الحدث

مخاطر فشل دول الشرق الأوسط.. وفرص الإفلات من السقوط (1 – 2)

تعرف الأمم المتحدة “الدولة الفاشلة” بأنها “كيان سياسي لا يمتلك القدرة على توفير حاجة مواطنيه إلى الأمن الأساسي”(1). وتعاني هذه الدولة من الفشل على ثلاثة محاور على الأقل، هي وجود حكومات ضعيفة تفتقر إلى الشرعية وغير قادرة على احتكار أدوات القوة، والانقسام السياسي والمجتمعي، والتردي الاقتصادي. ويمكن إضافة محور رابع، هو تشوش ماهية العلاقة بين الأمة والدولة، خاصة عندما تتطلع مجموعات إثنية أو ثقافية داخل هذه الدولة إلى الاستقلال عنها، وتحويل تبعيتها إلى إحدى دول الجوار(2).

وتمثل هذه الظاهرة ملمحا بارزا في الشرق الأوسط المعاصر، حيث قسًمت اتفاقات ما بعد الحرب العالمية الأولى الدولة العثمانية الغابرة إلى دول مصطنعة تضم كل منها مجموعات عرقية متباينة، وأديانا متناحرة، وفي بعض الأحيان، لغات مختلفة.

ضعف مؤسسي

ويشير عالم السياسة الأمريكي، ويليام زارتمان، إلى أن عملية فشل الدولة هي، في أغلب الأحيان، عملية تدريجية وممتدة، وليست عرضا طارئا أو فجائيا، وأن الدول التي تعاني من التفكك الداخلي بسبب السياسات الهوياتية أو الدينية أو العرقية، وتمتلك مؤسسات ضعيفة أو غير فاعلة تكون دائما عرضة للفشل. وفي مثل هذه الحالات، يتفاقم الفشل فيما يشبه الحلقة المفرغة؛ حيث يعزز ضعف المؤسسات حالة الانقسام، الذي يؤدي بدوره إلى مزيد من ضعف هذه المؤسسات وتقويض شرعيتها(3).

ويليام زارتمان

في هذا السياق نشرت فصلية Middle East Quarterly مؤخرا دراسة بعنوان The Dangers of Failing Middle East States، للباحثين كوبي ميشيل ويوئيل جوزنسكي، الباحثين في “معهد الدراسات الأمنية الوطنية”، التابع لجامعة تل أبيب.

 تداعيات خارجية

وفقا للدراسة، فإن محصلة العقدين الفائتين تظهر بجلاء أن معظم الصراعات النشطة حاليا، بما في ذلك الإرهاب الدولي، تَصدر بالأساس عن دول فاشلة لا تستطيع السيطرة على تمدد اضطراباتها الداخلية خارج حدودها، أو تتعمد تصديرها للحد من تهديداتها.

وبعبارة أخرى، فإن الأزمات التي تنشأ في الدول الفاشلة يمتد ضررها إلى دول الجوار، حيث تتحول الدولة الفاشلة إلى مصدر للأزمات الإنسانية ولموجات النازحين واللاجئين، وتضع الاستقرار السياسي في دول الجوار على المحك، وتسهل عمليات الحصول على أسلحة متطورة من الكيانات العسكرية المنهارة، وتشكل محضنا خصيبا للجماعات الإرهابية.

وفي السياق الشرق أوسطي، تمتد تداعيات هذه الأزمات أيضا إلى الجاليات المسلمة في الدول الغربية في صورة عمليات تخريبية تهدف إلى زعزعة الاستقرار الاجتماعي في هذه الدول. كما تمتد هذه الآثار إلى الصعيد العالمي، ويتجلى ذلك أكثر ما يتجلى في تراجع قدرة المجتمع الدولي على التدخل في شئون الدول الفاشلة لقمع قوى العنف التي تنخر في عظامها، أو لدعم استقرار الدولة القومية والنظام الإقليمي.

ويعود هذا التراجع – وفقا للدراسة – إلى مجموعة من العوامل، من بينها عدم توافر رغبة سياسية حقيقية للتدخل في مناطق الصراع، وضعف رؤية وآليات عمل بعثات حفظ السلام وبناء الدول، والفهم القاصر لضرورة الحد من فترات التدخل في هذه المناطق، والذي يعود بدوره إلى خبرات سلبية سابقة، والمشكلات الناجمة عن التنافس بين منظمات الإغاثة لأهداف سياسية، وصعوبة التنسيق بين البعثات التي تعمل بصورة متزامنة في مناطق الصراع.

وتقلل هذه المعوقات من فرص النجاح، وربما تؤدي إلى تفاقم الموقف(4). لذا، فإنه ليس من المستغرب أن تحدد  الإدارات الأمريكية المتعاقبة إشكالية الدول الفاشلة باعتبارها تهديدا أمنيا متصاعدا لمصالحها القومية(5).

مخاطر عالية

وفقا لمؤشرات “صندوق السلام” للدول الفاشلة، تم توصيف ثلاث وثلاثين دولة بأنها “هشة”، أو “في مراحل انهيار متقدمة”. وقد جاءت معظم الدول التي تعاني من أقصى مراحل الفشل من الدول ذات الأغلبية المسلمة التي  تقع في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. كما شمل المؤشر نفسه لعام 2015 المزيد من الدول العربية عند مستويات أعلى من فشل الدولة. وفي مؤشر عام 2016، جاءت سوريا واليمن والعراق في أعلى المستويات على الإطلاق(6).

وفي السياق ذاته، حدد تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية العربية U.N. Arab Human Development Report الأخير، الذي نُشر في نوفمبر 2016، العالم العربي باعتباره المنطقة التي شهدت أكبر تسارع على الإطلاق في وتيرة اشتعال الحروب والصراعات العنيفة على مدى العقد الفائت، وقرر أن الشرق الأوسط يضم الآن أكبر عدد من الدول التي أصبحت دولا فاشلة. ويتوقع التقرير أن ثلاثة من كل أربعة عرب سوف يعيشون في دول ذات مستويات صراع عالية المخاطر بحلول عام 2020(7).

كيانات مصطنعة

ويمكن رد جذور هذه الأوضاع المتردية إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى، عندما تأسس نظام عربي قائم على الدولة القومية، وهو ما نتج عنه كيانات مصطنعة ذات هويات ذاتية واهية، وأقطار غير قادرة على استيعاب تركيباتها السكانية القائمة على التنوع الاثني والديني والثقافي الهائل الذي يؤجج التنافس والصراعات الداخلية، والأنظمة التي تفتقر إلى الشرعية.

فشلت الدول العربية على مدى عقود وجودها في وضع إطار وطني جامع؛ ومن ثم اعتمد استقرارها النسبي بصورة مطلقة على سياسات الحكم المطلق والقبضة الحديدية. ولم تفلح محاولات الشرعنة عبر الأيديولوجيات السوسيوسياسية، مثل العروبية البعثية والاشتراكية الناصرية، إضافة إلى الروايات التاريخية الملفقة – على غرار العراقيين المنحدرين من نسل بابلي، والفلسطينيين الكنعانيين، في رأب هذا الصدع.

واستمر نزيف الانقسامات الدينية والاثنية والقومية الذي أصاب جسد المجتمعات المحلية، وكان المفترض أن تتعمق هذه الحالة لعدة عقود تالية لولا تزامن مجموعة من التطورات التي تمثلت – من بين أشياء أخرى – في العولمة السريعة وانهيار الكتلة السوفيتية.

[1] “Resolution 60/1 adopted by the General Assembly: 2005 World Summit Outcome,” U.N. General Assembly, New York, Oct. 24, 2005.

[2] Benjamin Miller, “When and How Regions Become Peaceful: Potential Theoretical Pathways to Peace,” The International Studies Review, June 2005.

[3] I. William Zartman, Collapsed States: The Disintegration and Restoration of Legitimate Authority (Boulder: Lynne Rienner, 1995), pp. 1-11.

[4] Jennifer G. Cooke and Richard Downie, “Rethinking Engagement in Fragile States,” Center for Strategic and International Studies, Washington, D.C., July 23, 2015; Linda Pullman, The Crisis Caravan: What’s Wrong with Humanitarian Aid? (New York: Metropolitan Books, 2010).

[5] See, for example, “The National Security Strategy of the United States of America,” The White House, Washington, D.C., Sept. 2002, p. 1; “Remarks of President Barack Obama—State of the Union Address As Delivered,” The White House, Office of the Press Secretary, Washington, D.C., Jan. 13, 2016.

[6] Fragile States Index, The Fund for Peace, Washington, D.C., 2016.

[7] Arab Human Development Report 2016: Youth and the Prospects for Human Development in a Changing Reality, United Nations Development Programme, New York, 2016, p. 175.

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق