الحدث

إفريقيا ورهان الديمقراطية.. الغرب يدعم الاستبداد، وقوى التغيير تتشبث بالأمل

“برغم النجاحات التي حققتها العديد من النظم الاستبدادية في القارة الإفريقية مؤخرا، إلا أن قطار الدمقرطة قد انطلق بقوة نحو وجهته النهائية”. هكذا يصف الصحافي الكيني جون جيثونجو، رئيس المعهد الإفريقي للحكم النزيه، المشهد السياسي في بلدان القارة الإفريقية، في مقالة له بعنوان Africa’s Generation War (حرب الأجيال في إفريقيا).

ويدلل جيثونجو على ما خلص إليه في مقالته بفوز الرئيس الكيني أوهورو كينياتا بفترة رئاسية ثانية نهاية العام الماضي بعد جولتين انتخابيتين لم تخلوان من انتهاكات سافرة ارتكبتها مؤسستا الشرطة والقضاء. وكذلك شهدت ليبيريا، فوز لاعب كرة القدم الأشهر جورج ويا بالانتخابات الرئاسية بعد معركة طاحنة أمام القضاء الموالي للنظام القديم، ما أدى إلى تأجيل أول انتقال ديمقراطي للسلطة في البلاد منذ عام 1944. وفي زيمبابوي خرج الرئيس روبرت موجابي بعد 37 عاما قضاها في السلطة ليحل محله إيمرسون منانجاجوا الذي شغل عدة مناصب وزارية في نظام موجابي، والمتورط في جرائم عنف مفرط ارتكبتها الدولة في حق مواطنيها.

الرئيس الكيني أوهورو كينياتا

وبرغم كل هذه الأحداث، إلا أن الشهور القليلة الماضية – كما يؤكد جيثونجو – أبرزت توجهين مهمين ومتناقضين، أولهما التوجه نحو وأد مساعي الدمقرطة والترسيخ للحكم الاستبدادي بتوظيف الصراع الجيوسياسي، الذي تخوضه الدول الغربية ضد الصين على موارد الدول الإفريقية، من أجل فرض مزيد من القوانين المكلبة وشرعنة الإجراءات القمعية بحجة مكافحة الإرهاب، وتعد كل من برواندا وأوغندا نموذجا لهذا التوجه.

أما التوجه الثاني فتمثله حالة الحماس والتشبث بالأمل التي يبديها الناخب الإفريقي، لا سيما من فئة الشباب، في معركته ضد النظم الاستبدادية القديمة. وقد شكًل هؤلاء الشباب قوام جمهور المحتجين الذين خاضوا معارك طاحنة ضد القوات الشرطية في الشهور الأخيرة، بدءا من توجو والكونغو، ووصولا إلى كينيا وزامبيا. وعزز هذا التوجه عدة عوامل، من أبرزها ظهور وسائل إعلام مستقلة (بما في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي)، والوعي الذي أبدته بعض المؤسسات، وعلى رأسها المؤسسة الدينية (ممثلة في الكنيسة)، وتفاني المنظمات غير الحكومية للتأطير لنظام محاسبي.

صراع أجيال

وتشهد القارة السمراء حاليا صراع أجيال ضروس بين النخبة المتشبثة بالسلطة والشباب المتطلع إلى الديمقراطية. ولكن السؤال المهم الذي يطرحه الكاتب هو: هل سيستطيع هذا التحالف الديمقراطي القاعدي بين الشباب والمؤسسات المستقلة مقاومة المد السلطوي المدعوم غربيا، والإفلات من القبضة الحديدية للنخبة الحاكمة؟.

ويرى الكاتب أنه على المدى الطويل، تخدم التحولات الديموغرافية التحولات الديمقراطية، فالشعوب الإفريقية – كما تبين الدراسات الديموغرافية – تأتي في مقدمة شعوب العالم من حيث نسبة الشباب وسرعة النمو وانتشار التمدن. كما أن القيادات الشابة ليست بمعزل عن العالم، وتتمتع بمهارات فائقة في مواكبة عصر الرقمنة مقارنة بالأجيال السابقة؛ مما يجعلها أكثر رفضا للنظم السلطوية .

دعم غربي

رغم ذلك، فإن تاريخ الاستبداد في إفريقيا يمتد على مدى حقبة ما بعد الاستقلال بأكملها. كما تتجه الدول الغربية بقوة إلى دعم الأنظمة الاستبدادية بطول القارة السمراء وعرضها كآلية لمقاومة جماعات الإسلام السياسي. فالولايات المتحدة الأمريكية – على سبيل المثال – تدفع بسخاء للحكومات الإفريقية في شكل معونات عسكرية ومعونات لمكافحة الإرهاب. وتستغل الانظمة الحاكمة دعاوى التصدي للجهاديين لقمع المعارضة السياسية والمنظمات الحقوقية. ويضرب الكاتب العديد من الأمثلة في دول مثل النيجر وإثيوبيا وأوغندا والكاميرون وتشاد.

ويسهب الكاتب في تفصيل الحالة الكينية باعتبارها “الأكثر إحباطا”. فقد كانت كينيا أحد أهم شركاء الولايات المتحدة الأمريكية في محاربة الإرهاب في منطقة القرن الإفريقي، كما جاءت على رأس دول القارة في تنفيذ عمليات قتل خارج نطاق القانون على يد قوات الشرطة عام 2016 وفقا لإحصاءات منظمة العفو الدولية. وقد شهدت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في نوفمبر 2017 الكثير من الانتهاكات، حيث حصدت آلة القتل الشرطية أرواح 60 من أفراد الشعب في الفترة بين إجراء الانتخابات في 8 أغسطس 2017، وإعادتها – بناء على حكم قضائي – في أكتوبر من العام نفسه. ويشير الكاتب إلى أن جميع التحقيقات التي أجريت للكشف عن القاتلين لم تسفر عن شيء، ورغم ذلك فقد اثنى الرئيس الكيني أوهورو كينياتا على أداء الشرطة أثناء الانتخابات.

تعطش للديمقراطية

لكن التجربة تثبت دائما أن المكاسب التي تحققها الأنظمة من قمع التحول السياسي تزيد اصطفاف القاعدة الشعبية خلف النموذج الديمقراطي التعددي. فطبقا لاستفتاء أجرته مجموعة أفروباروميتر البحثية فضًل 67% من الأفارقة النظام الديمقراطي على سائر نظم الحكم. وبرغم ما شاب الانتخابات الكينية الأخيرة من انتهاكات، لم تجرؤ الحكومة على قطع الإنترنت أو تعطيل وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك بفضل الطبقة الغنية التي تضم – على عكس دول كثيرة من المنطقة – رجال أعمال، وليس عسكريين؛ حيث تمثل الإنترنت والتكنولوجيا المالية مرتكزا أساسيا لاقتصاد البلاد العولمي.

ورغم تحذيرات الكاتب من أن تطبيق الديمقراطية عادة ما يجلب بعض الفوضى “خاصة في ظل نشوب صراع الأجيال”، لكنه سرعان ما يخلص إلى أن التوجه الشعبي القاعدي في جميع أنحاء القارة الإفريقية يسير بخطوات وئيدة نحو الدمقرطة. ورغم تشبث الأنظمة العجوز بأهداب السلطة، “الذي قد يحقق نجاحات على المدى القريب في تعطيل المسار الديمقراطي”، إلا أن الأجيال الشابة والصاعدة أصبحت تمسك بزمام اللعبة السياسية؛ “وما استقالة موجابي سوى بداية لمرحلة تالية من انطلاقة إفريقية نحو الديمقراطية”.

الرئيس الزيمبابوي روبرت موغابي

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: