ثقافة

الإبداع الرقمي.. محاولة لاستشراف المستقبل للأدب والنقد العربي

بين التقدم التكنولوجي في الأدب، وكلاسيكية النقد والإبداع، يحاول الباحثون الوصول إلى طريقة مثلى نحو الإلتقاء، مع اعترافهم بصعوبة الأمر، لما يحتاجه من إمكانيات متقدمة من التكنولوجيا.

في هذا التحقيق  طرحنا اسئلتنا حول معنى الأدب الرقمي، هل بدأت بشائره تلوح في منطقتنا العربية؟ هل يمتلك الكتاب والنقاد العرب أدوات النقد والإبداع الرقمي؟

عدد من أبرز المهتمين بهذه الظاهرة يطرحون هنا رؤاهم حول المشهد الأدبي والنقدي العربي الراهن، ومدى ملاحقته للتطورات المتسارعة في نوعية الإنتاج الإبداعي في عصر سطوة أدوات العالم الافتراضي وتعدد منصات التواصل مع الجمهور المستقبل لهذه النوعية من الإبداع، وتوقعاتهم حول إمكانات التأسيس لإبداع جديد يجاري ما نشهده حولنا في عالمنا المعاصر.

الروائي المغربي د. عبد الرحيم جيران: لم تتضح معالمه بعد

لا يمكن الحديث عن أدب رقمي، بل أدب معلوماتي، وينبغي التمييز بين ثلاثة أصناف: التفاعلي، والترابط، والمنتج الخالص الذي يقوم به الحاسوب، وهذا الأخير يعتمد على البرمجة المستندة إلى الذكاء الاصطناعي، أما بالنسبة إلى وجوده من عدمه بالعالم العربي، فلا مجال اليوم للحديث عنه، لأن التراكم الذي يسمح بهذا غير متوفر، فلم يتحول بعد إلى ظاهرة خاصة.

الصنف الثالث، حتى إذا ما رأينا الأمر من زاوية وجوده بالغرب، فعلينا أن نفهم أن المعلومات لم ترسو نهائيا عند تطورها الأخير، الشيء الذي يعني أن وسيلة الإنتاج (المعلام) لم تكتمل على نحو يكون معه حسم التوقعات في هذا المجال ممكنا، فكل تغير في وسيلة الإنتاج من شأنه أن يعطينا منتجا جديدا، وبهذا فإن ما يتوقع أن ينتج مستقبلا وفق تطور المعلوميات والذكاء الاصطناعي قد يكون تخيلا معلوماتيا مختلفا عن الأدب الذي هو نتاج الكتابة والمطبعة.

جانب آخر نغفله في هذا الصدد، وهو أن جُل من كتبوا في هذا المجال، لا يتوافر  له تكوين معلوماتي، بل يجهل المفردات التي تتأسس عليها المعلومات، ويجهل علم الذكاء الاصطناعي، وما وصل إليه من تطور.

الناقدة ريهام حسني: نقف عند نقطة البداية

ولد الأدب الإلكتروني من رحم الثورة الرقمية غربية المنشأ، منذ ستينيات القرن الماضي، ثم ظهر في وطننا العربي مع مطلع الألفية الثالثة، وتموج الساحة الأدبية العالمية الآن بمحاولات تنظيرية عديدة لمحاولة فهم آليات عمل وأدوات كتابة هذا النوع من الأدب، ولأن هذه الآليات والأدوات تتطور بتطور التكنولوجيا الرقمية، فإن النقد الرقمي دائم التطور والتغير، ما يشكل تحديًا كبيرًا أمام النقاد، وتكمن أزمة النقد الرقمي في وطننا العربي في أن المشتغلين به لا يجيدون أدواته التقنية، بسبب الافتقاد للخبرة في مجال البرمجة، وعدم الإلمام باللغات الأجنبية.

 أضف إلى ذلك أن نقاد الإبداع الرقمي يتناولونه بنفس مناهج النقد الأدبي الورقي، التي وضعت في سياق مختلف لتناول أعمال تختلف في طبيعتها عن الأدب الإلكتروني، أدى كل هذا إلى وقوف الإبداع الرقمي العربي عند نقطة البداية، ولن يبرح هذه النقطة إلا إذا طور المبدعون والنقاد أدواتهم، وأطلعوا على منجزات الثقافات الأخرى في المجال.

ورغم ما استقر في الأذهان بأن الإبداع هو المحفز لظهور النظريات النقدية المختلفة، إلا إنه في حالة الأدب الإلكتروني قد يسبق النقد الإبداع، بهدف التعريف بالأدوات الرقمية التي يمكن استخدامها أدبيًا. وما يحدث حاليًا في المشهد النقدي الرقمي العربي من إعادة إنتاج النظريات النقدية التقليدية، دون الغوص في الجانب التقني المميز للأدب الإلكتروني عن غيره، أدى إلى نضوب معين الإبداع الرقمي للأدباء العرب، فأصبحوا يكررون استخدام نفس الأدوات، ويحاكون بعضهم البعض، ولم يظهر بعد نقد رقمي يوجه الأدباء للإمكانيات الأدبية للتكنولوجيا الرقمية متسارعة التطور.

حتى الآن لم نطوع الذكاء الاصطناعي أدبيًا، ولا تكنولوجيا الواقع الافتراضي مثلًا في الأدب الإلكتروني العربي، بالرغم من أن ذلك تم بالفعل في الثقافات الأخرى، فالنقد هو المسؤول عن التعريف بهذه الأدوات، ولقد تناولت ذلك بالتفصيل في دراستي “من الدادا إلى الجافا: الأدب الإلكتروني بين النشأة والتطور”، والدراسة متاحة لمن يرغب قراءتها عبر الإنترنت.

الناقدة مروة مختار: نحتاج جيل مؤسس للنقد الرقمي العربي

قبل التساؤل عن حركة نقدية عربية متابعة وموازية للإبداع الرقمي، وهل يسحب الإبداع الرقمي البساط من الإبداع الورقي، يتعين علينا أولا التساؤل: هل يمكننا القول إن حركة النقد مواكبة للإبداع عموما؟ الإجابة بالنفي، فالإبداع سابق على النقد بخطوات واسعة، وعدد المبدعين في تزايد مستمر مقارنة بعدد النقاد، فما بالنا بالإبداع الرقمي، هل نتصور ونحن نسأل عن مواكبة النقد للأدب الرقمي أن هناك شريحة من النقاد، مازالت ترفض الكتابة عبر النوعية وقصيدة النثر، وإن كان هذا الرفض لم يمنع تحققهما وتطورهما.

نحتاج إلى نقلة نوعية فى فكر الناقد نفسه ووعيه، الناقد اعتاد الكتابة فى المناطق الآمنة المتعارف عليها والمعترف بها سلفا، وهذه النقلة ستجعله ينفتح ويتابع ألوان الكتابة المختلفة فى عصر الشبكات الالكترونية، لدرجة قد تخيفه إن لم يلتفت، فعين المبدع ستتجه إلى المتلقي الذي يتابعه ويشاركه الرأي وكتابة النص فى بعض الأحيان، سيتحرر من أسر فكرة الناقد النظامي الذي ينشد المنهج والشكل التقليدي، لأن المبدع فى الأدب الرقمي لديه من يشاركه كتابة النص ومن يتابعه ومن يعلق عليه.

أما التخوف من سحب البساط من الكتاب الورقي، فلا أتوقع حدوثها بشكل نهائي، فكلاهما موجود، وسبقننا إلى هذا اللون من الإبداع الدول الغربية، ونحن على تعدد ما كتب فى العالم العربي نعد فى مرحلة التبشير والبدايات والتخبط المصطلحي، وإن تباينت النسب من دولة إلى أخرى، وإن سبقت أقسام اللغات أقسام اللغة العربية فى الجامعات فى رصد هذا اللون وتتبعه.

وحاليا هناك رغبة من قبل بعض الباحثين، لمحاولة ادراج دراسة الأدب الرقمى ضمن مقررات الكليات بأقسام اللغات، مع دعوات للإعداد لمعاجم خاصة به لكي تستقر مصطلحاته وتأخد صفة العلمية، وهذا أمر طبيعي فى بداية ظهور كل لون أدبى، وهناك أيضا من ينحو لكتابة الأدب الرقمى للأطفال، فهم جيل الصورة والاندرويد.

وقبل أن نسأل عن امتلاك نقادنا أدوات الإنتاج الرقمي، أود أن أسأل هل طريقة التعامل أو التحليل النقدى لكل النصوص على اختلاف عصورها وأجناسها تتم بألية واحدة؟ وهل هذه الآلية استحالت إلى “كتالوج/ اسطمبة” لا تتغير مع تغير النصوص والعصور والفكر والأجيال التى ولدت ونشأت فى سياقات مغايرة؟

الفيصل هنا وعي الناقد وبصيرته وقدرته على مواكبة تلك التحولات، مع الحفاظ على توازنه العقلى والمعرفى بتطوير أدواته، وأظن أن الميدلوجيا أو علم الإعلام العام، لابد أن يستوقفه التصدي لنقد الأدب الرقمي وتحليله ثم إتقان التعامل مع تلك الوسائط الالكترونية، فالرتق مازال متسعا فى الثقافة الالكترونية بيننا وبين البلاد التي نشأ فيها هذا الأدب، وذلك لتعدد أشكال الأدب الرقمي، ورغم ذلك هناك محاولات جادة فى عالمنا العربي، تسعى لأن تكون مشاركة فى تكوين جيل مؤسس لنقد الأدب الرقمى.

الشاعرة ديمة محمود: التلقي “السائل” أبرز ملامح الرقمنة

مصطلح الأدب الرقمي مصطلح مطاط أو فضفاض إلى حد ما على الأقل إلى الآن. هل المقصود به كل مايتداول إلكترونياً بمعزل عن الورق من مواد أدبية بكل ماينشر منها في المواقع والمدونات المختلفة، وحتى الملفات البي دي إف؟ أم أنه يشمل حتى عملية التدوال بيعاً واطلاعاً للإصدارات الأدبية سواءً ظلت إلكترونية أو كانت ورقية؟ أم أن الأمر يتمدد ليشمل (الأدب التفاعلي) أي المنشور عبر وسائل التواصل الإلكتروني كفيسبوك وتويتر وغيرها ويرتبط بشكل ما بتفاعل الجمهور وردود أفعالهم؟ وهل المنتجات الصوتية مثلا تندرج تحت هذا المسمى؟.

الأمر يشمل كل ما تم ذكره طالما دخلت الشبكة العنكبوتيه والميديا وسيطاً للنقل، أما الباقي فهو تفاصيل. الأدب الرقمي يأخذ مكانه كأحد المظاهر الأساسية والمهمة، التي لايمكن تجاوزها أو الاستهتار بها لمرحلة  حضارية نعيشها بكل تفاصيلها إن صح تسميتها بـ”الرقمنة”.

وفي كل الأحوال ورغم مانعيشه من نقلات مذهلة في كل هذه الاستخدامات، فإن المستقبل سيشهد قفزات أكثر إثارة وتسارعاً لها في الأمدين القريب والبعيد، ولن يمكن وقف هذا التطور المتواكب مع كل التطورات الرقمية المختلفة في حياتنا. علينا أن نكون واقعيين وموضوعيين فهذا كله من مصلحة انتشار المادة الأدبية وكاتبها من جهة ومن مصلحة التعريف أو فتح قنوات لتغذية الوعي والمعرفة الأدبيين، خاصة مع انتشار قنوات اليوتيوب والساوند كلاود والتطبيقات المختصة بالكتب الصوتية (بأنواعها المدفوعة والمجانية)، ونجاحها في جذب قطاعات كبيرة من رواد الأدب، وحتى من عزفوا عنها في بداية ظهورها استهجاناً أو بحكم الفجوة بينها وبين ما اعتادوا عليه، فقد توجهوا لها لأنها بالفعل حققت أغراضهم في الاطلاع والمعرفة بأسلوب سهل وعملي.

ولا ننسى هنا، أن هذه النوعية من البرامج والتطبيقات، ملاذ أمين لمكفوفي البصر وربما حتى لفاقدي السمع، بالتأكيد الصورة ليست وردية فهناك سلبيات أو ثغرات ومخاوف ليست بعيدة عن تداول الأدب رقميا بأي شكل من الأشكال، فإمكانية الاقتباس على سبيل السرقة والاستنساخ متاحة بلا حدود رغم ماتبذله الجهات المعنية بالإصدارات الرقمية من قيود وسبل لحفظ حقوقها، لكن يبقى الباب مفتوحاً أمام هذا النوع من المخاوف.

اعتماد الدماغ على التلقي (السائل)، وهذا توصيف أزعم أنه من تسميتي، يجعل ثبات الصيغة المكتوبة والفكرة أحدهما أو كلاهما، أقل قابلية للحفظ والرسوخ في الذهن، وبالتالي أكثر قابلية للمحو إما من خلال النسيان أو حتى الإلغاء كلية، وأعني بالتلقي السائل التلقي السمعي أو المرئي  عبر الوسيط الرقمي.

الشاعر أسامة حداد: الإبداع التفاعلي يحد من مساحة النقد

العلاقات التفاعلية من خلال الإبداع الشبكي بدأ مع الصورة الأولى على الحاسوب، فالإبداع الرقمي تطلب وعيا مغايرا من وجهة نظر إدراكية، فعبر الأنترنت الشبكة العنكبوتية التواصل واعدام الزمن تقريبا بين زمني الإبداع والتلقي، تبدو الأبحاث الرقمية ضرورية لمواكبة التطور بعيدا عن الحداثة ومنطقها التقدمي. التفاعل مع التقنيات الحديثة يصبح عديم الفائدة إن لم تواكبه رؤى نقدية ملائمة له ومواكبة له، إذ أن الإبداع التفاعلي قد حد من الحركة النقدية، وفي الوقت الذي يبدو التوجه خارجيا نحو النقد الرقمي، يدور الحوار حول أسئلة أخرى حول الحداثة وما بعد الحداثة، والبحث عن نظرية نقدية عربية والتفاعل مع المذاهب الأدبية في الغرب، وأتصور أن النقد الرقمي وأبحاثه ستتوالى قريبًا برغم كل هذا، فالتطور لا سقف له.

وبالتأكيد أن أسئلة عديدة وإشكاليات متباينة، تبدو بديهية حول التواصل وتلقي العملية الإبداعية والتفاعلية معها، وهل تحول المتلقي إلى حالة سلبية أم هناك تشاركية؟

 الناقدة هايدي الجميزي: لنبدأ بمعالجة هشاشة النقد العربي

الإبداع الرقمي في المرحلة الراهنة، يلعب دورًا كبيرًا وهامًا في المشهد الثقافي العربي، من خلال تجسير الفجوات الثقافية الناجمة عن بُعد المسافات واختلاف البلدان، إلى جانب أنه أصبح من السهل المشاركة والنشر في تلك الوسائل التكنولوجية واستخدام شبكة الإنترنت في التواصل. على الجانب الآخر، يجب ألا نغفل أن الشريحة التي تتعامل مع تلك الوسائل التكنولوجية والرقمية ليست بتلك الشريحة العريضة، ومن ثمَّ فإنه يمكن القول أن الإبداع الرقمي متواجد جزئيًا في المشهد الثقافي العربي، وأنه لا ينفي اطلاقًا أهمية وتواجد الإبداع “الكلاسيكي”، الذي يُسيطر على كافة الشرائح وله باع طويل في الحقل الثقافي، والذي يُميزه العالم أجمع.

أرى أنه رغم تواجد بعض الإبداعات الرقمية الخاصة بالأدب عامة وبالنقد خاصة، إلا أنه من الصعب بناء نظرية نقدية رقمية عربية لعدد من الأسباب، أولها هو غياب النظرية النقدية العربية في المجمل، إلى جانب أنه لا يجب إغفال عملية السجال والمناقشة، التي مازالت تعاني من افتقار الإبداع الرقمي، وذلك يقودنا إلى سبب ثالث يمكن تلخيصه في عدم وجود منصة platform  ذات تواجد قوي ودائم مفتوحة للنقاش وإبداء الآراء، خاصة من المهتمين بالعملية النقدية من متخصصين وأكاديميين.

أرجح أن العملية عكسية، ليست ندرة وغياب الإبداع النقدي هو ما يجعل هناك استحالة في تقديم نظرية نقدية عربية، بل إن عدم وجود تلك النظرية النقدية في العالم العربي والاستيراد من الغرب دائمًا والإفتقار النقدي، هو ما جعل من الصعب وجود ابداع عربي. وهنا فإن تطلعنا للبحث عن نظرية نقدية رقمية عربية، يتطلب أولا مراجعة هشاشة الوضع النقدي في العالم العربي والعمل على إدخال تلك التقنيات في هذا الحقل من الدراسة، فالمفترض أن يكون الإبداع الرقمي قناة وصل ووصال بين كل من الناقد والكاتب والقارئ، ولكن في ظل غياب ذلك المثلث المشهور من المشهد الثقافي، يصعب تواجد ابداع رقمي قُبيل تأمين إعادة حضور ذلك المثلث في العملية الإبداعية.

الشاعر عمرو العزالي: لم نتجاوز بعد مرحلة الانبهار بالظاهرة

في السابق كانت الحياة سابقة على الأدب، ثم صار الأدب بالوقت مستشرفا لمستجدات الحياة. لكن بدخول الواقع الافتراضي الرقمي، استبدل أسماءنا بأكونتات وإيميلات تشير إلينا، ومنحنا حق اختيار الصور المفضلة لنا، أو لآخرين، لنا معهم علاقات محبة أو كراهية، أو صور لشخصيات أو أشياء ذات ذوات دلالات شبه متفق عليها في الوعي الجمعي، كما أتاح لنا مساحات من الكشط والتعديل في ما يصدر عنا من أقوال وتصرفات، ما جعلنا أقرب إلى مخلوقات رقمية مشوهة، لا هي مخلوقات رقمية حقيقية، ولا هي تركتنا على ما فطرنا عليه وعلمناه وأحببناه ومارسناه حياتيا وإبداعيا.

أرى أننا، نحن تلك المخلوقات الرقمية، من سيُكتَب عنها يوما ما أدب رقمي، نحن نحاول أن نرصد جوانب اللحظة الاسثنائية وخواصها في اللحظة ذاتها، التي ستتطور بالضرورة في وقت قياسي لا نتخيله، لتهدم كل ما جعلها استثنائية، وتؤسس لاستثنائية أخرى، فنحن حتى الآن نتعامل بقدر من الاندهاش مع المقدرات الحياتية الجديدة التي تسوقنا أمامها وتحشرنا في آلتها، غير عابئة في كثير من الأوقات بالـ(DNA) الثقافي الخاص بكل منا.

ومادمنا غير قادرين على التخلص من حالة الاندهاش، وادعاء عدم وجوده، سنظل ننتج أعمالا-على أهميتها- تتحدث عن الحياة الرقمية، لكنها ليست من رحمها، فالأعمال الروائية والقصصية التي لم تبتغ أدوات عرض رقمية، واهتمت باستلهام العالم الرقمي بشكل عام، والواقع الافتراضي منه شكل خاص، استطاعت أن تنجز بعض الرؤى، إذ أن أصحابها كانوا واقعيين من حيث وعيهم بأنهم من “جيل الصدمة” لا أكثر، وبالتالي فأعمالهم في معظمها كانت مستندة إلى الاعتناء برصد هذه الحالة من التوازي بين العالمين الواقعي والافتراضي.

في المقابل، فإن تجارب الأدب الرقمي إلى الآن لم تتجاوز كونها نصوص عادية للغاية أضيف إليها جهد مصمم جرافيك يجيد أعمال المالتيميديا، وأنا لا أنفي قيمتها؛ كونها خطوة على الطريق، لكن هل هي الخطوة الأهم؟ هذا ما ستثبته الأيام أو تنفيه، وإن كنت أظن أنه لا، فالمادة الخام في هذا المنتج الإبداعي كانت اللفظ المكتوب مع التخديم عليه بمنجز بصري بدائي للغاية تعبيريا.

وفي تصوري، فإن ما يميز الأدب الرقمي أن الصورة بمثابة جزء من النص ذاته، تؤثر تأثير اللفظة وتتجاوزه، مع دور كبير للفيديو الصامت، فضلا عن توظيف الإشارات البصرية والسمعية باعتبارها أنسجة في لُحمة النص ذاته. الأدب الرقمي وفق ما أتصوره سينتج نصوصا مخاتلة في صفاتها ووسائل عرضها، وسيكتمل وهج الأدب الرقمي حين يكتب المبدع ابتداء وهو يمتلك تصورا واضحا لتوظيف هذه العناصر، لذا فإنني ابتداء استبعدت حدوث هذا من خلال الجيل الحالي والسابق من الكتاب.

يبقى السؤال الآن، وهل الأجيال القادمة من الكتاب ستحمل وعيا يمكنها من إنتاج نصوص جيدة فنيا، ورقمية في طريقة إنتاجها من ألفها إلى يائها؟ أظن أنه لن يكون من المهم وقتها إنجاز أعمال ذات مستوى فني لافت، بقدر النجاح في امتلاك هذه الأدوات وتوظيفها، دون تحسسها، أو التعامل معها من عتبة اندهاش، مثلما هو حادث، لأن الجيل الذي سيقوم بهذا يفترض أن يؤسس لزمن أدبي جديد، ويكفيهم بالطبع-وقتها- فضل التأسيس.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: