فن

سوناتا الخريف.. الحب والغضب والتسامح مع جبل من الثلج

عاطفة عميقة، يرافقها غضب متراكم، أسفل وجه بارد يوشك على الانفجار في وقت ما، تحمله فتاة على علاقة مضطربة بكل من حولها، ومع الذات أيضا. في المقابل، غرقت الأم في حياتها المهنية فقط ولم تقدم لابنتيها ولو القليل من مشاعر الود والحب والعاطفة.

فيلم “سوناتا الخريف” للمخرج السويدي الراحل “انجمار برجمان” إنتاج 1978، الذي أعادت سينما “زاوية” في قلب القاهرة عرضه ضمن الدورة الحادية عشر لبانوراما الفيلم الأوروبي، يصور بشكل عميق ككل أفلام بيرجمان، تلك العلاقة المعقدة والمتوترة بين الأم وأبنتيها.

الفيلم يعد تعبيرا واضحا لأسلوب بيرجمان، حيث تهتم الكاميرا بتعبيرات الوجوه، فيما يبرع الممثلون في تقمص الشخصيات والتعبير عنها حتى في لحظات الصمت، ليبدو وكأننا أمام فيلم تسجيلي يرصد الواقع، وليس عملا روائيا تمت معالجته سينمائيا.

يبدأ الفيلم، بمشهد يوحي باستقرار ذلك المنزل الذي نحن بصدد الدخول ضمن افراده، ليحكي القس “فيكتور”، يحكي بشكل هاديء عن علاقته بزوجته “ايفا” ليف اولمان، وكيف تعرف عليها وقدم لها طلبا بالزواج، وكيف يقدر عملها ويحب ما تكتبه زوجته، وتملأه الرغبة أن يستطيع التعبير عن حبه لها مره أخرى، فيما تقبع الزوجة في خلفية المشهد منهمكة في الكتابة.

ولأول مرة منذ مدة طويلة تستطيع إيفا أن تكتب رسالة لأمها “شارلوت” انجريد بيرجمان، تدعوها للمكوث معها بالمنزل رغم انقطاع التواصل بينهما لمدة 7 سنوات، لكن رغبة الابنة ولدت مع وفاة صديق الأم المقرب، ليوناردو.

وصول الأم يبرز طريقة التواصل بين الأم وأبنتها في البداية بشكل مبسط وهاديء، فالعناق الأول بينهما بعد كل تلك المدة تطلب ما يشبه التصريح من الأم.

سرعان ما تقدم الأم الشكوى من الأيام الأخيرة مع ليوناردو المريض رغم الحياة الصاخبة في بداية علاقتها به، لكن الأم تبدو في كامل اناقتها.

تبرز هامشية علاقة الأم بأبنتيها عندما تعرف من إيفا أن شقيقتها المريضة الصغرى “هيلينا” في المنزل، ونرى مدى الصعوبة التي تحاول بها أن تبدو بمشهد الأم التي تقابل ابنتها الصغرى طريحة الفراش، لكن في نفس الوقت تسال ايفا عن سبب عدم اخبارها بوجود هيلينا بالمنزل، لتقول الأبنة ” لو علمتي أنها هنا لاعتذرتي عن المجيء”.

من أبرز المشاهد التي قدمها بيرجمان حديث الأم “شارلوت” الذاتي حول شعورها بابنتيها في نفس الوقت مع حديث إيفا مع زوجها حول الأم، لتفصح كل منهما عن رأيها عن الأخرى ولكن في حديث للنفس، ينتهى برغبة الأم في ارتداء أفخم ما عندها في عشاء منزلي، لتقول لأبنتها انها لا تعاني من وفاة صديقها أبدا، في محاولة لإظهار نفسها كامرأة قوية لا تعطي بالا للمشاعر رغم عملها كعازفة بيانو.

تبدأ احداث الفيلم بالتصاعد للوصول للحظة المواجهة بين الأم وأبنتها، فتجد الابنة ملاذها في كأس من النبيذ يعينها على أن تفصح عن كل ما كانت تخشى أن تقوله للأم التي تحبها وتكرهها في آن معا، لتنطق بكل ما اخفته سابقا بدافع الخوف، وبالمثل حاولت الأم ممارسة عادتها في التبرير، لكنها سرعان ما تعترف هي الأخرى بأنها هي الأخرى عانت في طفولتها، وتطلب المغفرة من ابنتها.

مشهد النقاش الحاد بين ايفا وشارلوت

وفيما يشبه تلخيص مشاعر الابنة والأم، بل وتلخيص قصة الفيلم بأكمله، تقول إيفا لشارلوت في نهاية ذلك المشهد: “أم و ابنتها.. يا له من لقاء فظيع، مشاعر و تشويش و دمار، كل شيء محتمل ، و يفعل بإسم الحب والإعتناء، إن جرحت الأم فلتجرح بالتالي الابنه، إن فشلت الأم فكذلك فلتفشل الابنة، إن حزنت الأم، فلتحزن الابنه، كما لو أن الحبل السري، مازال لم يقطع بينهما، أهو كذلك؟”

بعد ذلك الحديث الموجع والذي يخلق داخل المشاهد مشاعر متناقضة بين الغضب من الأم والتعاطف مع الابنة، والتعاطف مع الأم التي تسعى للغفران، نجد أن الأم وقد قررت ترك المنزل مرة أخرى ولكن هذه المرة بموافقة الابنه، التي تظهر في المقابر وهي تحاول أن تمحي ما بداخلها من مشاعر الكره، لنعود في المشهد الأخير للمشهد الأول نفسه/ حيث تقوم إيفا بكتابة رسالة للأم تخبرها بأنها غفرت لها ما سبق، وتطلب منها الغفران بدورها عن كلماتها القاسية.

الفيلم الخالي من الموسيقى التصويرية تقريبا، إلا ما قامت الأم بعزفه، أو الابنة بدورها كفتاه تريد ابهار الأم، تشريح مكثف لشخصياته الرئيسية، وتقلباتها النفسية والرغبة في الشعور بالقبول والحب والمودة.

 حاز الفيلم على العديد من الجوائز منها، الجولدن جلوب لأحسن فيلم أجنبي عام 1979، ورشحت انجريد بيرجمان لجائزة أفضل ممثلة في نفس المهرحان، بالإضافة لترشيحها لأوسكار أفضل ممثلة في دور رئيسي لنفس العام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق