منوعات

التحرش على الطريقة الأمريكية

أنت ترتكب عيبًا، إن لم نقل خطيئة، عندما تتحدث عن القذي أو القشة التي في عين صاحبك ثم تتجاهل أو تتعامى عن الخشبة التي في عينك.

ولكن موقفك سيكون عجيبًا جدًا عندما تهتم وتنشغل بالقذي الذي في عينك وتتعامى عن الخشبة التي في عين صاحبك، وسيكون موقفك أشد من العجب عندما يكون دافعك هو إحساسك بالدونية، فللحق أنت لا تبحث عن نظافتك الشخصية ولا تتجاهل عيوب الآخرين قدر ما تبحث عن مبرر لجلد ذاتك والتحقير من شأنها، وهذه علامة من علامات المرض لا بادرة من بوادر الصحة.

تكرم بإغماض عينيك وتخيل معي وجود كاتبة سياسية عربية شهيرة، قريبة جدًا من رئيس عربي، وقد ورطت نفسها ورئيسها في تصريحات مخجلة تحض على العنف والعنصرية والاستيلاء على حقوق الناس بالباطل.

تخيل معي بوابات الجحيم التي كنا سنفتحها على تلك الكاتبة، ثم تخيل معي موقف أوربا وأمريكا منها. بكل يقين كانوا سيلقون بها فريسة سهلة بين أنياب آلة الميديا العالمية وكانوا سيمنعونها من زيارة بلدانهم، هذا إن لم يطالبوا بتقديمها لمحاكمة دولية.

الآن عد معي إلى أرض الواقع وتأمل بعين الإنصاف حالة السيدة “آن كولتر”، ستجدها من أشد المتحمسات للرئيس الأمريكي ترامب، بل ذهب بها حماسها وقربها منه إلى حد تأليفها لكتاب حمل عنوان “نحن نثق بترامب”.

آن كولتر

تلك السيدة هي في بلادها وفي البلاد الناطقة  بالإنجليزية معروفة وليست نكرة، حتى أن كبريات الصحف العالمية تجرى معها مقابلات تحظى بنسب قراءة مرتفعة جدًا.

السيدة آن كولتر أجرت يوم أمس الأحد مقابلة مع جريدة بريطانية شهيرة جدًا وهي “صنداي تايمز”، وفي تلك المقابلة قالت السيدة ـ دون أن يطرف لها جفن ـ تعليقًا على سؤال حول حركة “Me Too” المناهضة للتحرش الجنسي ما نصه: “أحب الرجال، أحب التحرش الجنسي بي، إن المواعيد الغرامية تكون أفضل عندما يكون هناك بعض التحرش”. وتضيف: “التحرش يمثل لي ذكريات جميلة”.

هل هناك خشبة أكبر وأطول من خشبة هذه التصريحات؟ هذه تصريحات واضحة لا لبس فيها ولا غموض ولا لف ولا دوران، من سيدة مرموقة تعمل بالكتابة السياسية وقريبة من رئيس أكبر بلد في العالم، تشيد بالتحرش وتعده من الذكريات الجميلة، بل لا تعجبها المواعيد الغرامية إلا إذا شهدت بعض التحرش!

لو أن مسلمة أو عربية أو أفريقية أو لاتينية قالت هذا الكلام، لنصبوا لها المشانق فورًا، ولكن لأن الكلام صادر عن سيدة أمريكية قريبة من دوائر الحكم في البلد الخطير فلم يجرؤ أحد على مهاجمتها وفضح موقفها غير الأخلاقي من تلك الجريمة البشعة التي تدفع نساء بريئات حياتهن ثمنًا لها.

الصحافة العالمية، وفي القلب منها المصرية التي تجرأت على نشر مقاطع من المقابلة، ونشرتها بصياغة تقترب من صياغة الطرائف. خرست مدافع الميديا فلم تقصف هذا المنطق المعوج الذي يدافع عن جريمة نكراء بل ويشجع عليها ويروجها ويزينها.

كأن العالم كله يشعر بالدونية ويجلد ذاته عندما يقع في هفوة بسيطة ولكن هذا العالم نفسه يبتلع لسانه ويتناسى مبادئه عندما يتعلق الأمر بالقادم من الأمريكان، فأي مجلوب من بلاد الأمريكان هو مسكوت عنه أو مرحب به حتى لو كان جريمة.

السيدة تشرعن التحرش، وتفرض ذوقها الجنسي على النساء البريئات وتشجع المتوحشين من الرجال على التمادي في توحشهم، ثم لا يعترض أحد ولا يشهر بها أحد ولا يجرؤ واحد على مقاضاتها، بل إن المنظمات المدافعة عن حقوق المرأة وطنية كانت أم دولية، سكتت وكأن الأمر لا يعنيها ولا يشوش على رسالتها في مكافحة جريمة التحرش. على العالم كله أن ينظف عينيه من القذى على أن ينزع الخشبة التي في عيون الآخرين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق