوائف لها محاصصات سياسية وإجتماعية، لا مواطنين متساوين في وطن واحد. ولذلك، فإن قوة بنيان المجتمع ككل إنما تكمن في وحدة تلك الجماعات في جماعة وطنية واحدة، ولا سيما في تلك اللحظات الحرجة والمراحل الانتقالية، التي تمر بها أي أمة في تاريخها.

ثمة جماعة يمكن أن تتعرض – دون غيرها – للكثير من الضغوط، الأمر الذي يجعل تلك الجماعة تتحمل الكثير من الآﻻم، وتتشكل على سطحها أعراض الأزمة الكلية، المتفشية في جذور المجتمع، ما يساعد على تنمية الشعور بالاغتراب، والدفع بالانتماء باتجاه الطائفة والأصولية الدينية، وتوسيع فجوة الإنتماء الوطني.

يعد الأقباط المصريون نسيجًا أصيلًا في تركيبة المجتمع المصري، ولم تقدر التحديات الكثيرة التي مرت على المجتمع في تاريخه، أن تخصم من ذلك المصير الواحد، بيد أن صعود تيار الإسلام السياسي الذي رافق فترة حكم الرئيس الراحل أنور السادات والبابا شنودة الثالث، صنعت حاجزًا ضخمًا بين الـأقباط ووجودهم الاجتماعي. كما أحدث ذلك شرخًا في اندماج الأقباط داخل المكون الاجتماعي المصري المتنوع الروافد، بالصورة التي بدت معها الصورة أحيانا كأن الأقباط كتلة واحدة متجانسة، ينفرد بالتعبير عنها صوت ومرجعية واحدة، تتمثل في البطريرك والمؤسسة الدينية الكنسية، مما زاد من حالة الإندماج القبطي وعزلته داخل أسوار الكنيسة والدير.

لم تكن لحظات الربيع العربي في العام 2011 لحظات تعبر عن خريف أنظمة، استقرت في عالمنا العربي، في منتصف القرن الماضي، بل كانت تعبر عن واقع سياسي جديد وشديد التعقيد، يعصف بمنطقة الشرق الاوسط، ويعيد تهيئة الأمور وفق قيم ورهانات جديدة، من بينها الدين الذي طفق يتموضع باعتباره ركنا رئيسا.

بالرغم من التحديات التي واجهت البابا شنودة الثالث، وهو يتابع بقلق الصعود المتنامي لجماعات الإسلام السياسي منذ سنوات السبعينيات، وتكرار الأحداث التي استهدفت الأقباط، إلا أنها لم تكن بضخامة التحديات التي تواجه البابا تواضروس الثاني الآن وخلال الفترة التي تلت ثورة 25 يناير 2011، وحتى حادث دير الأنبا صموئيل المعترف بجبل القلمون، في محافظة المنيا، بعد ظهر الجمعة الثاني من نوفمبر 2018، لم تكن الأحداث الإرهابية التي سعت للنيل من استقرار المجتمع والدولة المصرية، سوى محاولة جادة لحلحلة جماعة الأقباط من المجتمع المصري وسحب هذه الجماعة داخل مرحلة التمرد ضد قيادتها الكنسية مرة، ومن ثم ضد الدولة مرة أخرى.

وفي بيان للكنيسة الارثوذكسية عقب الحادث، أكد البابا تواضروس الثاني، أنه يعلم أن مثل هذه الأحداث التي تصيبنا، لا تصيبنا نحن كمسيحيين فقط، ولكنها تصيب المجتمع المصري بأكمله، ونعلم أن أثمن ما نملكه هو وحدتنا وتماسكنا، وأن مثل هذه الأحداث تزيدنا صلابة، ونحن نصلي من أجل الشهداء، ومن أجل المصابين ومن أجل سلام بلادنا، ونصلي أيضا من أجل المعتدين، لأنهم في غيبوبة، لأن ما يسببونه من حزن وألم داخل مجتمعنا المصري، لن يحقق شيئًا على الإطلاق.

تبدل مفهوم الإعلام في السنوات الأخيرة، وأضحت وسائل التواصل الإجتماعي واحدة من وسائل الإعلام سهلة الانتشار، وبات كل فرد يحمل وسيلة إعلامية خاصة به، وبالتالي، يستطيع أن يمارس تأثيرًا مباشرًا على متابعيه، عبر ما يدونه ويعرضه من كلمات أو صور أو مقاطع صوتية أو مرئية.

وإلى ذلك، فإن أي متابع جاد لمنصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما القبطية منها، يدرك جيدًا حجم الضغوط التي يتعرض لها البابا تواضروس الثاني طيلة الشهور الماضية، وكيف تزداد وتيرتها كلما وقع حادثًا، يستهدف الأقباط، بينما تضغط أعداد ليست بالهينة باتجاه أن رد الفعل الرسمي من الكنيسة وبطريركها، أقل من المتوقع، إلى الحد الذي يذهب به البعض نحو وضع صورة للبابا، وهو يمنح واحدة من أهالي حادث دير الأنبا صموئيل في العام 2017 مظروفًا، ويعلق على ذلك بأنه “أقصى ما يمكنه فعله”.

التحديات التي تمارس على الكنيسة والبطريرك، بفعل تلك الأحداث، التي تستهدف حياة الأقباط وسلامة الكنيسة، كمؤسسة، تذهب نحو وضع الأزمات في متوالية لا تنتهي، وتكريسها بين الأقباط والكنيسة، من ناحية، وبين الكنيسة والدولة، من ناحية أخرى.

نستطيع القول أن ثمة مساحة فراغ تتشكل في سلطة رجال الدين على الأقباط، بعد ثورة يناير، وأنه كلما ارتفعت وتيرة الأحداث الإرهابية التي تستهدف حياة الأبرياء، كلما لانت قبضة رجال الدين ووهنت سيطرتهم على الصوت القبطي.

يقينًا، لا أميل أبدًا لفكرة الحزن الطائفي الذي ينتاب البعض، كلما جرى حادث إرهابي بالقرب من كنيسة أو دير أو تستهدف أحد رجال الإكليروس؛ إذ أن الإرهاب لا يستهدف دينا أو مذهبا بعينه، بل يضغط على حلقة، يظنها الأضعف، وبالتالي، فإن الضرورة الحقيقية التي ينبغي أن تحتل أولوياتنا، هي تنحية الفكرة الطائفية واختزال المواطنين في مربعات مذهبية، وتصفية حتى المشاعر من حمولاتها الهوياتية، والاستناد إلى وحدة المصير، وفقط.

حادث دير الأنبا صموئيل والذي راح ضحيته سبعة شهداء وخمسة عشر مصابًا، وأعلن ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” مسؤوليته المباشرة عن تنفيذه، يفرض على الدولة أن تراجع ملف الأقباط جيدًا، ليس فقط من ناحية مراجعة كفاءة الخطط الأمنية، ولكن من منظور أشمل يتبع مسارا عكسيا لخبرة مرحلة السادات السلبية وأن تذهب بهذا الملف الوطني نحو سبيل آمن يضمن وحدة المجتمع وسلامة الوطن.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق