منوعات

هتاف الصامتين.. يجد متنفسا على السوشيال ميديا

“كله متسجل، بس الحساب متأجل”، “اللي باعنا خسر دلعنا”، “سلام لينا عشان بنصرف على نفسينا.. وسقفة ليهم عشان ماما بتديهم”، “لا دهب ولا آثار، ده تعب ليل ونهار”.

هذه العبارات التي اعتاد سائقو سيارات الميكروباص والنقل والأجرة تدوينها على سيارتهم التي تمرق في شوارع مصر، وتبدو مثل هتافات صامتة يطلقونها تعبيرا عن مشاعرهم وفلسفتهم البسيطة في الحياة، وجدت لها أخيرا مجالا أوسع للانتشار على منصات التواصل الاجتماعي، وباتت تحظى بالترحيب من جمهور جديد غير ذلك الذي اعتاد قراءتها سابقا.

على الفيسبوك، منصة التواصل الأشهر والأكثر ذيوعا، انتشرت مؤخرا تدوينات لاقت إقبالا واسعا تحت عنوان “حكمة ميكروباصية صباحية”، أو “خذ الحكمة من سائقي الميكروباص”، تسابق فيها جمهور الشبكة الاجتماعية في نقل ما لفت أنظارهم وحظى بإعجابهم من هذه العبارات خلال رحلاتهم اليومية في القاهرة، التي تعد سيارات الميكروباص وسيلة المواصلات الأوسع انتشارا في شوارعها المزدحمة.

العبارات المختارة تتنوع في مضامينها من الحكم الدارجة إلى الأدعية إلى التعليق الساخر أحيانا على أحوال المجتمع وما طرأ على حياة الناس من تبدل في القيم والسلوكيات. السمة الغالبة في كثير من العبارات تعكس قدرا من الأسى على افتقاد المجتمع الكثير من القيم التي طالما صبغت العلاقات الاجتماعية بين أفراده في السابق، من التضامن والمحبة المتبادلة والوفاء والإخلاص بين الأصدقاء ورفاق العمر، لتظهر قيم جديدة تغلب عليها روح المنفعة وفقدان الرجاء في إصلاح ما أفسده الزمن في علاقات البشر.

تبدل القيم

الحدة الصارخة في تلك العبارات ترتبط إلى حد كبير بالسياق الاجتماعي الثقافي الراهن، وسطوة قيم السوق والمصلحة الخاصة، والغدر أحيانا. وبعد أن كان الشائع في العبارات قديما ما يعلي قيمة الصداقة: “واكلين عيش وملح سوا”، “صاحب صاحبه”، بدا غالبا على العبارات الجديدة مشاعر الجرح من غدر الأصحاب: “مفيش صاحب يتصاحب”، “لو صاحبك ناقص، بناقص”، “عتاب الندل اجتنابه”، “لا الفسيخ ينفع مربى، ولا الشمال ينفع يتربى”، “البخت مال من الصحاب الشمال”، “عملنا اللي ما يتعملش، مع ناس ماتستهلش”، “سلام خاص، للناس الرخاص”، “شفنا كلامكم، وعرفنا تمامكم”، “مش قد العيش والملح، ما تطفحش”. “الشتيمة واجب مادام الأدب مش عاجب”.

التأكيد على سيادة علاقات المنفعة بين الأصدقاء، يبدو واضحا أيضا في عبارات أخرى، مثل: “لما السيجارة تنطفي، الصحاب تختفي”، “الفلوس انصرفت، والرجال اتعرفت”، “عاملين حبايبنا، وباصين على اللي في جيبنا”، “وقت المصالح نتصالح”، “يا عم أصاحب مين؟ دا عشري باع اسماعين”،

ويزداد الأمر حدة في عبارات أشد عنفا، مثل: “لو باض الديك مش هعديك”، “من النهارده مفيش عتاب، والغلطة بحساب”، “كل قرد يلزم شجرته”، “احنا غلابة بس ساعة الشر بنتغابى”، “في وشك أولياء الله الصالحين، وفي ضهرك كلام أشد من السكاكين””، تعمل حسابي أقدرك، تهزر معايا أعورك”.

غلبة الضجر ونفاد الصبر من ظروف العيش الخانقة بدا واضحا أيضا في عبارات جديدة: “تاخدوا كام وتبطلوا كلام”، “نقطنا بسكاتك”، “محدش طلب رأيك”، “سلام يا بلد الكلام”، “يا تبقى قد كلامك ياتخلي كلامك على قدك”.

غزل وعتاب

عبارات الغزل والمناغشة والعتاب للجنس اللطيف تشغل أيضا مساحة ليست قليلة في عبارات جديدةأخذت في الظهور: “رافعة حاجبها ومحدش عاجبها”، “ضحكت يبقى قلبها مال، غمزت تبقى بنت شمال”، “العقل السليم في البعد عن الحريم”، “البنت الشمال تفضل شمال حتى لو لبست إسدال”.

الغزل الأشد والحب الأقوى هو من نصيب السيارة مصدر الرزق الأول لسائقي الميكروباص: “الحلوة عليها أقساط”، “ربنا يحميكي من زيارة الميكانيكي”، “لو لمستها هحطك تحتها”.

السياسة وأحوالها

 ولا يخلو الأمر أحيانا من عبارات تحمل مضامين سياسية غير مباشرة: “لا دهب ولا آثار، ده تعب ليل ونهار”، في إشارة إلى معاناتهم في امتلاك سياراتهم عبر عمل شاق متواصل، على عكس غيرهم ممن تربحوا من ممارسات مشبوهة مثل الاتجار غير المشروع في الذهب أو بيع الآثار المهربة.

حتى أحوال العالم من حولنا لم تغب عن عبارات تعكس أن الاهتمام بمتابعة ما تحمله إلينا نشرات الأخبار وبرامج التوك شو الليلية، العبارة الأطرف تعكس لماحية وخفة الدم من كتبها على خلفية النشر المكثف لحادثة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشوقجي أثناء إنهاء معاملة تخصه داخل قنصلية بلاده في تركيا: “القنصل دعاني، ورب العرش نجاني”.

كنز سيد عويس

عالم الاجتماع المصري سيد عويس (1913- 1989)، كان أول من اهتم بهذه الظاهرة قبل نحو نصف قرن في كتابه: “هتاف الصامتين”، والذي جمع فيه حصاد تجواله على مدى عامين ونصف العام في أغلب محافظات مصر، لرصد تلك العبارات التي اعتاد السائقون تدوينها على سياراتهم، وقدم لنا في كتابه الشيق ما يشبه الكنز من فلسفة هؤلاء البسطاء ومخزون حكمتهم الموروث، متبعا تصنيف غاية في الإبداع لتلك المقولات بكل ما تحمله من مضامين تنبع من السياق الاجتماعي الثقافي في المجتمع المصري.

“سيد عويس، وكتابه “هتاف الصامتين

عويس هو أول من أطلق على تلك العبارات وصف “هتاف الصامتين”، فهو رأى أن أصحابها اختاروا بمحض إرادتهم أن يهتفوا في صمت، وأن يعبروا عن أفراحهم وأحزانهم ومخاوفهم وبعض القيم التي يقدسونها في تلك العبارات التي تمثل في تجوالها عبر سياراتهم ما يشبه “جهاز إعلام شعبي”.

رصد سيد عويس ألف كلمة وعبارة في كتابه، منها ما يرتبط بمقطع من أغنية، أو مقولات شعبية سائدة أو أمثال شعبية، ومنها أيضا صيغ التحذير وعبارات التحية والعبارات ذات المضامين الدينية، من دعوات وابتهالات وآيات القرآن وأحاديث نبوية وآيات الكتاب المقدس.

وربط عويس بين ظاهرة الكتابة على السيارات والخوف من المجهول لدى أصحاب تلك السيارات: “على فيض الكريم”، فالرزق بالنسبة لهم ليس فقط مجهول، بل هو أيضا من الأشياء التى يخشون تعرضهم فيها للحسد. يهتف الصامتون طالبين “السلامة والستر”، وحين تعجزهم الحيل يستنجدون بالآولياء الصالحين: “أم هاشم، الحسين، السيد البدوي، مار جرجس، الغريب، أبو العباس، العدوي، المتولي”.

استلهام الغناء

حين يفرحون تصبح عباراتهم: “أبو سمرة السكرة”، “”أتمخطري واتمايلي يا خيل”، “ادلع يا رشيدي على وش الميه”، وهي مقاطع من أغان واسعة الانتشار تشع منها البهجة والفرح لتملأ  نفوس أصحابها ونفوس قرائها، رسالة بهجة يطلقها صاحبها يناجي بها رفاقه على الطريق.

الأغنيات كانت أيضا المصدر الأهم فيما حملته تلك العبارات من رسائل الحب: “الهوا هوايا، أنا الهوا هوايا”، “أمل حياتي، يا حب غالي ماينتهيش”، “أنت الحب”، “أنت عمري”، وكذلك في رسائل اللوم: “إنما للصبر حدود، يا حبيبي”، “تفيد بإيه يا ندم وتعمل إيه يا عتاب”، ورسائل طلب السلامة: “سالمة، يا سلامة”، ورسائل الخوف من الحسد: “عين الحسود، فيها عود يا حلاوة”، “يا حاسدين الناس، مالكم ومال الناس”، وغيرها من مقاطع غنائية أحسوا أنها تعبر عن الحالة النفسية التي يعيشونها ورؤيتهم للحياة وموقفهم من المحيطين بهم.

وإلي جانب المقاطع الغنائية كانت هناك التعبيرات ذات المضمون الشعبي: “النبي تبسم”، “بص وشوف”، “حصوة فى عين، اللي ما يصلي على النبي”، “فلفلة يا كيداهم”، نصيبى كده”، “يا دلع دلع”. وعبارات التحذير: “احذر خطأ الغير”، “حاسب وراك، وراك حاسب”، “على مهلك يا جميل”، “حاسب”، “عينك”، “لا تغضب”.

الأمثال الشعبية

الأمثال الشعبية مصدر آخر لاستلهام هذه العبارات، وهي تعكس مشاعر متنوعة من الاعتزاز بانتمائهم إلى بيئة شعبية بالغة الثراء في قيمها وسلوكياتها. ومن هذه الأمثلة ما يعبر عن سعادتهم بانهم ورثوا الكثير من الصفات عن أباءهم “ابن الوز عوام”، أو إيمانهم بان رزقهم محدد من قبل الله سلفا: “”أجرى يا بن آدم جرى الوحوش، غير رزقك لن تحوش”، وتسليمهم بأحكام القدر وتصاريفه: “اللى مكتوب على الجبين، لازم تشوفه العين”.

ولا تخلو كتاباتهم أيضا من نصائح موروثة يعتبرونها دستورا لحياتهم: “احترم العامل، يحترمك”، “احترم الكبير، واعطف على الصغير”، “افعل الطيب”، “الصبر طريق السلامة”، “كن مع الله”، “كن مفتاحا للخير”، “لا تتعجل  إنها إرادة الله”، “لا تسرع  وعد سالما”. وهى في مجملها تؤكد مدى حرصهم على احترام قيم العمل وفعل الخير والاستعانة بالله  والصبر على النوائب.

كما يرسل الصامتون عبارات التحية طلبا للونس من رفاق الطريق: “صباح الفل يا عود فل”، “مرحبا يا شباب”، إلى جانب تلك المقولات الدينية: “توكلت على الله”، “رضا من الله”، “في رعاية الله”، “لك الحمد يارب”.

ويستنجد الصامتون بآل البيت: “نظرة يا حسين”، “نظرة يا بنت الحسن والحسين”، “نظرة يا شيخ العرب”(السيد البدوى)، “نظرة يا ست” (السيدة زينب)، “يا عدوى”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق